المحامي المستشار
محي الدين محمد يونس
حكاية علم تغيّر موقعه في السياسة والتاريخ من المنع إلى الاحتفاء
لم تكن تلك الحادثة مجرّد واقعة عابرة في سجل الذاكرة، بل لحظة مكثفة تختزل طبيعة الزمن الذي كنا نعيشه آنذاك، بكل ما فيه من توتر سياسي وحساسية مفرطة تجاه الرموز والدلالات. كنتُ منتميًا إلى حزب المحافظين الكوردستاني، وعضوًا في مكتبه السياسي، ومسؤولًا عن علاقاته. وفي الربع الأول من عام 1996، صادف أن غادر رئيس الحزب، المرحوم عمر آغا سورجي، في زيارة إلى خارج العراق.

عمر آغا سورجي
يومها خرجنا أنا وعدد كبير من قيادات الحزب وكوادره لتوديعه في مشهدٍ يختلط فيه الواجب الحزبي بالمشاعر الإخوية. عند وصول رتل السيارات المرافق له إلى منفذ إبراهيم الخليل الحدودي مع تركيا، أُنجزت الإجراءات الرسمية الخاصة برئيس الحزب ومرافقيه وسائقه، من تأشيرات وجوازات سفر، بسلاسة معتادة وبعد استحصال الإذن من مسؤولي المنفذ، رافقتُ رئيس الحزب إلى الجهة الأخرى من الحدود، أي إلى الجانب التركي هناك عند نقطة التفتيش التركية بدأ المشهد يأخذ منحىً مختلفًا ما إن سُلّمت جوازات السفر للتأشير عليها، حتى لاحظنا حالة من الهرج والمرج بين المسؤولين الأتراك في المنفذ لم نكن نعلم سبب هذا الاضطراب، إلى أن تقدّم المسؤول الأول في الموقع وهو في حالة من الانفعال الشديد، يشير بكلتا يديه نحو مؤخرة سيارة "الـلاند كروزر" التي كنت أستقلها حيث كان علم كوردستان مثبتًا عليها كان صوته يعلو بالصراخ:
"من أين لكم هذه الجرأة لإدخاله إلى دولتنا؟"
علم كوردستان
في تلك اللحظة لم يحتاج المرحوم عمر آغا سورجي إلى كثير من التفكير إذ بادر فورًا إلى توجيهنا بالانسحاب والعودة فاستدرنا على عجل وغادرنا الأراضي التركية درءًا لأي تصعيد غير محسوب ينبغي التذكير هنا بأن كوردستان في ذلك الوقت لم تكن قد نالت بعد وضعها السياسي والإداري الحالي ضمن الدولة العراقية حيث كان الرئيس العراقي (صدام حسين) لايزال في قمة هرم القيادة في العراق، الأمر الذي جعل من رموزها وفي مقدمتها العلم مسألة شديدة الحساسية في العراق والمحيط الإقليمي أستعيد هذه الواقعة اليوم لا بدافع الحنين أو السرد التاريخي فحسب، بل لأن مشهداً آخر يفرض نفسه بقوة على الذاكرة والمقارنة فمن خلال ما تبثه الفضائيات هذه الأيام نرى علم كوردستان يُرفع في عواصم ومدن عدة من أنقرة وإسطنبول إلى دمشق فضلاً عن مدن أوروبية عديدة وذلك بمناسبة عيد نوروز الذي صادف في (21 - آذار) من هذه السنة هنا تتبدّى المفارقة بكل وضوح العلم ذاته الذي أثار قبل ثلاثة عقود حالة من الغضب والانفعال على بوابة حدودية،

أصبح اليوم يُرفع علناً في قلب العواصم وأمام عدسات الإعلام وفي مناسبات احتفالية ليست هذه مجرد صورة احتفالية عابرة، بل مؤشر عميق على تحولات سياسية وثقافية واجتماعية كبرى فالعلاقات بين الدول والمكونات كما مواقفها من الرموز والهويات ليست ثابتة إنها تخضع لحركة التاريخ وتوازنات المصالح وتبدّل الإدراكات إن ما كان يُعدّ تحدياً أو استفزازاً في زمن مضى قد يتحول في زمن آخر إلى مشهد مألوف بل وربما مرحّب به وهذا لا يعني أن التناقضات قد زالت أو أن الحساسيات انتهت لكنه يكشف بوضوح أن السياسة ليست جامدة وأن الرموز بدورها تعيش تحوّلاتها الخاصة إن مغزى هذه الحكاية يتجاوز حدود حادثة شخصية أو موقف عابر إنه يقدّم درساً في قراءة الزمن فما يبدو مستحيلاً اليوم قد يصبح واقعاً غداً وما يُقابل بالرفض والانفعال قد يجد له مكاناً في فضاء القبول والاحتفاء وبين لحظة الصراخ عند منفذ حدودي عام 1996، ومشاهد رفع العلم في العواصم اليوم مسافةٌ تختصر عقوداً من التحولات... وتدعونا نحن شهودها إلى إعادة التفكير في ثوابت نظنها أبدية وهي في حقيقتها جزء من تاريخٍ متغيّر لا يعرف السكون، وهنا لابد من إعطاء القارئ العزيز نبذة مختصرة من المعلومات عن هذا العلم حيث ظهر لأول مرة في بداية عقد العشرينيات حيث يعتقد ان اول من استعمله كان حزبا كورديا من ايران يطالب بحق تقرير المصير وكان اسم الحزب (خویبوون) والتي تعني باللغة العربية (الاستقلال) استعمل العلم فيما بعد في الثورات الكوردية خصوصا في ثورة (اغري) عام (1927) ثم في عام (1946) استعمل كعلم رسمي لجمهورية (مهاباد) الكوردية في كوردستان ايران والتي استمرت لأشهر قليلة، يحتوي العلم ثلاث الوان ( الأحمر – الذي يرمز الى الفداء والدم الذي أعطاه في سبيل الحرية والاستقلال، الأخضر – يرمز الى طبيعة ارض كوردستان الخضراء، والأبيض – يرمز الى السلام والأمان) وهذه الوان رتبت بصورة افقية مع شعار في الوسط يرمز الى الشمس اصفر اللون، وختاما استودعكم بكل خير مع وافر الصحة والسلامة.

1126 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع