الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الاستراتيجية بين المستوى والتطبيق

الاستراتيجية بين المستوى والتطبيق

                                                       

                               الدكتور مهند العزاوي*

استخدم بشكل شائع ومسهب مصطلح الاستراتيجية وفي مواقع متعددة دول ومنظمات ووسائل اعلام وافراد , ومن المعيب ان يسطح العلم  الاستراتيجي بطرق متعددة تكاد تكون مقصودة لتجهيل المتلقي , وكما هو معروف ان خلفية هذا المصطلح عسكرية , ووفقا لويكيبيديا فان الإستراتيجية هي علم التخطيط بصفة عامة وهي مصطلح عسكري بالأساس وتعني الخطة الحربية أو هي فن التخطيط للعمليات العسكرية قبل نشوب الحروب وفي نفس الوقت هي فن إدارة تلك العمليات عقب نشوب الحروب , وتعكس الإستراتيجية الخطط المحددة مُسبقاً لتحقيق هدف معين على المدى البعيد في ضوء الإمكانيات المتاحة أو التي يمكن الحصول عليها وهي خطط أو طرق توضع لتحقيق هدف معين على المدى البعيد اعتماداً على التخطيطات والإجراءات .

استخدمت معايير الاستراتيجية المتعددة في بناء الدول والمؤسسات وحتى القطاع الخاص من الشركات والمؤسسات ,  وبالرغم من تسفيه المصطلح اعلاميا من خلال توصيف خبير استراتيجي لكل من هب ودب دون التدقيق بالمعايير الاساسية للخبرة الاستراتيجية , لأن "الاستراتيجي" هو الذي يمتلك المواصفات التالية:

القدره على (الإدراك, التحليل التشخيص والتركيب والاستنتاج وصياغة السيناريو الاستراتيجي )
مواصفات شخصية متميزة (مبدع, خلاق, نشيط, فاعل, مطور, ذكي) اضافة الى حيازة مهارات استراتيجية متعددة ابرزها قابلية التصور والتفكير الاستراتيجي الذي ينتج الرؤية الاستراتيجية وامكانية التخطيط الاستراتيجي والقدرة على صناعة واتخاذ القرار حسب نطاق الصلاحية والتكليف , وكذلك القدرة على اداء المهام الاستراتيجية .
 تشكل الاستراتيجية العمود الفقري لسياسات الدول والمؤسسات وتبرز من خلال الاستراتيجية الشاملة ومايتفرع منها من استراتيجيات تخصصية تحقق التكامل الاستراتيجي بغية تحقيق الاهداف الاستراتيجية المنبثقة من الاستراتيجية الشاملة .

الاستراتيجية الشاملة / العليا
تعرف الإستراتيجية بأنها عملية مزج الموارد وحشدها لتشترك في تحقيق موقف معين أو هدف أو غاية إستراتيجية , ويعد لذلك إستراتيجية لكل من طرفي الصراع يقابل بها إستراتيجية الآخر , وبهذا يصبح الصراع بين الاستراتيجيات نيابة عن منتجيها ، مما يعطيها الدور الفاعل(صراع الإستراتيجيات) , وتنتقل من مرحلة الإدارة إلى مرحلة الفاعلية , ولهذا فإنها ليست مجرد "رياضة عقلية تنطوي على الغرور أو التحذلق أو التوسع في التقدير ، وإنما هي أنماط تفكير مختلفة وعصف رؤى مقبلة وفق المعطيات والموارد المتيسرة , وتعمل على تحقيق الاهداف الاستراتيجية وانتاج مبادرات فاعلة , وكذلك تفكيك وتحليل المعاضل الإستراتيجية ، وتكون بمثابة مرشد علمي عملي يستند على النظريات والخبرة لتحقيق الغايات الاستراتيجية .
الإستراتيجية ليست عقيدة واحدة جامدة لكنها أسلوب في التفكير يسمح بتصنيف الأحداث حسب أهميتها وأسبقية معالجتها ، واختيار أفضل الوسائل الملائمة والفعالة ، فلكل موقف إستراتيجية معينة تنسجم معه ، وقد يكون اختيار هذه الإستراتيجية أو تلك صائبا في ظروف معينة وغارقا في الخطأ في ظروف أخرى ، وتبرز بعض الخصائص التي تميِّز المفهوم وتعطيه الدور المنوط به مما جعل البعض يصرِّح " أنّ تعبير الإستراتيجية لم يعد مقتصراً على الاستخدامات العسكرية وإن الإستراتيجية ليست قاصرة على مجال بعينه دون غيره من المجالات ، كما أن الإستراتيجية هي الخطة الشاملة في ميدان ما "  وفي نظر معظم من كتب فيها أو مارسها تخطيطاً وتنفيذاً هي علم وفن " علم لأنها تبنى على نظريات العلوم العسكرية والسياسية والاجتماعية والرياضية ، وفن لأن ممارستها تختلف من إنسان إلى آخر سواء كان الذي يمارسها سياسياً أو عسكرياً او اكاديميا او باحثا .. الخ .
 مستويات الإستراتيجية

الإستراتيجية القومية:
تعتبر الإستراتيجية القومية محصلة توافق الاستراتيجيات ، وهي الإستراتيجية التي تعني باستخدام كافة موارد الدولة في ظروف السلم لتحقق النجاح في ظروف الحرب ، وتعد لتحقيق الأهداف القومية وحماية المصالح القومية ، ومهمتها توجيه الاستراتيجيات الوطنية الشاملة بضنها الاستراتيجيات التخصصية الداخلية والخارجية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية والعسكرية والأمنية ، ويطلق عليها احيانا في الدول الكبرى إستراتيجية الأمن القومي
 المستوى الوطني : تعد الإستراتيجية على المستوى الوطني أو الشامل هي الرؤية الإستراتيجية المتكاملة للدولة , وهي الدليل المنهجي للاهداف المطلوب تحقيقها وفقا للموارد المتاحة بالتوافق مع التوقيتات المطلوبة , وتحوي على استراتيجيات تخصصية ، وتعددت تسميات الإستراتيجية في هذا المستوى ، بين الدول بين إستراتيجية عليا أو كبرى أو كلية أو شاملة وعامة
    المستوى التخصصي : تعتبر الإستراتيجية التخصصية أحد أركان الإستراتيجية العليا / الشاملة وتتخصص في مجال معين كالإستراتيجية العسكرية "Military Strategy" والإستراتيجية السياسية Political Strategy""، والإستراتيجية الاقتصادية "Economic Strategy"، وهكذا. المستوى الفرعي : يجري إعداد استراتيجيات فرعية تهتم بنوع من مجال معين ، على سبيل المثال تكون للتصنيع وللتجارة الخارجية إستراتيجية معينة وهكذا.
    استراتيجيات فردية : يقوم كل فرد برسم استراتيجات متعددة يضع في طيتها اهداف متعددة منها طويلة الاجل يمكن تحقيقها مع المتغيرات وتطور الموارد والوقت , واخرى متوسطة قابلة للتحقق بعد جهد ومثابرة وفقا للامكانيات المتاحة وكذلك يطبق الفرد استراتيجية  الردع والخوف والتحسب والتطور .. الخ  
عناصر القدرة الإستراتيجية:
تعرف القدرة هي (مجموع الطاقات والموارد التي تمتلكها الدولة التي تجعلها تتحرك في المسرح السياسي بهدف تحقيق المصالح القومية لها ) والقدرة الشاملة عبارة عن "محصلة لكل المقومات المادية والمعنوية وما يوفره التطور التقني للدولة والتي يتم توظيفها في إطار الإستراتيجية الشاملة لتحقيق أهدافها المختلفة " ويمكن تعريفها بأنها ((قدرة الدولة على استخدام جميع مواردها (المدركة) المحسوسة وغير المحسوسة والمنظورة (المعنوية) بطريقة تؤثر على سلوك الدول الأخرى))
 يتداخل مفهوم القدرة مع عدة مفاهيم أخرى منها النفوذ ، السلطة ، الإقناع ، الإجبار ، والإكراه ، أو التسلط ، الإلزام ، إذ تستخدم هذه المفاهيم كمترادفات أو كعناصر لتحليل القدرة ، وقد تستخدم القوة أحياناً بمعنى السلطة السياسية التي تستمد نفوذها من أوضاع قانونية ، ولغرض عدم الخلط بين مفهوم القدرة والقوة ، فالقدرة مفهوم أشمل وأوسع من القوة ، فإن القوة والسلطة لها أساس قانوني والقدرة تعني القدرات الشاملة) , وينبغي تحليل مفهوم القدرة الشاملة لدولة ما إلى عناصرها الأولية حتى يمكن توضيح طبيعتها والوقوف على أبعادها وإدراك مقوماتها.
تستند قوة الدولة إلى مصادر أساسية وهي جميع موارد الدولة الطبيعية أو تلك التي يمكن توفيرها أو الحصول عليها ، وتُعد محصلة انصهار هذه المصادر والعناصر هي القوة القومية للدولة ، وقد أثبتت النظريات السياسية أن قيمة الدولة وقوتها من الناحية السياسية ، تعتمد على عدد من العناصر المادية والمعنوية ، ويرى الدكتور كاظم هاشم)[1]
قدمت العولمة نماذج متعددة من الاستراتيجيات والخطط الشاملة والتخصصية التي تتعلق بادرة الدولة والمؤسسات والبعض منها في الحروب , ولم نلمس حتى الان نجاح استراتيجي يشار له بشكل واقعي بعيدا عن التهويل والتضخيم , وقد يكون السبب في المفكر الاستراتيجي او الخبير المعني او المستشارين الذين يقتبسون الاستراتيجيات وفقا للبيئة الوافدة وليست وفقا للبيئة المحلية , ورغم امكانات الدول الكبرى الا انها قد فقدت القدرة على موائمة الافكار الرؤى مع الموارد والخصوصية التفاعلية للدولة , وتبقى محاسن الاستراتيجية كبيرة وافضل بكثير من الفوضى .
*خبير استراتيجي . مقتطفات من كتاب الحوكمة تحت المراجعة .


[1] . بروفيسور عربي عراقي في العلوم السياسية ومنظر في الفلسفة الاستراتيجية

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

440 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع