
فارس الجواري
"قراءة اقتصادية في أكبر نزيف صامت للناقل الوطني "
منذ عام 2015 لا يزال الحظر الأوروبي المفروض على الخطوط الجوية العراقية قائماً ليتحول مع مرور السنوات من أزمة تنظيمية كان يفترض أن تكون مؤقتة إلى واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في مستقبل الناقل الوطني ليس فقط من الناحية الفنية بل من زاوية اقتصادية ومالية واستراتيجية تمس المال العام بصورة مباشرة، فكل عام يمر دون إنهاء هذا الملف لا يعني مجرد استمرار منع الطائرات العراقية من الهبوط في المطارات الأوروبية بل يعني أيضاً استمرار فقدان فرص استثمارية وإيرادات كان يمكن أن تعزز ميزانية الشركة وتخفف العبء عن خزينة الدولة.
إن أي مؤسسة تجارية وخاصة شركة طيران وطنية تمتلك أسطولاً كبيراً وبنية تشغيلية واسعة تقاس كفاءتها بقدرتها على الوصول إلى الأسواق ذات العائد المرتفع والسوق الأوروبية تعد من أهم الأسواق بالنسبة للعراق ليس فقط بسبب حركة الأعمال والتبادل التجاري وإنما بسبب وجود جالية عراقية تقدر بنحو أربعة ملايين عراقي موزعين بين أوروبا وأمريكا الشمالية وهي شريحة تمثل طلباً دائماً ومستقراً على النقل الجوي طوال العام فضلاً عن مواسم الذروة والإجازات الدينية والصيفية
ورغم هذه الفرصة الاقتصادية الكبيرة بقيت الخطوط الجوية العراقية خارج هذا السوق لأكثر من أحد عشر عاماً وحتى إذا افترضنا – بمنطق الإنصاف – أن السنوات الأربع الأولى كانت تمثل فترة لمعالجة الملاحظات الفنية وتنفيذ متطلبات السلامة وإعداد الخطط التصحيحية فإن الفترة الممتدة من عام 2019 وحتى منتصف عام 2026 تمثل سبع سنوات ونصف من استمرار الوضع نفسه دون تحقيق النتيجة المنتظرة رغم تعدد اللجان والاجتماعات والزيارات والإيفادات والإعلانات المتكررة عن قرب رفع الحظر.
ومن أجل فهم حجم الخسارة بصورة مبسطة يمكن اعتماد نموذج حسابي متحفظ للغاية بعيد عن المبالغات فإذا افترضنا أن الشركة كانت ستشغل اثنتي عشرة رحلة أسبوعياً فقط إلى أوروبا موزعة على خط واحد إلى لندن وست رحلات إلى المدن الألمانية ورحلتين إلى الدنمارك وثلاث رحلات إلى السويد فإن هذا العدد يبقى متواضعاً جداً مقارنة بأسطول الشركة الذي يضم عشرات الطائرات كما أنه أقل بكثير من الطلب المتوقع على هذه الوجهات.
وباستخدام 48 أسبوع تشغيل فعلي في السنة يكون عدد الرحلات السنوية نحو 576 رحلة أي ما مجموعه 4320 رحلة خلال سبع سنوات ونصف وإذا افترضنا أن معدل الامتلاء لا يتجاوز 60% فقط أي نحو 120 مسافراً في الرحلة الواحدة وبمتوسط سعر تذكرة يبلغ 550 دولاراً فإن إيراد الرحلة الواحدة يصل إلى نحو 66 ألف دولار وهو رقم محافظ مقارنة بما تشهده أسعار التذاكر الفعلية في المواسم المختلفة.
أما إذا احتسبنا هامش ربح صافياً بحدود 22% فقط مع استبعاد إيرادات الشحن الجوي والخدمات الأرضية والعقود التجارية المرافقة فإن صافي ربح الرحلة الواحدة يقترب من خمسة عشر ألف دولار وبذلك فإن الأرباح الضائعة خلال تلك الفترة تتجاوز خمسة وستين مليون دولار كحد أدنى أي ما يزيد على مائة مليار دينار عراقي وفق سعر صرف يبلغ 1550 ديناراً للدولار.
وهنا يجب التأكيد على أن هذه الأرقام ليست حصراً للخسائر الكلية بل تمثل نموذجاً تقديرياً متحفظاً مبنياً على افتراضات تشغيلية محدودة ولا تشمل خسائر أخرى يصعب تقديرها بدقة مثل فقدان الحصة السوقية وتراجع قيمة العلامة التجارية للناقل الوطني وخسارة عقود الشحن الجوي وضياع فرص الربط بين العراق وأوروبا فضلاً عن الإيرادات غير المباشرة التي كانت ستتحقق من الخدمات المساندة في المطارات
كما أن هذه الحسابات لا تتضمن الأموال التي أنفقت خلال السنوات الماضية على اللجان الفنية والإيفادات الخارجية والاستشارات والاجتماعات والبرامج التصحيحية والتي أُعلن عنها في أكثر من مناسبة دون أن تنتهي حتى الآن إلى رفع الحظر الأوروبي وإذا كانت تلك النفقات قد صرفت من المال العام فمن الطبيعي أن يكون تقييم نتائجها جزءاً من أي مراجعة رقابية أو مالية.
إن المقارنة مع تجارب دول أخرى تثير تساؤلات مشروعة فقد تمكنت شركات طيران في دول واجهت ظروفاً سياسية واقتصادية وأمنية معقدة من معالجة ملاحظات السلامة خلال مدد أقصر والعودة إلى الأجواء الأوروبية بعد استكمال متطلبات الجهات التنظيمية أما استمرار الملف العراقي لأكثر من عقد فيستوجب إجراء مراجعة مؤسسية لمعرفة أسباب التأخير وما إذا كانت المشكلة تتعلق بالإدارة أو الحوكمة أو تنفيذ برامج الامتثال أو بآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات المعنية.
ولا ينبغي النظر إلى هذا الملف باعتباره قضية تخص شركة الخطوط الجوية العراقية وحدها بل باعتباره ملفاً اقتصادياً وسيادياً يمس سمعة الدولة العراقية وقدرتها على إدارة قطاع النقل الجوي وفق المعايير الدولية فالناقل الوطني ليس مجرد شركة نقل بل يمثل واجهة للدولة وأداة لتعزيز الاقتصاد وجسراً لربط العراق بالعالم.
ومن هنا فإن المطالبة بفتح هذا الملف لا ينبغي أن تُفهم على أنها تصفية حسابات أو توجيه اتهامات مسبقة بل هي دعوة مشروعة إلى مراجعة شاملة تستند إلى الوثائق والتقارير الرسمية لتحديد المسؤوليات الإدارية والفنية والمالية وبيان ما تحقق فعلياً خلال أحد عشر عاماً وما الذي حال دون إنهاء هذا الملف حتى اليوم.
إن الرأي العام العراقي والجهات الرقابية والسلطات التنفيذية والتشريعية أمام مسؤولية وطنية تتجاوز مجرد متابعة قضية فنية فكل يوم يستمر فيه الحظر يعني استمرار نزيف اقتصادي واستمرار حرمان ملايين العراقيين في الخارج من السفر المباشر على متن ناقلهم الوطني واستمرار خسارة فرص كان يمكن أن تتحول إلى إيرادات واستثمارات وفرص عمل.
لقد آن الأوان لأن يتحول هذا الملف من دائرة الوعود والتصريحات إلى دائرة التدقيق والمساءلة والنتائج. فالأرقام، حتى عندما تُحتسب بأكثر الافتراضات تحفظاً، تشير إلى خسائر كبيرة تستحق الوقوف عندها، وإجراء تقييم مستقل وشفاف يجيب عن سؤال ينتظره العراقيون منذ سنوات: لماذا بقي الناقل الوطني خارج الأجواء الأوروبية كل هذه المدة، ومن يتحمل مسؤولية هذا التأخير، وما هي الخطة الزمنية الواضحة لإنهاء هذا الملف بصورة نهائية؟
تموز 2026

831 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع