استئناف المعركة المؤجلة على رئاسة الحشد الشعبي في العراق

مثّل مجرّدُ إدخال فالح الفياض تغييرات على مواقع قوات تابعة للحشد الشعبي فرصة لخصومه ومنافسيه على منصب رئيس هيئة الحشد لاستئناف معركة إزاحته من المنصب المهمّ، مستندين إلى مكانتهم الكبيرة في الإطار التنسيقي المشكّل للحكومة الحالية ومستغلين نفوذهم في الحكومة لمقارعة الرجل الذي أبدى إلى حدّ الآن قدرة فائقة على مواجهتهم والحفاظ على منصبه.

العرب/بغداد - جدّد منافسون لفالح الفياض على رئاسة هيئة الحشد الشعبي حملتهم على الرجل الذي تمكّن إلى حدّ الآن من الصمود في وجه المحاولات المتكررة لإقالته من المنصب الذي أصبح من أهم المناصب في الدولة العراقية بفعل القوة الكبيرة الأمنية والسياسية التي اكتسبها الحشد منذ إدماجه ضمن القوات المسلحة النظامية وحصوله على تمثيل تحت قبة مجلس النواب، بالإضافة إلى الهالة الدينية التي رافقته منذ تأسيسه استنادا إلى فتوى من المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني والسمعة التي اكتسبها من خلال مشاركته في الحرب ضد تنظيم داعش ما حدا ببعض القوى الشيعية العراقية إلى إطلاق تسمية “الحشد المقدّس” عليه.

واستغلّ خصوم الفياض قيامه بتعديلات على تموقع القوات في بعض المناطق لاتهامه بالسعي لإشعال فتنة داخل الحشد، ولتحريك احتجاجات ضدّه في تلك المناطق.

وقال مهدي تقي الآمرلي رئيس كتلة بدر في البرلمان العراقي إنّ رئيس هيئة الحشد الشعبي بصدد تنفيذ مخطط للفتنة باستهدافه المنتسبين إلى الألوية التابعة للمكون التركماني بين محافظتي كركوك وصلاح الدين، وإنّه يتلاعب بالتعيينات، متوعدا باتخاذ إجراءات رقابية بحقه.

وأضاف الآمرلي الذي يشارك في عضوية لجنة الأمن والدفاع النيابية في بيان أنّ “الفياض يعمل على تحقيق مصالحه السياسية والانتخابية على حساب مصلحة المواطنين التركمان”.

وذكر أن “ما يقوم به من خلال النقلات غير المدروسة للمنتسبين بين الألوية التابعة للمكون التركماني بين محافظتي كركوك وصلاح الدين والتلاعب بالتعيينات، ما هو إلا مخطط مكشوف يراد منه إشعال فتيل الفتنة، والاستهانة بدماء أبناء المكون التركماني من أجل إضعافهم وتمزيق وحدتهم والحد من قدرتهم وقوتهم”.

كما اتهم الأمرلي الفياض باتخاذ هذه الإجراءات “بدوافع سياسية رخيصة”، قائلا إنّه “تناسى تضحيات مناطق آمرلي وطوز خورماتو وتازة وبشير وباقي المناطق والقرى التركمانية والآلاف من الشهداء”.

وأدان ما وصفه بـ”الأفعال غير المسؤولة من قبل الفياض”، متوعدا بـاتخاذ “موقف داخل مجلس النواب يشمل استضافته، ومن بعدها ربما يكون التصويت على إقالته من منصبه، الذي يحتم عليه إنصاف من ضحوا من أجل العراق لا رسم الدسائس ضدهم ووضع مخطط لتفريقهم واستباحة دمائهم”.

ويمثّل التركمان ثالث أكبر مجموعة عرقية في العراق بعد العرب والأكراد، وهم موزعون طائفيا بين سنّة وشيعة، وتسكن غالبيتهم مناطق تابعة لمحافظات نينوى وأربيل وكركوك وديالى وصلاح الدين، إلى جانب وجود أعداد منهم في العاصمة بغداد.

ويشارك التركمان في قوات الحشد الشعبي بلواءين يحمل أحدهما الرقم 52 والثاني 16، وهو تحديدا اللواء الذي قام الفياض بتغيير مواقع مقاتليه، فيما ذهبت وسائل إعلام تابعة للميليشيات إلى الحديث عن حلّ اللواء المذكور وليس مجرد نقله من موضعه.

وترافقت حملة الاتهامات لرئيس هيئة الحشد الشعبي مع تحركات ميدانية ضدّه تمثّلت في قيام محتجين بقطع الطريق الرابط بين آمرلي وطوز خورماتو حيث تنشط ميليشيا بدر التي يقودها هادي العامري، والتي تتألف في المنطقتين من مقاتلين تركمان ضمن اللواءين المذكورين.

وطالب المحتجون بتدخل رئيس الوزراء ضد الإجراء الذي اتّخذه الفياض مهدّدين بالمزيد من التصعيد، وواصفين “حلّ الألوية” ومن ضمنها اللواء 16 التركماني بأنّه إجراء سياسي وليس عسكريا.

وقال ممثلون عنهم إنّ أبناء تلك المناطق هم من أوقفوا تنظيم داعش، مطالبين بـ”دعمهم ومساندتهم لا تفريقهم وإضعافهم”، ومحذّرين من أن “قرار حلّ الألوية من شأنه إحداث تفرقة بين التركمان وإفراغ تلك المنطقة من مصدات حقيقية لأي تحرك داعشي.. وإعادة آمرلي إلى ما كانت عليه”.

ومن جهته أفاد مصدر حكومي الثلاثاء بأن طريق كركوك – بغداد أعيد فتحه بعد إغلاقه لفترة وجيزة عند مستوى آمرلي شرقي صلاح الدين من قبل محتجين مطالبين ببقاء ألوية الحشد الشعبي في مواقعها الحالية وعدم إجراء أي تغييرات عليها.

وتمكّن الفياض سابقا من تجاوز حملات مشابهة لإقالته، لكنّه بات اليوم يواجه خصوما أقوياء بفعل مواقعهم الهامّة في الإطار التنسيقي الداعم لحكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.

وسبق للفياض أن أقيل سنة 2018 من قبل رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي من منصب مستشار الأمن الوطني بسبب معلن يتمثل في انخراطه في العمل السياسي، بينما السبب الحقيقي للإقالة هو انسحابه من كتلة رئيس الحكومة.

ويصف المحلل السياسي العراقي محمد نعناع الفياض بأنه تحوّل إلى رقم صعب في المعادلة السياسية الشيعية بالحشد أو من دونه، مؤكّدا أنه لا أحد يستطيع أن يلغيه من تلك المعادلة، ومشيرا إلى وجود تخوف من تمدده خصوصا لدى العصائب وتيار الفراتين التابع للسوداني رئيس الحكومة.

وتدور المعركة الحالية للفياض بشكل أساسي ضد القيادي في الإطار رجل الميليشيات القوي هادي العامري زعيم ميليشيا بدر التي تمثّل الإطار الجامع للمقاتلين التركمان.

لكنّ لرئيس هيئة الحشد خصوما آخرين أقوياء أبرزهم قيس الخزعلي زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق. وسبق للخزعلي أن اعتبر العمل السياسي أنسب للفياض من العمل الأمني مقترحا عليه أن يتولى منصب نائب رئيس الجمهورية.

لكن الفياض ردّ على ذلك بالقول إنه “لا يمكن اعتبار الحشد الشعبي مؤسسة عسكرية صرفا بل يتداخل فيها الملف السياسي والأمني”، مشيرا إلى أنه “مسؤول عن مقاتلين مستعدين للموت في سبيل الوطن” ويعمل “على تأطير هذه المؤسسة”، ومضيفا قوله “أنا موجود على رأس الحشد الشعبي أقوم بواجبي ولن أتخلى عن هذه المهمة إلا بفعل القانون”.

وتُظهر السجالات بين الفياض والساعين لإزاحته من منصبه تصاعد الصراع على الحشد الشعبي الذي تجاوز كونه مجرّد قوّة أمنية وتحوّل إلى قوة سياسية ومالية تتيح لمن يمسك بزمامها قدرا كبيرا من السلطة.

وظلّ الحشد الذي أنشئ بالاستناد إلى الفتوى الدينية للسيستاني يشهد تطورا ثابتا في قدراته البشرية والمادية وإحكاما في هيكلته حتّى تحوّل إلى جيش رديف يتم تمويله من موازنة الدولة ويقترب قوامه من ربع مليون فرد، بحسب تصريحات الفياض نفسه.

ولم تتوقّف فاعلية الحشد عند مواجهة تنظيم داعش وهي المهمّة الأصلية التي أنشئ من أجلها، لكنّه تحوّل إلى أداة رئيسية لحماية النظام السياسي الذي تقوده الأحزاب الشيعية.

وظهر ذلك عندما تفجّرت سنة 2019 أعتى انتفاضة شعبية في وجه النظام قادها شبّان غاضبون ينتمون إلى المناطق ذاتها التي تعتبر معاقل رئيسية لتلك الأحزاب، وتدخّل الحشد بعنف لقمعها وإخمادها. كما تحوّل الحشد إلى قوّة سياسية ممثلة تحت قبةّ البرلمان عبر ائتلاف يحمل تسمية تحالف الفتح.

وكانت الحملة على الفياض قد بلغت مداها قبل أشهر إثر قيامه بزيارة إلى محافظة الأنبار غربي العراق التقى خلالها الوجيه القبلي السنّي علي حاتم السليمان الذي تتهمه الأحزاب الشيعية بدعم الإرهاب واحتضانه.

واستغلت كتلة صادقون التابعة لعصائب أهل الحق في مجلس النواب العراقي الزيارة داعية على لسان النائب علي تركي الجمالي إلى طرد الفياض من رئاسة هيئة الحشد.

وقال الجمالي متوجّها بالخطاب للفياض إن “أكبر الجرائم ارتكبت بأيدي وتحريض من تحتضنون، ومن تُرجعونهم اليوم وتلتقون بهم، وذلك بعد أن تناسيتم، وبعمد، الآلاف من الشهداء والجرحى من الأجهزة الأمنية والحشد الشعبي الذي أصبحتَ وبالصدفة أنت رئيس هيئته وأصبحت موارد هذه الهيئة إرثا لك ولمن يتملقك”.

كما اتهم النائب رئيس هيئة الحشد بتسخير “إمكانيات الهيئة من خلال التعيينات لكسب أصوات الجمهور”، معتبرا ذلك “مخالفة يجب أن يحال بسببها الفياض إلى هيئة النزاهة”.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

720 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع