حين تنتصر الجيوش ولا تنتصر الاستراتيجيات قراءة في العلاقة بين العمل العسكري والنتائج السياسية

اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس

حين تنتصر الجيوش ولا تنتصر الاستراتيجيات قراءة في العلاقة بين العمل العسكري والنتائج السياسية

الحرب وسيلة سياسية وليست غاية بذاتها

من المبادئ الراسخة في الفكر الاستراتي جي أن الحرب، مهما بلغت شدتها واتسع نطاقها، ليست غاية قائمة بذاتها، وإنما وسيلة تستخدمها الدول لتحقيق أهداف سياسية معينة. وقد عبّر المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز عن هذه الحقيقة في كتابه الشهير عن الحرب، عندما أكد أن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى.
ولم يكن كلاوزفيتز يقصد بذلك مجرد وجود علاقة بين السياسة والحرب، بل أراد التأكيد على أن الغاية السياسية هي التي ينبغي أن توجه العمل العسكري، وتحدد طبيعته وحجمه والموارد التي تُخصص له. فالحرب لا تكتسب قيمتها الاستراتيجية من عدد المعارك التي تُخاض فيها، ولا من حجم الخسائر التي تُلحق بالخصم، وإنما من مدى إسهامها في تحقيق الغاية السياسية التي استُخدمت القوة من أجلها.
ومن هذا الفهم للعلاقة بين الحرب والسياسة، يمكن استخلاص حقيقة استراتيجية مهمة، مفادها أن النتائج السياسية والعسكرية لا تتحدد بحجم القوة المستخدمة وحده، وإنما بطبيعة العملية العسكرية، والهدف الذي تتجه إليه، ومدى ارتباط ذلك الهدف بالغاية السياسية المراد تحقيقها.
فقد تؤدي عملية عسكرية محدودة، إذا وُجهت نحو عنصر حاسم في منظومة الخصم، إلى إحداث نتائج استراتيجية وسياسية كبيرة تتجاوز حجم القوة المستخدمة فيها. وفي المقابل، قد تعجز حملة عسكرية واسعة، رغم تفوقها في القوة والتكنولوجيا وما تحققه من نجاحات ميدانية، عن بلوغ غاياتها السياسية إذا لم تتمكن من التأثير في العناصر التي يستمد منها الخصم قدرته على المقاومة والاستمرار.
وتكمن المسألة الجوهرية هنا في تحديد مركز ثقل الخصم، وفهم العلاقة بين التأثير فيه وبين تحقيق الغاية السياسية. فليس كل هدف عسكري مهم هدفاً حاسماً من الناحية الاستراتيجية، وليس تدمير القدرات العسكرية للخصم مرادفاً بالضرورة لكسر إرادته السياسية.
غير أن تحديد مركز الثقل والتأثير فيه لا يكفيان وحدهما لضمان النجاح الاستراتيجي، إذ يتعين أيضاً تقدير الإرادة السياسية للخصم، ومدى استعداده لتحمل الخسائر والتضحيات، وقدرته على مواصلة المقاومة رغم ما يتعرض له من ضربات. فقد يؤدي تدمير قدرات عسكرية كبيرة إلى إضعاف الخصم مادياً، دون أن يفضي إلى انهيار إرادته السياسية أو قبوله بالشروط المفروضة عليه. بل قد تؤدي بعض الضربات، في ظروف معينة، إلى تعزيز تماسكه الداخلي وزيادة تصميمه على المقاومة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين النجاح التعبوي في ميدان القتال، والنجاح العملياتي في تحقيق أهداف الحملة العسكرية، والنجاح الاستراتيجي في بلوغ الغايات السياسية العليا. فالنجاح في أحد هذه المستويات لا يؤدي تلقائياً إلى النجاح في المستوى الذي يليه، ما لم توجد علاقة واضحة بين الأهداف والوسائل والنتائج المتوقعة، مع الأخذ في الحسبان ردود فعل الخصم وإرادته السياسية وقدرته على الصمود.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه صانع القرار الاستراتيجي ليس فقط: ما حجم القوة المطلوبة لتنفيذ العملية؟ بل أيضاً: ما طبيعة العملية التي ينبغي تنفيذها؟ وما الهدف الحاسم الذي يجب التأثير فيه؟ وكيف سيؤدي ذلك التأثير إلى تحقيق الغاية السياسية المنشودة؟ وهل سيؤدي إلى تغيير حسابات الخصم وإرادته السياسية، أم أنه سيزيد من تصميمه على المقاومة؟
وهذا هو جوهر التفكير الاستراتيجي الذي يميز بين مجرد استخدام القوة العسكرية وبين توظيفها لتحقيق نتائج سياسية محددة.
ولعل التطورات العسكرية الأخيرة تقدم مثالين متباينين يستحقان التأمل في ضوء هذه المفاهيم.
فنزويلا: عملية محدودة ونتائج سياسية كبيرة
في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية خاصة في فنزويلا، انتهت بإلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة.
وقد تميزت العملية بالتخطيط الدقيق، والتحضير الاستخباري، واستخدام وسائل متقدمة للمراقبة والاستطلاع، فضلاً عن الإسناد الجوي الذي وفر الظروف الملائمة لتنفيذ المهمة.
وعلى الرغم من أن القوة التي نفذت الاقتحام النهائي كانت صغيرة نسبياً، فإن العملية بمجملها استندت إلى إمكانات عسكرية واستخبارية كبيرة، جرى توظيفها لتحقيق هدف محدد خلال فترة زمنية قصيرة.
ومن الناحية العسكرية، يمكن النظر إلى العملية بوصفها مثالاً على تركيز الجهد لتحقيق هدف حاسم، بدلاً من الانخراط في حرب تقليدية واسعة تستهدف تدمير القوات المسلحة للدولة الخصم أو احتلال أراضيها.
أما من الناحية السياسية، فقد تجاوزت نتائج العملية حدود هدفها العسكري المباشر، إذ أدت إلى إزاحة رئيس الدولة عن السلطة، وفتحت الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة وتغيرات في العلاقات بين فنزويلا والولايات المتحدة.
وهنا تبرز أهمية طبيعة الهدف المختار. فقد استهدفت العملية رأس السلطة السياسية مباشرة، وهو هدف يختلف في تأثيره المحتمل عن استهداف تشكيل عسكري أو منشأة عسكرية، مهما بلغت أهميتها.
غير أن استهداف رئيس الدولة لا يعني بالضرورة إصابة مركز الثقل الاستراتيجي بكامله؛ إذ قد يستمد النظام السياسي قدرته على الاستمرار من مؤسساته الأمنية والعسكرية، وشبكات المصالح، والولاءات السياسية، وغيرها من عناصر القوة التي لا تزول تلقائياً بإزاحة الرئيس.
وهكذا نجد أن العملية حققت هدفاً عسكرياً مباشراً ذا تأثير سياسي كبير، ولكن نجاحها الاستراتيجي النهائي يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الولايات المتحدة على تحويل تلك النتيجة إلى واقع سياسي مستقر يحقق أهدافها الأوسع.
كما أن نجاح العملية عسكرياً لا يحسم الجدل القانوني والسياسي المتعلق بمشروعيتها.
وتقدم هذه الحالة مثالاً مهماً على أن اختيار الهدف وطبيعة تأثيره في منظومة الخصم قد يكونان أكثر أهمية من حجم القوة التي تنفذ العملية، شريطة أن تتوافر الظروف السياسية والعسكرية الملائمة.

إيران: قوة عسكرية هائلة ونتائج استراتيجية غير محسومة
في المقابل، تقدم الحملة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، التي بدأت في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، مثالاً مختلفاً يستحق الدراسة.
فقد اتسمت هذه الحملة باستخدام واسع للقوة الجوية والبحرية والصاروخية، وتوظيف منظومات متقدمة للاستخبارات والاستطلاع والمراقبة، فضلاً عن القدرات التكنولوجية التي أتاحت تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف عسكرية ومنشآت حيوية داخل إيران.
وقد أسفرت العمليات عن إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك أجزاء من منظومات الدفاع الجوي والقوات الجوية والبحرية والقدرات الصاروخية، إضافة إلى خسائر في القيادات والمنشآت العسكرية. ومن المنظور العسكري البحت، لا يمكن تجاهل أهمية هذه النتائج أو التقليل من تأثيرها في القدرة العسكرية الإيرانية.
غير أن السؤال الاستراتيجي لا يقف عند حدود ما دُمّر من منشآت أو ما أُضعف من قدرات، بل يتجاوز ذلك إلى التساؤل عن مدى تحقيق الأهداف السياسية التي استُخدمت القوة العسكرية من أجلها.
لقد شملت الأهداف الأمريكية المعلنة تقليص التهديدات العسكرية الإيرانية، ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وإضعاف قدراتها الصاروخية، والحد من نفوذها الإقليمي. كما طُرحت، في بعض المواقف والتصريحات، احتمالات إحداث تغيير جوهري في النظام السياسي الإيراني.
ولكن، وعلى الرغم من حجم القوة المستخدمة والنتائج العسكرية المتحققة، فإن النظام السياسي الإيراني استمر في أداء وظائفه، ولم يتحقق حتى تشرين الأول/أكتوبر 2026 ( تاريخ كتابة هذا المقال) حسم سياسي شامل أو تسوية نهائية للصراع.
بل إن الحرب أفرزت تداعيات أوسع، شملت أمن المنطقة، وحركة الملاحة في مضيق هرمز، وباب المندب ، وأسواق الطاقة، والعلاقات الدولية، الأمر الذي أضاف أبعاداً جديدة إلى حسابات الربح والخسارة الاستراتيجية.
وهنا تظهر أهمية العامل الذي كثيراً ما يُغفل في تقدير نتائج العمليات العسكرية، وهو الإرادة السياسية للخصم وقدرته على تحمل الخسائر والاستمرار في المقاومة.
فقد تستطيع الدولة إضعاف القدرات العسكرية لخصمها، لكنها لا تستطيع بالضرورة إرغامه على قبول الشروط السياسية التي تريد فرضها عليه.
كما أن تدمير المنشآت العسكرية أو القضاء على بعض القيادات لا يعني حتماً انهيار النظام السياسي، إذا كانت مؤسساته ما تزال متماسكة، وقياداته البديلة قادرة على مواصلة العمل، وإرادته السياسية لم تنكسر.
بل إن الضربات الخارجية قد تؤدي، في بعض الظروف، إلى تعزيز التماسك الداخلي وإثارة المشاعر الوطنية، بما يزيد من استعداد الخصم لتحمل التكاليف ومواصلة الصراع.
ومن هذا المنظور، لا تكمن المشكلة الاستراتيجية في حجم القوة المستخدمة أو كفاءتها التدميرية، وإنما في مدى قدرة العمليات العسكرية على التأثير في مركز الثقل الحقيقي للخصم، وإحداث التغيير المطلوب في حساباته وإرادته السياسية.
ومن ثم، فإن التفوق العسكري والتكنولوجي، مهما بلغ حجمه، لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية، إذا لم تقترن العمليات العسكرية باستراتيجية سياسية واضحة وواقعية، تأخذ في الحسبان ردود فعل الخصم وقدرته على الصمود.

ماذا تكشف المقارنة بين الحالتين؟
قد تبدو المقارنة بين فنزويلا وإيران غير متكافئة للوهلة الأولى، لاختلاف طبيعة الدولتين، وحجم قواتهما المسلحة، وموقعهما الجغرافي، وبيئتهما السياسية والاستراتيجية.
وهذا صحيح، ولكن الغاية من المقارنة ليست المفاضلة بين العمليتين من الناحية العسكرية، ولا افتراض أن الأسلوب المستخدم في إحداهما يصلح بالضرورة للتطبيق في الأخرى.
إنما المقصود هو إبراز العلاقة بين طبيعة العملية العسكرية، والهدف المختار، ومركز الثقل المعادي، والإرادة السياسية للخصم، والنتيجة الاستراتيجية المتحققة.
ففي الحالة الفنزويلية، جرى تركيز جهد عسكري واستخباري كبير لتحقيق هدف مباشر ومحدد، فأدى نجاح العملية إلى إحداث تحول سياسي فوري.
أما في الحالة الإيرانية، فقد استُخدمت قوة عسكرية أوسع بكثير، واستمرت العمليات فترة أطول، وألحقت أضراراً أكبر، لكن النتائج السياسية ظلت أكثر تعقيداً وأقل حسماً.
ولا يعني ذلك أن العملية الفنزويلية حققت جميع أهدافها الاستراتيجية، أو أن الحملة ضد إيران لم تحقق أية مكاسب عسكرية أو سياسية. بل يعني أن العلاقة بين الوسيلة العسكرية والنتيجة السياسية ليست علاقة آلية أو حسابية بسيطة.
وهنا تتضح أهمية التمييز بين القدرة على تدمير قوة الخصم، والقدرة على تغيير إرادته السياسية.
فالأولى تعتمد بدرجة كبيرة على الإمكانات العسكرية والتكنولوجية، أما الثانية فتتأثر بعوامل أشد تعقيداً، منها طبيعة القيادة السياسية، وتماسك المجتمع، والروح المعنوية، والقدرة على الصمود، والتحالفات الخارجية، وحسابات المصالح والمخاطر.
وقد تتمكن دولة من تدمير نسبة كبيرة من القدرات العسكرية لخصمها، دون أن تنجح في إقناعه بالاستسلام أو قبول شروطها. كما قد يؤدي عمل عسكري محدود، في ظروف معينة، إلى تغيير حسابات القيادة السياسية للخصم بصورة تفوق تأثير حملة عسكرية واسعة.
ومن الضروري هنا إدراك أن مركز الثقل ليس بالضرورة هدفاً مادياً يمكن تدميره بالقصف أو احتلاله بالقوات البرية. فقد يكون مركز الثقل قيادة سياسية، أو قوة عسكرية رئيسة، أو منظومة تحالفات، أو تماسكاً وطنياً، أو إرادة سياسية تستمد منها الدولة قدرتها على مواصلة الصراع.
وقد تكون الإرادة السياسية نفسها جزءاً من مركز الثقل، أو أحد عناصره الأساسية، تبعاً لطبيعة الدولة والصراع. ولذلك فإن نجاح العملية العسكرية لا يتوقف على إصابة الهدف المحدد فحسب، بل على مدى تأثير تلك الإصابة في منظومة الخصم ككل، وفي قدرته وإرادته على مواصلة القتال. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يضعها القادة وصنّاع القرار نصب أعينهم عند التخطيط لاستخدام القوة.

الدرس الاستراتيجي: ماذا بعد النجاح العسكري؟
إن أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها صانع القرار قبل الشروع في أية عملية عسكرية ليس فقط: هل نستطيع تنفيذ هذه العملية بنجاح؟ بل أيضاً: ماذا سيحدث بعد نجاحها؟
فقد تكون الخطة العسكرية محكمة، والقدرات متوافرة، واحتمالات النجاح الميداني مرتفعة، ولكن ذلك كله لا يكفي إذا لم تكن النتائج السياسية المتوقعة واضحة، أو إذا كانت التكاليف والمخاطر اللاحقة أكبر من المكاسب المرجوة. وهنا تظهر أهمية التقدير الاستراتيجي الذي يربط بين الغايات والوسائل، ويوازن بين الإمكانات المتاحة والأهداف المطلوبة، ويأخذ في الحسبان ردود فعل الخصم والاحتمالات البديلة.
ويتعين على القيادة، قبل اتخاذ القرار، أن تحدد الهدف السياسي بدقة، وأن تتعرف إلى مركز ثقل الخصم، وأن تختار طبيعة العملية العسكرية القادرة على التأثير فيه، ثم تقدر ما إذا كان هذا التأثير سيؤدي فعلاً إلى تغيير حسابات الخصم وإرادته السياسية.
فإذا لم تكن هناك علاقة سببية واضحة بين العمل العسكري والنتيجة السياسية المتوقعة، فإن نجاح العملية ميدانياً قد لا يتجاوز كونه إنجازاً عسكرياً محدود القيمة الاستراتيجية.
ولا شك أن التطور التكنولوجي، ولا سيما دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجالات الاستخبارات والتخطيط والقيادة والسيطرة، قد زاد من قدرة الجيوش على جمع المعلومات وتحليلها، وتحديد الأهداف، وتنفيذ العمليات بدقة وسرعة أكبر. ولكن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع أن تضمن أن النجاح العسكري سيؤدي تلقائياً إلى تحقيق النجاح السياسي.
فقد تساعد المنظومات الذكية على تحديد أفضل وسيلة لتنفيذ عملية عسكرية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التقدير الاستراتيجي البشري في تحديد ما إذا كانت العملية، حتى لو نجحت، ستخدم الغاية السياسية العليا.
وتلك مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية التي تتخذ القرار وتتحمل نتائجه.
الخلاصة
إن التجربتين الفنزويلية والإيرانية، على اختلاف ظروفهما وطبيعتهما، تعيدان تأكيد حقيقة استراتيجية قديمة، عبّر عنها كلاوزفيتز قبل أكثر من قرنين، وهي أن الحرب لا يمكن فصلها عن السياسة، وأن قيمة العمل العسكري تُقاس بمدى إسهامه في تحقيق الغاية السياسية التي استُخدم من أجلها. فليس كل انتصار في ميدان القتال نصراً استراتيجياً، وليس كل استخدام واسع للقوة العسكرية ضماناً لتحقيق الأهداف السياسية. إن المسألة الحاسمة ليست حجم القوة المستخدمة وحده، بل طبيعة العملية العسكرية، ومدى صواب اختيار الهدف، وقدرتها على التأثير في مركز الثقل المعادي، وفي إرادة الخصم السياسية واستعداده لتحمل الخسائر ومواصلة المقاومة. فقد تنجح عملية محدودة في إحداث تغيير سياسي كبير إذا أصابت هدفاً حاسماً وأوجدت الظروف الملائمة لتحقيق الغاية السياسية. وفي المقابل، قد تعجز حملة عسكرية واسعة عن بلوغ أهدافها رغم ما تحققه من نجاحات ميدانية، إذا لم تتمكن من التأثير في مصادر قوة الخصم وإرادته السياسية. ولذلك فإن السؤال الحاسم الذي ينبغي أن يشغل ذهن صانع القرار الاستراتيجي ليس: كم من القوة نستطيع أن نستخدم؟ ولا كم من الأهداف نستطيع أن ندمر؟ بل: ما الغاية السياسية التي نسعى إلى تحقيقها، وأين يكمن مركز ثقل الخصم، وما نوع العمل العسكري الذي يمكن أن يؤثر فيه، وهل سيؤدي ذلك التأثير إلى تغيير إرادة الخصم وتحقيق الغاية المنشودة؟
فالقوة العسكرية وسيلة وليست غاية، والنجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الدمار الذي يُلحق بالخصم، وإنما بمقدار ما يتحقق من الأهداف السياسية والاستراتيجية المنشودة.
وهكذا، قد تنتصر الجيوش في ميادين القتال، ولكن الاستراتيجيات لا تنتصر إلا عندما تتحقق الغايات السياسية التي خيض القتال من أجلها.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

668 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع