لا.. لم ننتقل بعد إلى مرحلة ما بعد الاستعمار

د. علي محمد فخرو

لا.. لم ننتقل بعد إلى مرحلة ما بعد الاستعمار

كان حلم العرب بأنهم، بعد حصولهم على الاستقلال في النصف الأول من القرن الماضي، سينتقلون في الحال من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة ما بعد الاستعمار. لكن المؤرخ المفكر جورج قرم كتب في عام 1983 تحت عنوان أوهام الذاكرة والإدراك بأن أول قرار سيادي عربي مستقل اتخذته حكومة عربية كان تأميم قناة السويس في العام 1956. وأن اعتقاد العرب من أنهم انتقلوا إلى مرحلة ما بعد الاستعمار لم يكن أكثر من وهم وسوء إدراك.

ذلك أن ما بعد الاستعمار لم يكن في حقيقته إزالة للاستعمار، وإنما كان إزالة لأوضح صوره. فالاستعمار ظل محافظاً على فضاءات شاسعة للهيمنة غير المباشرة عبر الوطن العربي كله، مستفيداً من روابط الخيانة والتعاون من قبل البعض أثناء فترة الاستعمار المباشرة السابقة.

نذكّر بتلك الجوانب التاريخية لنواجه أنفسنا بصدق، ومن دون مجاملة، ونطرح السؤال التالي: هل حقاً أن العرب قد خرجوا من تحت عباءة الاستعمار ودخلوا مرحلة ما بعد الاستعمار؟ وبعيداً عن انطباعات 1983، لنتحدث عن اللحظة التاريخية التي نعيشها، فمن يتحكم ويهيمن ويستبيح جزءاً كبيراً من الأرض العربية، بمستويات وصور شتى وبالتالي يعيد الاستعمار المباشر ليحلّ مكان ما كنا نعتبره ما بعد الاستعمار الاستقلالي التحرري؟

أليسوا أولاً الاستعمار الغربي، وعلى رأسه وبقيادته من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وثانياً الكيان الصهيوني بمساعدة وتوجيه واستفادة من قبل الولايات المتحدة الأميركية؟

هل نحتاج إلى الإثبات بآلاف التصريحات التي تباهى بها قادة الكيان الصهيوني، وعلى رأسهم المجرم نتنياهو، وقالها المسؤولون الأميركيون، وعلى رأسهم المستهزئ ترامب، وبآلاف الاعتداءات العسكرية والتدخلات السياسية التي قامت بها جيوش واستخبارات الجهتين، والتي تؤكد أن نفوذ الجهتين الاستعماري قد أصبح حقيقة في الحياة العربية بشتى صورها وأن للجهتين قدرة على توجيه مسارات شتى الأقطار لصالحهما؟

أليس عاراً أن يقف نتنياهو منذ بضعة أيام فوق أرض جنوب سورية، وكأنها أرضه، ليتحدث بكبرياء وثقة عن مشروع إسرائيل الكبرى وأحلامها وعن ما هو مسموح وما هو مرفوض من قبل هذا الكيان من أي تصرف عربي يشتم منه أنه قد يمس هذا الكيان الاستعماري الغاصب؟ يقف هذا الذي تقطر الدماء العربية، بما فيها السورية، من بين أصابعه ليرسم خرائط طريق سياسية وأمنية صهيونية لأقطار عربية يسميها بالاسم فلا نرى رد فعل عربياً سياسياً وأمنياً واقتصادياً مزلزلاً بكبرياء وكرامة من قبل كل الأمة العربية وبدعم من الدول الإسلامية؟

أليس عاراً أن يصّرح يومياً ترامب ومساعدوه بشأن ما هو مسموح وما هو غير مسموح في أرض العرب، ومع ذلك تظل العلاقات العربية – الأميركية في أحسن حال وتظل قوافل الحجيج العربية إلى واشنطن سائرة بلا انقطاع؟

حتى إذا ما تجرأت مجموعات نضالية جهادية مضحية من المقاومات العربية لتقاوم هذه الموجه من الاستعمار الجديد، انبرى المنافقون وشتى أنواع الأتباع لانتقاد تلك المقاومة واتهامها بأنها أدخلت هذه الأمة في مشاكل لا قبل لها بها؟ أليس ما تحاول أن تقوم به المقاومة بامكاناتها المحدودة هو مماثل لما قام به الأجداد سابقاً للتخلص من الاستعمار: مقاومة بالسلاح وبالمقاطعة وبجعل وجود الاستعمار في أرض العرب آنذاك مكلفاً؟

لماذا التفاخر بمقاومة الاستعمار فيما مضى، ولماذا الشعور بالذنب والعار والخوف من مقاومته في الحاضر، بل وبمباركة البعض من المسؤولين العرب، كما تدّعي بعض وسائل الإعلام الأميركية والصهيونية، لكل ما يقوم به الاستعماريون لدحر هذه المقاومة العربية أو تلك، شماتة وكرهاً، وخلط خلافاتها السياسية مع هذه الحركة المقاومة أو تلك خطأ مع تبرير الهمجية البربرية الأميركية – الصهيونية التي رأيناها ومازلنا نراها أمامنا؟

لا، لم ينتقل البعض منا، مع الأسف من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة ما بعد الاستعمار، وعلى شابات وشباب هذه الأمة أن يعوا هذه الصورة المؤلمة ويناضلوا ضّدها.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

976 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع