
عماد آل جلال
من ذاكرة السياسة إلى أفق التاريخ:قراءة في كتاب "قراءة من بُعد: لقضايا مغاربية"

لا تقاس قيمة الكتب بعدد صفحاتها، بل بما تختزنه من خبرة وما تفتحه من آفاق للتأمل. ومن هذا المنظور، يأتي كتاب الدكتور محمود صالح الكروي "قراءة من بُعد: لقضايا مغاربية" ثمرة لرحلة علمية طويلة، تجاوزت حدود البحث الأكاديمي إلى معايشة التحولات السياسية في المغرب العربي ومتابعتها بعين الباحث وخبرة المتخصص.
لا يقدم المؤلف عملاً مؤلفاً على نسق واحد، وإنما يضع بين يدي القارئ حصيلة عقود من الدراسات والمقالات التي واكبت أحداثاً وتحولات مفصلية في المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا. ولهذا يكتسب الكتاب قيمته كوثيقة فكرية تؤرخ لمرحلة، بقدر ما يقدم قراءة تحليلية لها، فيغدو شاهداً على الزمن أكثر من كونه مجرد سجل للوقائع.
وتبرز قوة الكتاب في تناوله العميق للتجربة المغربية، التي تشكل محور مشروع المؤلف العلمي. فهو يتتبع تطور الدولة المغربية، وآليات الشرعية السياسية، والعلاقة بين المؤسسة الملكية والدين، ومسار التجربة البرلمانية، وتحولات الحركات الإسلامية، مستنداً إلى خلفية تاريخية واسعة وتحليل سياسي متزن يربط بين الماضي والحاضر، ويكشف كيف أسهمت التراكمات التاريخية في صياغة خصوصية النموذج المغربي.
غير أن طبيعة الكتاب، باعتباره تجميعاً لدراسات كتبت في أزمنة مختلفة، أفرزت تفاوتاً في المنهج والأسلوب، كما جعلت بعض الاستنتاجات أسيرة سياقاتها الزمنية، وهو ما يدعو إلى قراءتها اليوم في ضوء التحولات العميقة التي عرفتها المنطقة خلال العقدين الأخيرين. كذلك يلحظ القارئ أن الاهتمام بالشأن المغربي يطغى على بقية قضايا المغرب العربي، وهو أمر ينسجم مع التخصص العلمي للمؤلف أكثر مما يمثل اختلالاً في بناء الكتاب.
ومع ذلك، يبقى هذا العمل إضافة مهمة إلى المكتبة العربية، لأنه يعيد الاعتبار لدراسة فضاء مغاربي طالما ظل بعيداً عن اهتمام كثير من الباحثين في المشرق. فالكتاب لا يدعي امتلاك الحقيقة النهائية، بل يفتح باباً واسعاً للحوار، ويحفز على إعادة التفكير في الدولة والشرعية والإصلاح والتحولات السياسية من منظور تاريخي ومعرفي رصين.
إن (قراءة من بُعد: لقضايا مغاربية) ليس مجرد كتاب في السياسة، بل شهادة فكرية على زمن عربي متقلب، ودعوة إلى أن تكون القراءة مدخلاً للفهم، وأن يكون التاريخ وسيلة لتفسير الحاضر واستشراف المستقبل.
من وجهة نظري يمثل الكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية لثلاثة أسباب رئيسة:
يمثل الكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية لثلاثة أسباب رئيسة:
1. قلة الدراسات العربية الشاملة المتخصصة في الشأن المغاربي.
2. صدوره عن باحث عراقي كرس جزءا كبيرا من مشروعه العلمي لدراسة المغرب العربي.
3. توثيقه لمرحلة زمنية طويلة من التحولات السياسية في المنطقة.

720 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع