قراءة في تاريخ إيران الجمهورية /٢

نزار السامرائي

قراءة في تاريخ إيران الجمهورية /٢

اعتمد النظام الإيراني الجديد سياسة مركبة وفي غاية التعقيد لتثبيت أركانه، تمثلت من جهة في سياسة القمع التي مارسها النظام باسم سلطة قضائية ثورية تعتمد سياقات لا تمت للعدالة بصلة، وأوكلت هذه السلطة إلى رجال لا يمتون إلى القضاء بصلة، بل جاءوا من فريق العمل الذي عمل مع الخميني لفترة طويلة ومعظمهم معممون، وكان لأولِ مدعٍ عامٍ بعد التغيير "صادق خلخالي" المعروف بتشدده تجاه المتهمين أبلغ الأثر في الأخذ بالحد الأعلى من الأحكام على المتهمين، فسيق المئات من أركان النظام السابق عسكريين ومدنيين إلى السجون أو ساحات الإعدام أو فرّ منهم الآلاف خارج إيران لينجو من حبل المشنقة.

ومن جهة أخرى نشط الفريق المفوض من الخميني في خطة الحد من دور الجيش في البلاد، لا سيما بعد تشكيل أول نواة للحرس الثوري كجيش موازٍ، وأخذ يتوسع في حجمه وفي واجباته على حساب الجيش والأجهزة الأمنية، وتحول مع الوقت إلى مؤسسة عسكرية تتألف من مختلف الصنوف القتالية، ويقال إن ما كان يدور في رأس الخميني، كأولوية أولى إصدار قرار بحل الجيش بسبب قناعته بأنه موالٍ للشاه، والاعتماد الكلي على الحرس الثوري، في حماية الثورة من الأخطار الداخلية، والاضطلاع بمهمة الدفاع عن الجمهورية الإسلامية بوجه الأخطار الخارجية، وباعتباره جهازا عقائديا، أوكلت إليه مهمة "تصدير الثورة الإسلامية"، وهو الهدف الذي أثار كثيرا من المخاوف والقلق لدى دول الجوار القريب، وبمجرد صدور قرار الخميني بتشكيل الحرس الثوري، اندفع آلاف من العاطلين عن العمل، من طبقة الفقراء والمعدمين القاطنين في الأحياء الجنوبية لطهران للانضمام إليه، كثير منهم طمعا بالحصول على مورد ثابت ومضمون، وقليل منهم بدافع الانتماء للثورة، وقسم منهم طلبا للنفوذ السياسي والوجاهة الاجتماعية.
لكن وكشأن أي تغيير سياسي، كان طبيعيا أن يواجه النظام الجديد أزمات داخلية تمثلت باختيار أولوياته في مواجهة قوى سياسية ذات حضور قديم في المجتمع الإيراني، ناصبته العداء من الأيام الأولى، وأخرى دعمته وانخرطت في صفوفه ولكنها رأت في سلوكه تهديدا لتصوراتها، وفي بداية الطريق وقع الصدام والفراق مع توجهات الحكم الجديد وما كان يطرحه من شعارات، كما واجه النظام الجديد معارضة قوية من جانب المؤسسة الدينية، ولكنها ظلت محصورة في نطاق المناقشات والأطروحات داخل الحوزات العلمية، وبين رجال الدين الأعلى رتبة من الخميني في تراتيبية الدرجات التي يحملها رجال الدين الشيعة في إيران والعراق، والذين لا يشاركون الخميني فكرة "ولاية الفقيه المطلقة".
وبرزت أمام الحكومة التي شكلّها الخميني من الجبهة الوطنية برئاسة مهدي بازركان في 4 شباط 1979، وهي أول حكومة تأسست في إيران بعد الثورة، أزمات خارجية كانت نائمة، وأخرى تترقب انجلاء الموقف عن صورة سياسية واضحة المعالم يمكن البناء فيها على النوايا المعلنة، ذلك أن علاقات إيران مع دول العالم وبخاصة مع دول الجوار اتسمت بكثير من الشكوك والترقب، بسبب الفوضى التي سادت البلاد بعد انتقال السلطة من نظام بيروقراطي مركزي صارم، له تحالفات وعلاقات خارجية مستقرة مع بعض الدول، إلى نظام ثوري ديني يعاني من قلق متعدد الوجوه، وانعدام الخبرة السياسية نتيجة عمليات التطهير الواسعة التي طالت أجهزة الدولة ومؤسساتها البيروقراطية، وعلى الرغم من أن النظام الإيراني بدأ اعتمادا تدريجيا على بعض كوادر الدولة في تسيير شؤونها لا سيما وزارة الخارجية، نتيجة مشورة قُدمت له من الجبهة الوطنية الإيرانية، إلا أن هذه الخطوة حققت نجاحا ضئيلا في مساعي النظام الجديد لإزالة المخاوف الناجمة عن الشعارات التي رفعها رجال الثورة، لا سيما شعار تصدير الثورة ثم تكريس معناه في الدستور الإيراني الجديد.
ومع الأيام بدأت مهمات الحرس الثوري تتشعب وتتعدد على نحو متداخل، لعل أبرزها حماية الأمن الداخلي بوجه التحديات المتعددة المصادر، ومواجهة أنشطة قوى متباينة التوجهات لاقتناص الفرصة المتاحة لأخذ نصيبها من الكعكة المعروضة أمامها، كما أن الحرس الثوري كان حريصا بدرجة أكبر على بسط السيطرة على المؤسسة العسكرية القديمة، وكانت أولى المهمات الداخلية التي نفذها الحرس الثوري وأصبحت مؤشرا على منهاجٍ سيتكرس في سلوك إيران على امتداد عقود عدة، وأوشكت أن تصل إلى نصف قرن من الزمان، هي عملية احتلال السفارة الأمريكية في طهران، فقد نفذ الحرس تحت اسم "الطلبة المؤمنين بخط الإمام" وبأوامر مباشرة من الخميني نفسه، في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979م عملية اقتحام للسفارة الأمريكية، فعند الساعة العاشرة صباحاً، شن الحرس هجوما على مبنى السفارة، إذ قام الطلبة بكسر الأقفال وفتحوا الأبواب، واقتحموا ساحة السفارة، واحتجزوا فيها أكثر من خمسين موظفا، بينهم دبلوماسيون وموظفون إداريون، واحتل ذلك الحدث الموقع الأول في نشرات الأخبار، خاصة في شبكات التلفزيون الأمريكية والصحف ووكالات الأنباء العالمية، وبقي المحتجزون 444 يوما داخل سفارة بلادهم.
بعد تحول الأزمة إلى قضية رأي عام واهتمام دولي واسع النطاق، تشبثت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، والذي يُنظر إليه باعتباره أضعف رئيس أمريكي شغل هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة حتى ذلك الوقت، بجميع الأطراف الدولية التي ظنت أنها قادرة على التأثير في القرار الإيراني، فدخلت أكثر من دولة على خط التوسط لإطلاق سراح الرهائن، وكانت أكثر الوساطات نجاحا الوساطة الجزائرية، ومن أجل نجاح الوساطة قدمت واشنطن لإيران تنازلات كبيرة ارتبطت بدفع عدة مليارات من الدولارات، التي قيل حينها إنها من أرصدة الشاه المجمدة في البنوك الأمريكية، وفسر كثير من المراقبين هذا التصرف على أنه هو الذي وضع الأساس لتقاليد جديدة في التعامل الأمريكي مع إرهاب الدول، نتيجة ما استشعرته إيران من تراجع أقوى دولة في العالم أمام عنادها، عاشت تحت إغراء اللجوء إلى هذا النمط من السلوك الرسمي لدولة عضو في الأمم المتحدة مع الدول الأخرى، كلما أحست أن هناك ملفات مغلقة بحاجة إلى سلوك غير تقليدي لفتح أبوابها، فأوكلت إلى الحرس الثوري، تنفيذ مهمات خارجية قادرة على انتزاع تنازلات سياسية، لم يكن ميسورا الحصول عليها بالوسائل السياسية المعتمدة في التعامل بين الدول، وعبر هذه الوسيلة تم الحصول على مبالغ كبيرة من دول أقل قوة من الولايات المتحدة، بعد اختطاف مواطنين من رعاياها من دبلوماسيين وسياسيين وصحفيين، ومقايضتهم بفديات كبيرة تتناسب مع مكانتهم في بلدانهم ومع إمكانات بلدانهم المالية.
لقد اضطرت الولايات المتحدة في تعاملها مع ملف سفارتها في طهران، لاتخاذ خطوات اعتبرها كثير من الأمريكيين تنازلات مهينة، فقد اضطرت إدارة الرئيس كارتر للتنازل عن قرار سيادي أمريكي يتعلق بحق الولايات المتحدة باستقبال من تشاء من أصدقائها وضيوفها، سواء حملوا صفة سياسية في بلدانهم أثناء الزيارة أم لم يحملوا، إذ رفضت واشنطن دخول شاه إيران إلى الأراضي الأمريكية لتلقي العلاج من مرض السرطان الذي كان يعاني منه قبل سقوط نظامه، وكانت واشنطن تعرف حقيقية مرض الشاه، والتي ظلت طي الكتمان لأسباب سياسية كانت معتمدة كقاعدة شرق أوسطية عامة في التعامل مع الحالة الصحية لقادة الدول في هذه المنطقة، لتعلقها بالأمن القومي لتلك الدول كما تعتقد، وبهذا التصرف الأمريكي تشجعت إيران على المضي قُدما في ممارسة الضغط على جميع دول العالم، وانصياعا لهذه المخاوف، فإن عددا من الدول الأخرى رفضت استقبال الشاه باستثناء المملكة المغربية التي استضافته لفترة قصيرة جدا، حتى أعلن الملك الحسن الثاني أن الشاه لم يبدِ رغبته في الإقامة الدائمة في بلاده، لأن ذلك لو حصل فعليه أن يقوم بسلسلة من الإجراءات مثل ترتيب أوضاع أولاده الدراسية وكذلك اختيار السكن المناسب له.
بعد ذلك توجه الشاه المخلوع إلى مصر، التي استقبلته كموقف أخلاقي من الرئيس أنور السادات الذي قال إنه استقبل الشاه بسبب دعمه لمصر بالنفط، قدمته إيران إلى مصر في وقت سابق ولأسباب إنسانية لتلقي العلاج، لكنه توفي فيها ودفن هناك.
ومن اللافت أن الجزائر التي حرصت على استمرار العلاقات الخاصة مع إيران، وبذلت جهودا أخرى في أكثر من قضية، لا سيما ما بذلته من جهود أثناء الحرب العراقية الإيرانية من أجل وقفها، ولكن تلك المساعي لم تصل إلى نهاية سعيدة، ومع ذلك لم تيأس الحكومة الجزائرية من تكرار الفشل في وساطاتها بشأن قضايا كبيرة تخص علاقات إيران مع الدول الكبرى وخاصة مع الولايات المتحدة، إذ أن إيران بدأت تفضل الجهد العماني على المساعي الجزائرية.
على العموم بعد 444 يوما وصل الرهائن الأمريكيون إلى الجزائر، قبل يوم واحد من انتقال الرئاسة إلى الرئيس رونالد ريغان، لكن كثير من المراقبين السياسيين لا يعزون النجاح إلى الدور الجزائري، بقدر ما يعزونه إلى اقتراب موعد مغادرة جيمي كارتر للبيت الأبيض بعد خسارته للانتخابات الرئاسية في بلاده، وتسليم مقاليد الحكم للرئيس دونالد ريغان والذي يوصف بأنه واحد من بين أقوى الرؤساء الأمريكيين، خاصة أنه قال أكثر من مرة، إنه سيتعامل مع أيران بطريقة مختلفة بشأن قضية الرهائن في حال انتقال ملفهم إليه من الإدارة السابقة، لكن يقال أيضا بأن الإيرانيين لم يرغبوا بمنح ريغان مكسبا لا يستحقه، ثم أن هذا المكسب لا يمكن أن ينفع كارتر بأي قدر من المقادير.
وبعد أن انتهت أزمة الرهائن وغادر كارتر البيت الأبيض لانتهاء مهامه الرئاسية قال إنه انهمك في أنشطة مكثفة بحثا عن حل لهذه الأزمة الخانقة، ثم أردف "التقيت بالمستشارين وأصحاب الرأي ووصلتني آلاف الرسائل عن كيفية حل هذه الأزمة السياسية الإنسانية على حد وصفه"، وقال قُدمت لي مقترحات كثيرة كان أكثرها إثارة اقتراح باستخدام السلاح النووي، لكنني أشحت بوجهي عنه، ومع ذلك فقد أقدم كارتر على إجازة خطة لإنزال جوي للقوات الخاصة الأمريكية في صحراء طبس في 25 نيسان 1980، وبعدة طائرات هيلوكوبتر في عملية أطلق عليها اسم مخلب النسر، لإنقاذ الرهائن لكنها باءت بالفشل وأدت إلى تدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أمريكيين.
ولولا نشوب الحرب العراقية الإيرانية في 4 أيلول 1980، لكان جيش الشاه الذي يُطلق عليه وصف خامس جيش في العالم من حيث قوته، من ذكريات الماضي ولتمت تصفية ضباطه بين قتيل باسم القانون أو محال على التقاعد أو سجين في المعتقلات أو في بيوتهم أو هاربين إلى دول المنافي، فالخميني كان يضع نصب عينيه حل الجيش الإيراني وإحالة الضباط الأبرياء منهم إلى التقاعد والمذنبين إلى القضاء الخاضع لسلطته، وظل الجيش هاجساً مقلقاً لذهن الزعامة الإيرانية الجديدة، على الرغم من أن عمليات التطهير التي تعرض لها وإحالة ضباطه من رتبة عقيد فأعلى على التقاعد، فقد اضطرت الحكومة الجديدة إلى الإبقاء على خدماتهم لغرض الاستفادة من خبراتهم في الخطط الحربية والإشراف على المعارك التي تم زج الحرس الثوري فيها ضمن ما أُطلق عليه اسم الكتل البشرية، وبخاصة بعد تكبد قوات الحرس الثوري خسائر بشرية كبيرة، وتعامل أولئك الضباط مع ملف الحرب كقضية وطنية تسمو على وجهات النظر السياسية أو من يحكم في طهران.
واستنادا إلى شعار تصدير الثورة، فقد تفتق الذهن الإيراني عن خطط تفصيلية لتحقيق هذا الهدف، من خلال جني مكاسب تلك العمليات الإرهابية وعدم تحمل التبعات السياسية المترتبة على ذلك، إلى أطراف لا تحمل الجنسية الإيرانية وإن كانت مرتبطة بها سياسيا وعقائديا، وذلك بتأسيس تشكيلات سياسية عسكرية محلية في بعض الأقطار العربية، ومدّها بالأموال اللازمة وتوفير فرص التدريب العسكري والعقائدي بمعسكرات داخل إيران تابعة للحرس الثوري، ومسحت إيران الساحة العربية كلها، وعثرت على ضالتها في الساحة اللبنانية، من خلال هامش الديمقراطية هناك والحريات الممنوحة لكل التيارات السياسية، ومما ساعد إيران على التسلل التدريجي إلى الساحة اللبنانية، استمرار الحرب الأهلية التي اندلعت في نيسان عام 1975، وتكبدت خلالها كل مكونات الشعب اللبناني خسائر بشرية كبيرة لاسيما في جيل الشباب القادرين على حمل السلاح وخسائر مادية هائلة ودمار متعدد الوجوه، مع احتفاظ الطائفة الشيعية في لبنان بكل قدراتها البشرية وامكاناتها الاقتصادية التي تعاظمت في ظروف الحرب الأهلية لدورها العسكري المحدود أو المفقود في تلك الحرب، كما أن وجود رجل الدين الإيراني موسى الصدر الذي نجح في طرح نفسه كرجل يسعى لإصلاح المجتمع اللبناني من أزماته الاجتماعية والاقتصادية، ومد الجسور بين المكونات في مشاريع التكافل الاجتماعي، وتأسيسه لحركة أمل، كل ذلك كان كافيا لمنح المشروع الإيراني قوة دفع استثنائية للتغلغل الناعم في لبنان، ثم بعد ذلك تشكيل "حزب الله"، والذي سيتحول في غضون سنوات معدودة إلى ممثل ينوب عن إيران في عموم المنطقة العربية، فأدى وظيفة الوكيل العام لولاية الفقيه وذراعها الإقليمي بنجاح استثنائي، وأصبح شرطيها المتنقل من مكان إلى آخر.

للراغبين الأطلاع على الجزء الاول:

https://algardenia.com/maqalat/71253-2026-04-06-16-27-22.html

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

802 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع