
من ذكرياتي " مذكرا عبد العزيز القصاب " - الحلقة الثانية

زيارة جلالة الملك فيصل الأول إلى لواء الموصل
لقد تشرفت الموصل بزيارة جلالة الملك فيصل الأول بتاريخ 12 كانون الأول 1924، وكان يرافقه الشيخ إبراهيم الحيدري وزير الأوقاف، وصبيح نشأت، ومستشار وزارة الداخلية كورنواليس، وسكرتير جلالة الملك رستم حيدر، وقد لبّى جلالته دعوة البلدية، وألقى خطابًا سياسيًا يناسب الوضع السياسي حينذاك. كما حضرت وفود عديدة من جميع أقضية لواء الموصل، واجتمع أهل المدينة ومختارو المحلات للسلام على جلالته والترحيب به, وبهذه المناسبة أقمتُ مأدبة كبيرة في دائرة الحكومة، دعوتُ إليها أشراف الموصل، والرؤساء الروحانيين، والجالية الإنكليزية، ورؤساء الدوائر. وبعد الانتهاء من تناول العشاء ألقيتُ خطابًا شرحتُ فيه الحالة الإدارية والسياسية للموصل في ذلك الحين. وبعد أن أقام جلالة الملك في الموصل ثمانية أيام، غادرها متوجهًا إلى أربيل.
نص الخطاب
لقد ساعدني الحظ أن أحرز شرف المثول بين أيديكم في ظل تشريف جلالة سيدنا الملك المعظّم، فأعرض على مسامعكم، أيها السادة الكرام، أنني لستُ بالخطيب البارع لأُظهر ما يخالج ضميري من السرور العظيم لتلبيتكم دعوتي هذه التي أعددتها على شرف جلالة سيدنا الملك المعظّم. فأشكر لكم عواطفكم الكريمة، وأتمنى لصاحب الجلالة طول العمر، والسعادة، والتوفيق إلى كل ما فيه الخير.
يا صاحب الجلالة،يسرّني اجتماعكم هذه الليلة بوجوه ورؤساء روحانيين وأعيان ورؤساء موظفي مدينتنا الموصل العزيزة، وها هي الوجوه مستبشرة بمشاهدة ملك بلادها وحامي عزّها، وإنني، بلطف جلالتكم، أود أن أعرض على سيدي المعظّم نبذة عن أحوال اللواء بعد مضي سنة كاملة على تشريفكم له بزيارتكم، وإن كانت أحوال الإدارة العمومية غير خافية على جلالة الملك.
إن الأمن في البلاد مستتب، وإني غير منقطع عن تفقد شؤون الأهالي كلما سنحت لي الفرصة، فأجدهم آمنين مطمئنين، ويثبت الإحصاء الرسمي قلة الجرائم الشهرية بالرغم من جسامة اللواء أما الاضطرابات الأخيرة التي حدثت في الحدود الشمالية فقد زالت، ولله الحمد، بهمة القوات الوطنية وبالمساعدة البريطانية، وإن كان قد لحق بسكان القرى الحدودية بعض الأضرار من قبل الأتراك، ولا سيما الملة النسطورية التي اضطرت إلى الالتجاء إلى داخل البلاد، فإن أثر ذلك سيمحى في القريب وإن ما بذلته شرطة هذا اللواء من الشجاعة والثبات جدير بالتقدير، وقد أسسنا المخافر اللازمة لصيانة الحدود في النقاط الأمامية من منطقتي زاخو والعمادية.
أما الحالة المالية فهي جيدة جدًا، والتحصيلات سائرة سيرًا حسنًا، ولم يطرأ عليها أي خلل حتى أثناء الاضطرابات الأخيرة. ومما يذكر بكل فخر وسرور أني وجدت في زيارتي الأخيرة اثني عشر ألف روبية في صندوق زاخو، واثنين وعشرين ألف روبية في صندوق دهوك.
وتبلغ الواردات العمومية لهذا اللواء اثنين وثلاثين لكًا وخمسة وسبعين ألف روبية، أما المصروفات العمومية فتبلغ واحدًا وثلاثين لكًا واثنين وعشرين ألف روبية، عدا المخصصات الشهرية للجيش العراقي في الموصل.
أما الزراعة فقد كانت في السنة المالية السابقة غير جيدة بسبب الآفات كـ الجراد والسونة والأركيجة، ونؤمل تحسن حالتها هذا العام، ولا سيما بعد تأسيس دائرة الزراعة ومباشرتها اتخاذ التدابير اللازمة. وقد وُزِّع القسم الأعظم من السلفة الزراعية على الزراع المحتاجين، وكلهم ألسنة شكر وامتنان لحكومة جلالتكم، كما شمل العفو الملتزمين المدينين بمبلغ ثلاثة ألكاك روبية.
وأما حالة المعارف في اللواء فهي جيدة جدًا وآخذة في التقدم، وقد بلغ عدد المدارس خمسًا وسبعين مدرسة، منها ثلاثون مدرسة في مركز اللواء، ويبلغ عدد التلاميذ قرابة سبعة آلاف تلميذ، منهم ألفان وثلاثمائة من الإناث، كما أن دائرة الصحة تبذل جهدها في خدماتها الإنسانية، حتى توافد المرضى من ولاية ديار بكر وسائر الأقطار المجاورة. أما دائرة البلدية فقد بدأت بمشروع إسالة الماء ومد الأنابيب إلى ألف وثمانمائة بيت، مع الاستمرار في تسوية الطرق وتنظيمها.
والأمل وطيد بنهضة لوائنا وتقدمه، وأسأل الله تعالى أن يجعله سعيدًا مطمئنًا في ظل جلالة سيدنا المحبوب.

جلالة المغفور له الملك فيصل الأول مؤسس العراق الحديث
أثر الزيارة
كان لزيارة جلالة الملك فيصل الأول إلى لواء الموصل أثر بالغ في نفوس الأهالي ووجوه البلد ورجالاته، إذ شجعت المترددين، ووعد كثير منهم بالجهاد في سبيل عروبة الموصل وتنظيم مذكرات ترفض مزاعم الحكومة التركية وتطالب بإبقاء اللواء ضمن الوحدة العراقية.
غير أن حماسة بعضهم خفّت بعد مغادرة جلالته، مما اضطرني إلى تذكيرهم يوميًا بوعودهم، واستدعاء غيرهم من وجوه البلد والتجار ورجال الدين لحثهم على الجهر برأيهم أمام لجنة الاستفتاء، وقد نجحنا مع عامة الشعب والمهنيين أكثر من نجاحنا مع بعض الأعيان.
إحصاء نفوس لواء الموصل سنة 1924
• العرب (مسلمون ومسيحيون): 174,471
• الكرد: 87,900
• الأتراك: 9,759
• اليهود: 3,579
• اليزيدية: 20,257
المجموع: 295,964 نسمة
الى اللقاء قي الحلقة القادمة
للراغبين الأطلاع على الحلقة السابقة:
https://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/thaqafawaadab/70596-2026-02-12-18-49-43.html

867 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع