السرد من فجوة الجدار في 'أصوات عالية في الطريق إلى الشمال'

الكاتبة هيام الفرشيشي تُشرّح واقع التهميش المادي والمعنوي عبر رحلة سردية تغوص في أعماق النفس البشرية الممزقة بين رثاثة الواقع وضفاف الحلم، مستخدمة تقنيات 'الميتا سرد' لتفكيك العلاقة بين الخالق وشخصياته.

منية قارة بيبان

إذا كانت الرواية معنية بسرد العالم، فهل هي مدعوّة إلى مجرد وصفه واستنساخه، أم إنها معنيّة بإعادة قراءته لتشكّل رؤية الكاتب له؟ نطرح هذا السؤال ونحن نقرأ رواية هيام الفرشيشي الأخيرة "أصوات عالية في الطريق إلى الشمال" (دار الأمينة للنشر، تونس 2025)، حيث تكشف الكاتبة هيام الفرشيشي في بداية الفصل الأول، بعض دواعي المغامرة السردية التي ستخوضها الساردة، هروباً من "رثاثة الواقع الاجتماعي والسياسي والإعلامي" وبحثاً عن "بوابات سحرية للدهشة". قد تكون تلك استراتيجيات تشويق يقتضيها السرد لشد القارئ إلى عالم الرواية؛ فهل سيكشف السرد عن "حكايات مريبة مثيرة" كما توحي بذلك البداية؟ هل سيكشف المكان الذي احتضن المغامرة (الطريق إلى الشمال)، وكان بارزاً في العنونة، واقعاً مغايراً؟ وهل ستكون أصوات الشخصيات عالية حقاً، فنسمع صرخاتها ونعيش الدهشة التي تعد بها الرواية؟

العتبات

تحيل عناوين الفصول في رواية هيام الفرشيشي على معاني التأزم والمأساة؛ هي عناوين تنهل من "صخب الجنون والعبث"، وتنفتح على دوائر "القسوة والجروح". ترى ما وراء "الأقنعة" لكن عبر "فجوة في الجدار"؛ عناوين مشحونة بآلام خفية ستعيشها الشخصيات. لكن اللافت في عتبة الإهداء هو أن الكاتبة تتوجّه به إلى الشخصيات القصصية نفسها، وهي شخصيات "استفزت يقينها" حسب ما تصرّح، وحاصرت ذاكرتها قبل أن تتحوّل إلى عالم الرواية. كل العتبات تغري بالبحث عن حقيقة هذا الجنون، وفهم آلام الشخصيات ومأساتها، ومتابعة مصيرها. أيّ عالم هذا الذي استفزّ الكاتبة حتى تسعى لقراءته وتفكيك غموضه؟

في المتن الحكائي

تبدأ مغامرة الشخصية الساردة بضمير المتكلم من المدينة، حين تشهد يوماً من نافذتها العنف المسلط على الفتاة "خيرة" من قبل مشغلتها "سارة"، تغدو بذلك الساردة حبل النجاة والمنقذ من هذا العنف، لتشرع بعدها في الكشف عن قصة كل منهما. لذا تقوم برحلة إلى القرية الجبلية التي دارت فيها الأحداث وتفاعلت فيها الشخصيات صراعاً أو تعاطفاً، فتصغي إلى أصواتها وهي تروي حكايتها. وترصد الرواية بذلك تقابلاً بين عالمين: واقع أهل القرية بعاداتهم المتكلسة وطقوسهم المتوارثة، وواقع الشباب المتمرّد وقد تحوّل نتيجة ضغوط المجتمع إلى كائن شيطاني النزعة تتنازعه رغبات دفينة للهرب أو للانتقام. وتتخفى وراء هذه الكائنات أحلام بولوج عالم الفنون كتابة ورسماً وسينما، غير أن جلّ الشخصيات يواجهها واقع "متعفن".

الشخصيات في دوائر الهامش

ترصد الرواية أصوات شخصيات تعيش في دائرة الهامش، تعيش حصار المكان في أبعاده المختلفة. المكان هو قرية جبلية في الشمال الغربي، لكنه رغم اتساعه وانفتاحه على الطبيعة يمثل سجناً كبيراً تغالبه الشخصيات بارتداء الأقنعة والتخفي، بالحيلة ومحاولات الهروب. فالفتاة "خيرة"، رغم دلالات الاسم وإيحاءاته، لم تكن رمز الخير ولا من طلاّبه؛ تتمرّد على عادات القرية والجبل وتعجز عن التواصل مع عائلتها وجدّيها، ذلك "أنها وسط قوم لا يفهمونها"، "لقد أصبحوا يرونني مجنونة". ترتمي خيرة في أحضان جماعة من الشباب تستثير فيها نداء الجسد والغرائز الكامنة، تعدّ لها "الطقوس الشيطانية" والمسكرات والأقراص المهيّجة، فتغدو كائناً عنيفاً، عدوانياً مع أقرب الناس إليها؛ فإذا هي شخصية تعيش الانفصام وتعجز عن التواصل مع محيطها. تغدو خيرة الضحية التي لا يمكن إنقاذها إلا بتحريرها من سجن المكان.

تشتغل الكاتبة في الرواية على عوالم الشباب وقد تنازعته جدران الهامش الضيقة وضفاف الحلم الشاسعة؛ يتشكل الحلم لديه هروباً من الواقع عبر الأقراص المخدّرة، أو تمرداً لا محدوداً على المجتمع، ورغبة عارمة في الانتقام من الذات ومن الآخر، أو نزعات شيطانية وانتصارات وهمية. دوائر الحلم قد تنشأ أيضاً من رغبات دفينة لدى الشخصية المهمشة، من مواهب لا تجد فضاءً يحتضنها أو يرعاها؛ فـ"سارة" مثلاً (الشخصية الثانية) تحلم بمعرض رسوم لوحاتها، و"يوسف" (أخوها) يحلم بإنجاز شريط سينمائي، أما "أحمد" فيكتفي بنقد كل ما حوله. هي أحلام لا تواجه إلا بالعوائق والعثرات.

ترصد الرواية الخلل في واقع يبدو متعفناً وقد تجاوز الفساد الهامش إلى المركز، وفيه الصحفي المأجور والناقد المتحامل يكتب "مقالاً مدمّراً"، والأخ يعمد إلى إفشال محاولات أخته لتنظيم معرض فنيّ. تقول الساردة: "العطونة تستشري في هذا العالم؛ في أنفس الفنّانين والكتّاب الباحثين عن المتروك والمهمل، في فنّ أشبه بعربدة تذهب كل ومضات النور"، في إشارات واضحة إلى قسوة النقاد و"عصابات الأدب". هل هي اتهامات حقيقية توجهها الكاتبة إلى واقع فنيّ وأدبيّ تراه متردّياً؟ أم هو مجرد صدى لأصوات شخصيات تخييلية تبحث عن مبررات لعجزها ولخيباتها بإلقاء المسؤولية على الآخر واتهامه؟

جل الشخصيات تبدو ممزقة بين عالمين، تجمع بين الهشاشة والحساسية المفرطة من جهة، والقسوة والسادية من جهة أخرى، في تجسيد لملامح النفس البشرية التي ترصدها عين الكاتبة كما تصرح بذلك في الفصل الأخير. ولئن كانت القرية الجبلية في الرواية رمزاً للتهميش الفكري والاجتماعي وقد احتضنها الشمال التونسي، فإن الشمال سيكون أيضاً في بعده الجغرافي والحضاري الفضاء النقيض للهامش، رمزاً للحرية المنشودة والأمل في الخلاص. هو شمال المتوسط؛ ذلك الفضاء الذي سيوفر العلاج من الهلوسات ويمكّن الشخصيات من الهروب من تعرجات المكان ومن قيوده المكبلة. فخال "خيرة" وزوجته الفرنسية سيتكفلان بعلاج أوجاعها وهلوساتها في فرنسا، كما تعلن الرواية في النهاية عزم "سارة" العيش في فرنسا بعد أن سجلت في كلية الفنون الجميلة لمواصلة دراستها؛ "فهي تحلم بحرية أكبر لتحيا كما تريد". هل يكون الهروب من المكان السبيل الحقيقيّ للنجاة؟

السرد من فجوة الجدار / الأصوات وأصداؤها

تنقل الساردة الأحداث ومواقف الشخصيات وحواراتها استناداً إلى عين خارجية، انطلاقاً مما ترويه "خيرة" وهي تنظر إلى الخارج "من فجوة في الجدار". ورغم أن الساردة شخصية روائية وطرف في الأحداث، فإننا نراها تعلّق على الحدث دون أن تفسح المجال دائماً لأصوات الشخصيات الأخرى لتتكلم، فتعمد إلى تحليل باطنها واستقراء حقيقتها مكتفية برؤية العالم عبر "فجوة الجدار". تقول: "ليست خيرة بمثل هذا التفكير، وقد يكون حدس الأنثى هو الذي يوجهها.." أو "هي بجنونها تعّري ما غطّته عادات الجماعة في الجبل"، "كانت نظراته عارية من البراءة". تعلق الساردة على الحكايات التي سمعتها أو قرأت بعض تفاصيلها وكأنها تصادر حرية المتلقي في الحكم والتأويل: "كان ذهني يفكك رموز الحكاية التي حاكتها أذهان متناقضة؛ ذهن ساذج نصيبه من الحياة مأساة ومن الدراسة القليل، ومن التنشئة ظلم وقهر.. وذهن مسلح بالمعرفة عاش في واقع مزرٍ ويعاني من فراغ روحي..". ولعل اللافت في بعض حوارات الشخصيات ترددها بين الفصحى والعامية في تناقض عجيب، وكأنها تتكلم من خارج السياق الذي تعيش فيه مما يضعف مصداقيتها وقدرتها على إقناع القارئ. من ذلك خطاب أم "سارة" يتردد بين العامية والخطاب الشعري قوامه المجاز والصور؛ تقول أم سارة عن خربشات ابنتها: "تزدحم الصور في أوراقها، يولّي زمن الصمت وتعزف اللغة ألحان البداية.. تنتهي أسئلة العبث حين يلمع المعنى في كتاباتها". وهذا الوعي الفني لا يمنعها مع ذلك من الإيمان بالسحر، وقد حصّنت به أولادها منذ الصغر ورأت آثاره مع ابنها وزوجته المغربية.

وقد يتحوّل السرد أحياناً ضرباً من التأملات الوجودية والخواطر، فتغدو العبارة دفقاً من الصور والاستعارات الشعرية: "من يهرب من الشجن يعيش داخله، موسيقى الحزن تهزنا. فكيف لا نجاهر بالقول أننا مأسويون؟ تنساب الموسيقى كأنها تعزف على أوتار كآبتنا. نستشعر الضعف إزاء سطوة القدر في خضمّ الصراع الأبدي".

هل كان الجدار الذي تنظر خيرة من خلال فجوته إلى العالم وتروي حكايتها حاجزاً يمنع بقية الشخصيات من أن تصرخ بأصواتها وتمارس حرية الفعل؟ لم تعلُ الأصوات كما يشير العنوان إلى ذلك، بل كانت أصواتاً مختنقة أو مجرد تأوهات. هل هو خيار من الكاتبة وقد تكفلت "بضخ الحياة" في الشخصيات ونقل أصواتها انطلاقاً مما سجلته شخصيات حقيقية في دفاترها؟ إذ تصرح الساردة أنها قرأت دفتر "سارة" واستمعت إلى رواية "خيرة". أم هي لعبة الميتا سرد والكتابة الواعية لذاتها؟

الكتابة الواعية لذاتها

لا تخفي هيام الفرشيشي في ثنايا الرواية رغبة عارمة في تقمص دور الشخصية الروائية والكاتبة معاً. تقول: "وقد باغتتني رغبة في كتابة حكاية خيرة تسرد من فجوة الجدار"، وتعود في الفصل الأخير لكشف اللعبة وكسر الإيهام وخلط الأوراق. تستفز القارئ بفضح اللعبة السردية حين تفاجئه بكشف بعض أسرار الكتابة والإفصاح عن مسارات الرواية، فيتداخل بذلك التخييل القصصي مع الصوت النقدي ويغدو النص سرداً نرجسياً أو كتابة واعية لذاتها. إذ تعدّ محاكمة الشخصيات القصصية للكاتب أو محاورتها توجّهاً روائياً انتشر في عديد الكتابات ما بعد الحداثية، في محاولة لكسر تقاليد الرواية الواقعية وكسر الإيهام. ففي الفصل الأخير من رواية هيام الفرشيشي تلتقي الشخصيات القصصية مع الكاتبة في غرفة الجلوس متهمة الكاتبة: "قالوا إنني سردت قصصهم بطريقة لم ترق لهم، وإنني ربما شوّهت ملامح التمرد التي اتسموا بها، وإنني حوّلت حركات التمرد إلى ضعف".

يعلو الصوت النقدي في نهاية الرواية مدافعاً عن خيارات الكاتبة أو رافضاً بعض توجهاتها، لكن الذات الكاتبة تحتل مع ذلك المساحة الأوفر في الخطاب، مبررة خيارات رحلتها الإبداعية وبعض تقنياتها. تعلن الكاتبة أنها كانت تحاول "الاستحواذ على مادة الحكاية لتضخ رموزاً بين طياتها، ولتضيف فوضى الحلم". تكشف رؤيتها للشخصيات باعتبارها تمثيلاً "لملامح النفس البشرية.. موشاة بالأحلام والأوهام والجنون".

لقد تبين أن "الهامش" الذي حاولت الساردة اختراقه وكشف بعض ملامحه، والذي شكّل مسرح الأحداث في الرواية، لم يختلف عن المدينة وعن المركز المتعفن. لم يكن الشمال سوى صورة أكثر قبحاً وقسوة من المركز، تجسيداً للنفس البشرية في تناقضاتها وأوهامها، وصراعها مع الذات ومع الآخر في دائرة شبه مغلقة. لذا يمكن القول إن هيام الفرشيشي حاولت كتابة "سيرة الكائن المنسيّ" كما يقول ميلان كونديرا في تعريف الرواية وفلسفة انكتابها؛ إلا أن هذا الكائن بقي في الغالب كائناً مهمشاً حتى وهو يمثل دور البطولة، فلم يملك من حق التعبير سوى الصدى الذي أتاحته الرواية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

767 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع