مصائر المهاجرين الروس (البيض)

د. جابر ابي جابر

مصائر المهاجرين الروس (البيض)

تتراوح المعطيات المتعلقة بعدد الروس، الذي هاجروا في سنوات الحرب الأهلية (1917-1921) إلى أوروبا وأمريكا والصين، بين 1,5 مليون ومليوني شخص. وكان معظم المهاجرين من النبلاء والعسكريين ورجال الأعمال والقوزاق ورجال الدين وموظفو الدوائر الحكومية وأفراد عائلاتهم.
وخلال ما كان يُعرف بسنوات الانتظار(فترة النيب) كان لدى السكان امكانية المقارنة بين الحياة في الغرب والحياة في بلدهم إذ بقيت "النافذة على الغرب" مفتوحة أمامهم. فمنذ أواخر عام 1922 أصبح السفر إلى الخارج لفترة محددة ظاهرة شائعة. وكان يتوجه إلى هناك لقضاء أعمالهم المهندسون والتجار والكتاب والمرضى المحتاجين إلى تلقي العلاج في المشافي الأوروبية. كما غدا الإيفاد إلى الخارج للعمل في السلك الدبلوماسي نوعاً من العقاب للشخصيات الحزبية المغضوب عليها. والمعروف أن الغرب كان دائماً بالنسبة للروس مكاناً جذاباً ومعادياً، في الوقت نفسه، لكون سكانه من الكاثوليك والبرتستانت. ولكن في تلك السنوات بات أقرب إلى قلوبهم حيث تشكلت جالية كبيرة من الروس البيض وخاصة ببرلين وباريس وبلغراد. وقد تجلى تشجيع السلطات السوفيتية لاتجاهات المصالحة والتعاون مع البلاشفة في إصدار صحيفة " ناكانونيه" (في العشية)، التي كان لها إدارتان للتحرير إحداها في موسكو والثانية ببرلين، وكذلك في السماح للكتاب السوفيت نشر مؤلفاتهم ببرلين وبراغ وريغا. ولم تحظر اللقاءات مع المهاجرين هناك. كما لم يتعرض المواطنون السوفيت العائدون إلى الوطن لأي نوع من العقاب. وكانت مؤسسات توزيع الأفلام السينمائية تشتري عن طيبة خاطر أفلام المغامرات الأجنبية بقصد الربح. كما كانت جريدة "برافدا" الناطقة باسم الحزب الشيوعي الحاكم تنشر على صفحتها الأخيرة الإعلانات التجارية الرامية إلى ترويج الأفلام السينمائية الجديدة. وإلى جانب ذلك فقد أصبحت مشاهد "التفسخ" البرجوازي في الغرب ولاسيما في كباريهات المهاجرين الروس أمراً لا يُستغنى عنه في الأفلام السوفيتية المنتجة خلال العشرينات. وفي المسارح كان المتفرجون يمتعون ناظريهم بمشاهدة الحياة السائدة في الغرب "السائر نحو التفسخ والانحلال!" التي لاتزال رائعة. وفي الوقت نفسه كان العديد من الشخصيات الحزبية يخوض جدالاً ساخناً مع الساسة البيض. وكان النقاد الأدبيون ينشرون تقييماتهم المختلفة لأعمال الأدباء المهاجرين. وقد اتصفت لهجة الجدال بالحدة والفظاظة والسخط والاستهزاء من جانب المنتصرين تجاه المهزومين. وبدورهم كان المهاجرون يستمعون باهتمام بالغ إلى كل ما يحدث في الوطن.
كانت حياة المهاجرين انعكاساً صادقاً للحياة الروسية قبل أكتوبر بأحزابها المتعددة وتياراتها ومجموعاتها الدينية والفلسفية والأدبية. وقد لعبت الثورة والحرب الأهلية والهجرة الاضطرارية من البلد دوراً ملحوظاً في جعل آراءهم أكثر ضراوة ودفعتهم إلى تصعيد العداء للبلاشفة وتعزيز الدوغمائية من خلال اللجوء إلى الصيغ القطعية في حكمهم على خصومهم الشيوعيين. كما لم يأخذ المهاجرون العبرة الأهم من دروس الحرب الأهلية الأليمة وهي أن عدم تماسك البيض داخلياً كان السبب الرئيسي في هزيمة المعسكر المناهض للبلاشفة. فحتى بعد أن أضحوا في المهجر بعيدين عن وطنهم صار رجالات السياسة البيض يخوضون الصراع فيما بينهم بالدرجة الأولى. وتعطي الكنيسة مثالاً ساطعاً على ذلك. ففي خريف عام 1921 انعقد بمدينة كارلوفتسي اليوغسلافية مجمع للكنيسة الأرثوذكسية الروسية في الخارج. وقد حاولت مجموعة من رجال الدين المناصرين للملكية التوصل إلى الإعلان باسم المجمع المذكور عن "قيصر شرعي جديد من آل رومانوف". وعند ذلك احتج جزء من المشاركين على هذا الطرح واعتبروه تدخلاً غير مقبول من الناحية الكنسية في القضايا السياسية.
ومن المعروف أن البطريرك تيخون أدان في عام 1922 هذا المجمع على نشاطه السياسي وسلم إدارة الكنيسة في الخارج إلى المطران يفلوغيا. وقد رأى معظم المهاجرين أن الكنيسة في المنفى ينبغي أن تكون مرتبطة ببطركية موسكو. وفي العامين 1926-1927 وقع انشقاق في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية حيث اعترفت أغلبية الأبرشيات في أوروبا الغربية بسلطة المطران يفلوغيا بينما انتقلت أبرشيات البلقان والشرق الأوسط والشرق الأقصى إلى دائرة اختصاص المطران أنتونيو المؤيد لقرارات مجمع كارلوفتسي.
كما أن الخلافات كانت تمزق حركة أنصار الملكية أنفسهم حيث نشب صراع بين تيارين. وقد دعا الأول منهما إلى إقامة نظام الملكية المطلقة. أما التيار الثاني فأعلن وقوفه إلى جانب الملكية الدستورية. وفي ضوء ذلك ظهر اثنان من الطامحين إلى اعتلاء العرش الروسي وهما نيكولاي نيكولايفتش حفيد القيصر نيكولاي الأول، وكيريل فلاديميروفتش حفيد القيصر الكسندر الثاني وابن عم القيصر الأخير.
في آب/ أغسطس عام 1922 أعلن كيريل فلاديميروفتش نفسه الطامح الشرعي الوحيد للعرش بينما انتخب أنصار الملكية نيكولاي نيكولايفتش زعيماً لهم وتركوا مسألة العرش للمستقبل بعد العودة إلى روسيا. وكان برنامج أنصار الملكية ينص على ضرورة اقتحام روسيا السوفيتية بجيش متطوعين جديد ويعتبِر المساعدة المالية، وربما أيضاً العسكرية، من جانب الدول الغربية ضماناً أساسياً لنجاح القضية. غير أن بافيل ميلوكوف منظم ومفكر الاتحاد الجمهوري الديمقراطي رفض مسألة المساعدة الأجنبية ولكن دون أن يقترح برنامج عمل محدد، إذ كان يعقد الآمال على العملية التاريخية، التي ستفضي إلى قيام الشعب الروسي بنفسه في "القضاء على النظام الشيوعي المقيت".
حصل عدد كبير من المهاجرين الروس على وثيقة سفر نانسن(باسم المندوب السامي لشؤون اللاجئين فريتيون نانسن)، التي كانت تصدرها عصبة الأمم، وهي بطاقة شخصية للاجئين الروس بدون جنسية. ومن بين حملة هذه الوثيقة الكاتب ايفان بونين الحائز على جائزة نوبل للآداب(1933) وأحد زعماء الحركة الصهيونية فلاديمير جابوتينسكي وراقصة الباليه العالمية آنا بافلوفا والموسيقاران سيرغي رحمانينوف وايغور سترافينسكي والرسام الكبير ايليا ريبين وغيرهم.
ورغم فشل المهاجرين الروس البيض في إجراء خطوات ملموسة للإطاحة بالنظام البلشفي والعودة إلى الوطن، فإنهم نجحوا في أمور أخرى حيث ظهر بينهم عدد كبير من الشخصيات الفذة، التي لعبت دوراً بارزاً وتفوقت في ميادين العلم والهندسة والفن والأدب بالغرب. وفي هذا السياق حاز ثلاثة من أوساط المهاجرين الروس على جوائز نوبل وهم : إيفان بونين (في الآداب) وإيليا بريغوجين (في الكيمياء) وفاسيلي ليونتيف (في الاقتصاد). وبرز في مجال العلوم الهندسية فلاديمير زفوريكين مخترع التلفزيون وايغور سيكورسكي مصمم الطائرات الشهير ومخترع طائرة الهليكوبتر. وقد نشطت من صفوفهم نجوم عالمية شهيرة في ميدان الفن مثل المغني الأوبرالي فيودور شاليابين وراقصتا الباليه آنا بافلوفا ومتيلدا كسيشنسكايا، والموسيقاران سيرغي رحمانينوف وايغور سترافينسكي، والرسامان مارك شاغال وفاسيلي كندينسكي وعالم الاجتماع بيتيريم سوركين. ومن رجالات السينما يول براينر وروبرت حسين (والدته روسية ووالده من أصول أذربيجانية) وناتاليا وود وروجيه فاديم( الزوج الأول لبريجيت باردو) ومارينا فلادي وميخائيل تشيخوف ابن شقيق الكاتب الروسي المعروف. وقد أسس ميخائيل بعد مجيئه إلى الولايات المتحدة مدرسة التمثيل الشهيرة، التي تعلم فيها خلال الأربعينات والخمسينات عدد كبير من نجوم هوليود مثل أنتوني كوين ومارلين مونرو ويول براينر وكلينت ايستوود.
كما ظهرت من الجالية الروسية في الغرب كوكبة من الكتاب الكبار مثل فلاديمير نابوكوف مؤلف رواية " لوليتا" وإيفان بونين وقسطنطين بالمونت ودمتري ميريشكوفسكي ومارك ألدانوف وزيناييدا غيبوس ويفغيني زمياتين وغيرهم. أما بالنسبة للرياضة فيمكن الإشارة إلى هاوي سباق السيارات الشهير بوريس ايفانوفسكي ونجم البيسبول فكتور ستاروخين. ومن المفكرين والفلاسفة نيكولاي بيرديايف وليف شيستوف وإيفان إيلين وسيميون فرانك ونيكولاي لوسكي وسيرغي بولغاكوف. ومن الأمور الطريفة في هذا السياق أن كوكو شانيل أصبحت أسطورة الموضة والعطور الباريسية (شانيل-5) بفضل الأمير الأكبر دمتري بافلوفتش، الذي عرفها على خبير العطور الروسي من أصل فرنسي أرنست بو مبتكر شانيل-5، وكذلك على بعض الأرستقراطيات الروسيات اللواتي عملن معها في ورشة خياطة الأزياء الراقية ومن ضمنهن شقيقته ماريا رومانوفا وابنة عم نيكولاي الثاني ناتاليا بالي.
أما العسكريون السابقون، الذين كانوا يشكلون جزءأ لا يستهان به من هؤلاء المهاجرين، فإنهم لم يتوقفوا عند انتظار بدء "الحملة العسكرية" ضد البلاشفة بل سرعان ما وجدوا امكانية استخدام خبرتهم القتالية في النزاعات المسلحة. فقد ساعدوا على سحق الانتفاضة الشيوعية في بلغاريا عام 1923. كما قاتل 6 آلاف روسي في صفوف قوات القادة العسكريين الصينيين المعاديين للشيوعية (1923- 1928). وفي العام 1929 شارك الروس إلى جانب الصين في المعارك ضد الجيش الأحمر بمنشوريا. كما أن حوالي 8 آلاف من الجنود والضباط البيض انضموا إلى الفرقة الأجنبية الفرنسية التي حاربت في المغرب وسوريا والهند الصينية. والجدير بالذكر أن الطيارين الحربيين من المهاجرين الروس قاموا بتأسيس القوات الجوية السعودية (مجلة" آسيا وإفريقيا اليوم". العدد 3، 2010). وبالإضافة إلى ذلك فقد أسس الضباط الروس بقيادة الجنرال ايفان بيلايف جيش الباراغواي في الأعوام 1932- 1935 وضمنوا لهذا البلد الانتصار على بوليفيا. وأطلقت أسماء هؤلاء على عدد كبير من شوارع العاصمة البوليفية أسونسيون. والمعروف أن بيلايف كان متعاطفاً مع الهنود الحمر في الباراغواي واهتم بدراسة لغة قبائل غران - تشاكو وعاداتها.
ومن الطبيعي أن وجود عشرات الآلاف من العسكريين المحترفين الروس ( جيش فرانغل) في فرنسا ويوغسلافيا وبلغاريا ضمن المهاجرين البيض في أوروبا كان لابد أن يثير القلق البالغ لدى البلاشفة. وفي ضوء ذلك خاضت السلطات السوفيتية في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي حرباً سرية لا هوادة فيها ضد النشاطات المعادية للنظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ضمن أوساط المهاجرين الروس. وفي هذا الإطار لجأت أجهزة استخبارات البلاشفة إلى استخدام شتى الوسائل التقليدية والمبتكرة على حد سواء لقطع دابر كافة مجموعات هؤلاء المهاجرين الرامية إلى قلب نظام الحكم الشيوعي.
ومن أهم عمليات الاستخبارات السوفيتية في الخارج "عملية تريست" حيث جرى إنشاء تنظيم وهمي " معاد للثورة" باسم " التنظيم الملكي لأواسط روسيا". وقد تسنى لرجال الشرطة السرية" تشيكا" تجنيد عدد من كبار ضباط الجيش القيصري السابقين وبعض رموز" العهد البائد" الآخرين كأنهم أعضاء في هذا التنظيم الذي اعتمد الجنرال بوتابوف رئيساً له. وقد استهدفت هذه العملية الكشف عن نشاط حركة البيض في الخارج والداخل وإحباط مخططاتها واستدراج هؤلاء إلى البلد والقبض عليهم واستجوابهم ثم إعدامهم.
وقد نجحت هذه الاستخبارات في خداع شخصيات بارزة من ألد أعداء النظام البلشفي مثل بوريس سافنيكوف وفاسيلي شولغين وسيدني ريلي واستدراجهم إلى الاتحاد السوفيتي. وفي عام 1937 قررت الأجهزة الأمنية السوفيتية خطف الجنرال يفغيني ميلر وإحضاره إلى الاتحاد السوفيتي. وقد كلفت بمهمة استدراجه الجنرال القيصري نيكولاي سكوبلين الذي جرى تجنيده في مطلع الثلاثينات. واختفى أثر الجنرال ميلر في تشرين2/نوفمبر من العام نفسه ولم يتضح مصيره إلا بعد نصف قرن. ففي مطلع التسعينات بات معروفاً من أرشيف الكي جي بي أنه تعرض لعملية خطف على أثر تخديره بمادة الكلوروفورم ثم وُضع في صندوق كبير وأرسل على متن السفينة التجارية السوفيتية "ماريا أوليانوفا" من فرنسا إلى الاتحاد السوفيتي حيث أعدم في 11 أيار/مايو عام 1939 بعد سلسلة طويلة من الاستجوابات.

أطفال الگاردينيا

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

743 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع