
مكسيم العراقي
على دربِ الجمر (في تشريحُ الخراب العراقي في مآلاتِ التيه والتبعية)-1
1. مقدمة
2. جهاز مكافحة الإرهاب العراقي بين هندسة الانكشاف العسكري وتفكيك القوة السيادية لبناء دولة الميليشيات
3. الرأسمالية الدينية وتفكيك البنية المقاولاتية وشركات الأحزاب في العراق
4. رأسمالية المرجعية الدينية ووضع اليد على المال العام وتوسيع شبكات النفوذ العابر للحدود
5. التوازن الجيوسياسي القذر ولماذا يُبقي العالم على المنظومة الطائفية والاحتلال الإيراني في العراق؟
فيا وطناً تناهبتِ الرزايا حُشاشتَه وأقلقتِ المهادا
رأوا في الرافدين ثرىً خصيباً يروقُ العينَ فانتشروا جرادا
لساني نافثٌ سماً وطبعي يلطِّفُه فتحسبُه شهادا
لئن غطى على كبدي أديمٌ فكم من جمرةٍ كُسيتْ رمادا
محمد مهدي الجواهري
إنما هلك الذين قبلَكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهمُ الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وأيمُ اللهِ لو أن فاطمة بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها.
النبي محمد
(1)
مقدمة
1. جدلية الانكسار التاريخي في صراع البقاء والمصير المنهوب
يأتي المسير على درب الجمر ليختزل رحلة الألم العراقي الممتد عبر عقود من الاستنزاف الذي لم يكتفِ بنهش الموارد وتقويض أركان الدولة، بل امتد ليعبث بمكنونات النفس الجمعية التي باتت تعيش اغتراباً وجودياً داخل أوطانها، فالعراق اليوم ليس مجرد مساحة جغرافية تعاني من ترهل المؤسسات وتفشي الفساد والارهاب والتبعية والنفاق والزيف والتخريب والتلوث والنهب المنظم والمخدرات، بل هو مركز ثقل إقليمي يتم استلابه قسراً عبر هندسة سياسية واجتماعية تهدف إلى إفراغ التاريخ من دلالاته والسيادة من جوهرها، حيث تُدار خيوط المشهد من خلف أقنعة تتقاطع فيها أطماع الجوار مع عجز النخب وتفكك الولاءات، مما خلق واقعاً من التيه لا يجد فيه المواطن سوى بقايا ذكريات لوطن كان، في حين يتسابق القابضون على القرار في إغراق المجتمع في دوامات الإرهاب والتبعية والفساد لضمان استمرار حالة التفكك كمنهج حكم، إن هذا المسار القاسي يعيد صياغة العاطفة العراقية في قوالب من اليأس أو المقاومة الصامتة، إذ تظل الروح الوطنية معلقة في فضاء من الانتظار، محاصرة بين مطرقة التدخلات الخارجية وسندان الانهيار الداخلي، مما يجعل من استعادة التوازن الوطني مهمة تتطلب مواجهة شاملة مع كل تلك القوى التي جعلت من مستقبل البلاد رهينة لمشاريعها، ويمكن للمهتمين بقراءة هذه التحولات المتشعبة في بنية المجتمع والدولة العودة إلى التقارير والوثائق المتاحة اللانهائية ومنها عترافات زمر الحكم بكل الجرائم والموبقات والفساد دون خشية من احد!
2. رؤية شمولية في مسارات التفكك وتجليات استباحة الوجود الوطني
تأتي هذه السلسلة لتكون قراءة نقدية معمقة في جسد الدولة العراقية التي أنهكها المسير على درب الجمر، حيث تفتح هذه المقالات ملفات الخراب العراقي بكل أبعاده المتداخلة دون مواربة، متتبعةً كيف تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة يغشاها الهدم في بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فنحن هنا أمام تشريح دقيق لحالة الاستلاب التي يمارسها الاحتلال المباشر وغير المباشر عبر أذرعه التي أفرغت الدولة من سيادتها، وكيف أسهم الفساد المؤسسي في تحويل مقدرات الوطن إلى غنيمة لا تخدم إلا أجندات خارجية لا ترى في العراق إلا ساحة لنفوذها، لا يقف الطرح عند حدود السياسة بل يمتد ليلامس عمق الخراب النفسي والعاطفي الذي أصاب الوجدان العراقي نتيجة الإرهاب المستدام وتفكك النسيج الاجتماعي، إذ تستعرض السلسلة كيف تآكلت الذاكرة الوطنية في ظل محاولات طمس الهوية، وكيف تلاشت الحدود بين ما هو وطني وما هو تابع في خضم التجاذبات الجيوسياسية الخانقة التي حولت العراقيين إلى غرباء على أرضهم، إن هذا العمل يمثل محاولة لكشف طبقات الانهيار وتفكيك شفرات الخراب التي لا تزال تعيد إنتاج نفسها لضمان بقاء العراق في حالة شتات.
(2)
جهاز مكافحة الإرهاب العراقي بين هندسة الانكشاف العسكري وتفكيك القوة السيادية لبناء دولة الميليشيات
من مفارقات الدهر ان هذا الجهاز الوطني استنزف في معارك لم تكن من اختصاصة مثل معركة تحرير الموصل الحاسمة التي لم تشترك فيها البيشمركة او الحشد ولكن النصر اصبح فجاة لقاسم سليماني والمهندس وال برزاني وصمد الجهاز في مصفى بيجي حتى النهاية وحمى صرح صناعي شامخ ومن ثم بعد التحرير فككته عصاب اهل النفط والفساد واعيد بتولية فاسدين نهبوا مقدرات النفط العراقي حيث لايخضع 1.2 مليون برميل نفط للاستهلاك الداخلي بقيمة سنوية تزيد عن 30 مليار دولار الى الموازنة او الحسابات الختامية غير الموجودة اصلا بالضد من الدستور!
وعدد كبير جدا من العمليات البطولية النوعية!
ثم يكلف الجهاز باخطر الاعمال بينما تتفرج اجهزة اخرى صرفت عليها اموال طائلة ولايثق احد من الحاكمين ابد الا بهذا الجهاز وبعض وحدات الجيش ولاشي غير ذلك فيما يتم العمل ضده بشكل جنوني بتوجيهات من ايران ونظامها الشيطاني.
1. السيف الوطني المصلت على الإرهاب والفساد ومفارقة الاستهداف الممنهج
تُمثل تجربة جهاز مكافحة الإرهاب العراقي الأنموذج الأوضح لـ الانتخاب العكسي في البيئات السياسية المأزومة، حيث تحول الجهاز من رأس حربة وطنية حررت المدن من فك تنظيم داعش الإرهابي، ولاحقت كارتيلات الفساد المنظم، ونفذت أعقد العمليات الخاصة لحفظ هيبة الدولة، إلى القوة الأولى التي استهدفتها منظومة المحاصصة والتبعية الإقليمية. إن المفارقة الصارخة تكمن في أن القوة التي صُنعت لحماية السيادة وتطهير الجغرافيا من الإرهاب والفوضى، واجهت حرباً ناعمة وخشنة من داخل النظام السياسي نفسه، عبر استراتيجية ممنهجة شملت تجفيف المنابع، ومنع تجديد دمائها البشرية أو ترسانتها التسليحية، وصولاً إلى نخر بنيتها الصلبة بالجواسيس والميليشيات الوظيفية، والإطاحة بخيرة قادتها الميدانيين في متوالية إقصاء بدأت في عهد عادل عبد المهدي واستمرت وصولاً إلى حكومة محمد شياع السوداني.
2. باثولوجيا التدمير البنيوي, من تجميد التسليح إلى الاختراق الميليشياوي
• منع التجديد وتجفيف عصب القوة: خضع الجهاز لعملية حصار صامتة تمثلت في إيقاف عقود التسليح النوعية ومنع تعويض النقص البشري الحاد الذي خلفته معارك التحرير الشرسة، مما يعكس رغبة حتمية لدى تحالف الأضداد الحاكم في إضعاف الأداة العسكرية الأكثر انضباطاً وولاءً للوطن، وحرمان الدولة من ذراعها الضاربة القادرة على فرض القانون.
• النخر المخابراتي والتغلغل اللوجستي: لم تكتفِ القوى المهيمنة بإضعاف القدرات المادية للجهاز، بل عمدت إلى مأسسة الفشل عبر زرع عناصر طيعة وخلايا تجسسية مرتبطة بمحاور عابرة للحدود، وتحويل مؤسسة النخبة العسكرية إلى ساحة للتخادم الوظيفي، مما أدى إلى كسر شفرتها الأمنية الحصينة وتكبيل حركتها في ملاحقة شبكات الجريمة المنظمة والتهريب والمال الفاسد.
• مذبحة القيادات المهنية (من عبد المهدي إلى السوداني): تجسد سيكولوجية الانتحار الجيوسياسي للنظام في الإطاحة الممنهجة بالرموز الوطنية للجهاز؛ بدءاً من ليلة الفخ المنصوب لقادة النصر الحقيقيين على الإرهاب باوامر من ايران في عهد عادل عبد المهدي، وصولاً إلى ممارسات الإقصاء والتهميش في عهد محمد شياع السوداني. هذا الاستهداف لم يكن عشوائياً، بل جاء كـ جراحة سيادية معكوسة تهدف إلى استئصال العناصر الحية والنزيهة، وتولية الرعاع والفاشلين لإحكام قبضة كارتيلات العمالة على مفاصل القرار الأمني.
3. حتمية الإصلاح واقتلاع أدوات التغلغل لاستعادة الدولة
إن استمرار نخر جهاز مكافحة الإرهاب وإفراغه من محتواه الوطني يمثل حكماً بالإعدام على مفهوم الدولة السيادية، كون المنظومات الثيوقراطية والميليشياوية تعتاش على رطوبة الفوضى وغياب القانون. وتقتضي الضرورة الأمنية والتاريخية العاجلة البدء بجراحة استراتيجية حازمة تعيد للجهاز استقلاليته التامة، وعزل مفاصله عن التأثير السياسي والديني، وإعادة تفعيل عقيدته القتالية القائمة على علمنة الأمن وحماية المواطنة، فضلاً عن تلقيح خطوطه الدفاعية والاستخبارية ضد أدوات التغلغل الإقليمي، فالبيئة الوطنية النظيفة لا تستقيم إلا بوجود سيف قاطع يحمي حدودها، ويطهر باطنها من مسوخ الإرهاب وكارتيلات الفساد المستدام.
(3)
الرأسمالية الدينية وتفكيك البنية المقاولاتية وشركات الأحزاب في العراق
لاهوت التجارة الوظيفية والفساد الهيكلي تحت غطاء المقدّس
مفارقة الرأسمالية الدينية وتحول الوزارات إلى كارتيلات تجارية
تُمثل الرأسمالية الدينية واحدة من أبشع الطفرات السياسية والاقتصادية في العصر المعاصر، حيث تلتقي الشعارات الطهرانية والخطاب العقدي المعصوم بأدوات السوق المتوحشة والجريمة المنظمة. في هذا النظام، لم تعد الوزارات والمؤسسات الخدمية أدوات لبناء الدولة أو رعاية المواطنين، بل جرى تسليمها وتوزيعها بين الأحزاب الحاكمة كـ شركات استثمارية خاصة وحصص مغانم ثابتة، حيث تتعامل هذه القوى مع ميزانيات الدولة الانفجارية كأصول مالية قابلة للنهب والتدوير لإدامة نفوذها.
1. هندسة التدمير الخدمي: التنفيذ الرديء بأعلى الأسعار العالمية
تتكشف هذه البنية الفاسدة بشكل صارخ في ملف المقاولات والمشاريع السيادية والبنى التحتية، والتي تخضع لآلية فرز عكسي محكومة بعلاقات التخادم الوظيفي والولاء الحزبي:
• احتكار المقاولات عبر الأذرع الاقتصادية للأحزاب: تُمنح المشاريع الحيوية حصرياً لشركات تابعة للجهات الحاكمة أو واجهات تجارية يديرها رجال أعمال وظيفيون، بعيداً عن شروط التنافس النزيه أو معايير الكفاءة التكنوقراطية والشركات العالمية الرصينة.
• التنفيذ الرديء وهدر المعايير الهندسية: تُنفذ المشاريع بأسوأ جودة ممكنة ومواد أولية تفتقر للحد الأدنى من السلامة، مما يؤدي إلى انهيار البنى التحتية والمباني فور تسليمها، وتحول المدن إلى مستنقعات خدمية تعيق أي مسار للارتقاء التنموي.
• المغالاة الفاحشة وتضخيم الفواتير: تُسجل هذه المشاريع الرديئة بأعلى الأسعار العالمية الخيالية، حيث تُضخم الكلف التخمينية لامتصاص السيولة النقدية وتأمين هوامش ربح فلكية تذهب مباشرة إلى الخزائن المالية للأحزاب الحاكمة وعوائلها النخبوية.
2. غسيل الأموال العابر للحدود وتمويل ماكينة الإرهاب الدولي
لا تتوقف خطورة الرأسمالية الدينية عند حدود التخريب الداخلي للبلد، بل تمتد لتشكل تهديداً جيوسياسياً عابراً للقارات، إذ إن الأرباح الأسطورية الناتجة عن مقاولات الفساد والمال الفاسد لا تُستثمر في الدورة الاقتصادية المحلية، بل تُممر عبر قنوات مالية معقدة ونافذة العملة وشبكات غسيل الأموال الدولية، لتتحول هذه الثروات المستباحة إلى عواصم ومراكز إقليمية ودولية بهدف دعم الحركات الإرهابية، وتمويل الميليشيات المسلحة، وتغذية بؤر التوتر والصراعات المسلحة، مما يجعل من المنظومة الحاكمة أداة تخريبية مزدوجة تنخر جسد الدولة من الداخل وتدعم العنف العابر للحدود.
(4)
رأسمالية المرجعية الدينية ووضع اليد على المال العام وتوسيع شبكات النفوذ العابر للحدود
حول: لاهوت الاستحواذ المالي والتحول إلى كارتيلات اقتصادية سيادية والبنية الاقتصادية للرأسمالية الدينية وأدوات السيطرة على أصول الدولة
تُمثل رأسمالية المرجعية الدينية واحدة من أعقد آليات التحول الهيكلي في الأنظمة الثيوقراطية والمحاصصاتية، حيث يتجاوز الفكر الديني المسيس مساحته الروحية التقليدية ليتحول إلى كارتيل اقتصادي ومالي وسياسي مهيمن. تعتمد هذه المنظومة في ديمومتها على استراتيجية قضم ممنهجة لأصول الدولة ومواردها العامة، مستغلة غطاء القداسة والنفوذ المعنوي لتعطيل آليات الرقابة القانونية والمحاسبة القضائية، مما يتيح لها وضع اليد على مساحات شاسعة من الأراضي الحيوية، والمنشآت الحكومية، والمرافق الحيوية وتحويلها إلى ملكيات خاصة تدار تحت واجهات استثمارية وخيرية مضللة.
1. آليات الهندسة المالية للفساد المرجعي وبناء الإمبراطوريات الموازية
يتجسد الاصطفاء العكسي لهذه المنظومة الرأسمالية في ثلاثة مسارات واضحة لنخر بنية الدولة الوطنية:
• الاستيلاء على العقارات والأراضي الحكومية: يجري تجريف واستملاك الأراضي التابعة للدولة والبلديات ومقتربات المدن التاريخية والأثرية بأسعار رمزية أو عبر قرارات قسرية مسيسة، لتدشين مشاريع تجارية واستثمارية (كالفنادق، والمجمعات السكنية النخبوية، والجامعات الأهلية) تدر مليارات الدولارات خارج الموازنة العامة.
• السيطرة على المنشآت والمرافق الخدمية: تحويل المؤسسات والمرافق العامة إلى صيغ تشغيلية تابعة للواجهات الاقتصادية للمرجعيات والأحزاب الحليفة لها، حيث يغيب مبدأ تكافؤ الفرص ويتم إقصاء القطاع الخاص الوطني والشركات العالمية الرصينة لصالح شركات حزبية تنفذ المشاريع بأعلى الكلف التخمينية وأردأ المعايير الهندسية.
• التدفقات المالية الموازية وتغييب السيادة: تُعزل هذه الإمبراطوريات المالية بالكامل عن النظام الضريبي والمصرفي الرسمي للدولة، مما يخلق بيئة مثالية لغسيل الأموال وتدوير الرساميل الناتجة عن النهب المنظم بعيداً عن أعين المنظومات النقدية الدولية.
2. تصدير التعبئة الأيديولوجية وتمويل ماكينة النفوذ العابر للحدود
إن التهديد الجيوسياسي الأكبر لهذه الرأسمالية الدينية يكمن في غاياتها الاستراتيجية؛ فالأرباح الفلكية المستباحة من قاع البؤس المجتمعي لا توظف في قنوات التنمية المدنية أو بناء المستشفيات الحكومية المجانية، بل تُوجه بشكل مباشر لتوسيع شفرة الفكر المتطرف وإدامة ممارسات التعبئة الطائفية.
تتحول هذه الثروات العابرة للحدود عبر قنوات مالية معقدة لتمويل المدارس العقائدية، وشبكات البروباكندا الإعلامية، وتغذية الميليشيات الوظيفية والجماعات المسلحة في دول الجوار وبؤر الصراعات الإقليمية. إن هذه الهندسة المالية المتكاملة تحول المنظومة المرجعية المؤدلجة إلى رحم بيولوجي يغذي بؤر الفوضى، ويقوض مفهوم المواطنة والسيادة لصالح ولاءات عابرة للحدود تعتاش على إضعاف الدولة الوطنية وتحويل مجتمعاتها إلى أسواق للمخدرات والسلاح والتخلف المستدام.
وتقف ايران وحزب الله الايراني في لبنان كمنتج لهذا النظام الطفيلي المخرب!
(5)
التوازن الجيوسياسي القذر ولماذا يُبقي العالم على المنظومة الطائفية والاحتلال الإيراني في العراق؟
إن الحديث عن بقاء النظام العراقي الحالي ليس مجرد مسألة فساد محلي أو سوء إدارة، بل هو تعبير عن مأساة حيوية تلعب فيها الأموال العراقية المنهوبة دور الوقود الحيوي لإمبراطورية الميليشيات العابرة للحدود. وإذا حللنا المشهد بعيداً عن الشعارات الدبلوماسية المنافقة، وبنظرة ثورية وعلمية قائمة على الواقعية السياسية (Realpolitik) وقوانين التوازن البيئي الجيوسياسي، سنجد أن العالم لا يبقي هذا النظام حباً فيه، بل لأن هذا النظام الفاسد يؤدي وظيفة محددة في سيناريو دولي قذر.
1. لماذا يحافظ العالم على ستاتيكو النظام الفاسد؟ (وظيفة الإسفنجة الحيوية)
في علم السياسة الدولي، تبحث القوى الكبرى (وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الغربية) عن الاستقرار المؤقت (Status Quo) بأي ثمن، حتى لو كان على حساب إبادة الشعوب معنوياً ومادياً. النظام العراقي الحالي يؤدي وظيفتين حيويتين للنظام العالمي:
• صمام أمان تدفق النفط (الاستقرار الريعي): العراق يضخ ملايين البراميل من النفط يومياً إلى السوق العالمية. بالنسبة للقوى الغربية، وجود نظام فاسد، متهالك، يسرق شعبه ولكنه يضمن استمرار تدفق النفط وعدم حدوث صدمة في أسعار الطاقة العالمية، هو خيار أفضل بمراحل من ثورة شعبية حقيقية قد تقلب الطاولة وتغير قواعد اللعبة الاقتصادية. الفساد هنا يُعامل كـ تكلفة تشغيل مقبولة دولياً.
وقد نكص النظام العراقي عن هذا الهدف بدعم ايران خلال الحرب الايرانية الثانية ومنع تنفيذ اي محاور نقل النفط عبر انابيب بديلة رغم كل الكتابات والاصوات لابل ان النظام نفسه ضرب ابار النفط والشركات الاجنبية والقوات المسلحة العراقية والبواخر في مياه العراق! ولم يحاسب احدا حتى الان ولن يحاسب في ظل النظام الحالي ومنع العراق من تصدير نفطه عبر هرمز فيما يستعد اوغاد ايران لتشييع خامنائي في العراق الذي حطم العراق وقطع الماء عنه ونشر فيه المخدرات والجهل والمرض والفتن الخ.
• امتصاص وحصر الصراع (الإسفنجة الجيوسياسية): تحول العراق بفعل النفوذ الإيراني إلى ساحة تفريغ شحنات وتصفية حسابات. القوى الكبرى تفضل أن تضرب الميليشيات التابعة لإيران القواعد الأمريكية أو المصالح الأخرى داخل الأراضي العراقية بدلاً من أن ينتقل الصراع إلى مواجهة مباشرة ومفتوحة داخل إيران أو في أعالي البحار، مما يعني أن دماء العراقيين وأرضهم تُستخدم كفارس تضحية لحماية الأمن الإقليمي للدول الكبرى.
2. شريان المال العراقي وتغذية نكبة 7 أكتوبر والإقليم
الحقيقة التي لا يمكن حجبها بغربال هي أن الاقتصاد الإيراني المحاصر يعيش حرفياً على الرئة العراقية. تهريب الدولار عبر مزاد العملة في البنك المركزي العراقي، وفواتير استيراد الغاز والكهرباء الإيراني الوهمية والمبالغ فيها، وشركات وماكتب الحشد والمليشيات هي التي تمول الحرس الثوري الإيراني.
هذه الأموال المنهوبة لم تذهب لبناء مستشفيات في بغداد أو البصرة او بناء الاقتصاد وتقوية العراق، بل جرى ضخها عبر شبكات معقدة لتسليح وتثبيت أركان ما يسمى محور المغاومة. وبتحليل مالي وعسكري دقيق، فإن هندسة هجمات 7 أكتوبر وما تبعها من حرب إقليمية، وصولاً إلى الطائرات المسيرة والصواريخ التي أطلقتها الميليشيات العراقية باتجاه إسرائيل ودول الخليج طوال السنوات الماضية، لم تكن لتحدث لولا التمويل المستدام من الخزينة العراقية. الفساد في بغداد هو الممول الأول لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
3. خطأ صناعة داعش كآلية بقاء للنظام
الانتخاب الطبيعي للأنظمة الفاسدة يملي عليها خلق عدو وجودي أشد قذارة لتبرير بقائها. هذا تماماً ما حدث في عام 2014؛ فالفساد البنيوي للنظام والطائفية الممنهجة وتواطؤ الأجهزة الأمنية التي سلمت المدن دون قتال، هي البيئة التي خلقت ووفرت الموئل لـ تنظيم داعش.
استخدم النظام وحاضنته الإقليمية (إيران) فزاعة داعش كـ طفرة بقاء تكيفية؛ حيث تم تشريع وجود الميليشيات تحت مسمى الحشد الشعبي، وأصبح العالم مجبراً على دعم النظام الفاسد في بغداد بحجة محاربة الإرهاب الأكبر. وعندما انتهت داعش، بقيت الميليشيات وابتلعت الدولة ومقدراتها بالكامل.
4. حربان إقليميتان واحتلال جرف الصخر وغيرها (النفاق السيادي)
تجلت التبعية المطلقة للاحتلال الإيراني للعراق عبر الانخراط المباشر للميليشيات المقادة من الحرس الثوري الإيراني في حربين إقليميتين مدمرتين:
• الحرب الأولى (الأزمة السورية): حيث تم تحريك حزب اهفي والمليشيات العراقية وغيرها للدفاع عن النظام السوري وتثبيت الممر البري الإيراني الممتد من طهران إلى بيروت.
• الحرب الثانية (التصعيد الإقليمي الحالي): التي تحول فيها العراق إلى منصة لإطلاق الصواريخ والمسيرات ضد دول الخليج وإسرائيل لإشغال جبهات الحرب لصالح إيران مع ضرب العراق ذاته.
وفي قمة التناقض والعمى الإستراتيجي، تتبجح طهران وأدواتها في بغداد بالمطالبة اليومية برحيل الخبراء والمستشارين الأمريكيين والتحالف الدولي تحت لافتة السيادة الوطنية، في وقت تمارس فيه إيران احتلالاً عسكرياً وديموغرافياً فجاً ومباشراً لأراضٍ عراقية شاسعة. وخير دليل على ذلك هو منطقة جرف الصخر وغيرها، التي تحولت إلى معسكرات مغلقة وقواعد صواريخ وسجون سرية تابعة للميليشيات الإيرانية والحرس الثوري، حيث يُمنع أهلها الأصليون من العودة إليها، وتحولت إلى بؤرة نفوذ أجنبي صريح مستقطع تماماً من السيادة العراقية.
5. وهم قانون تحرير العراق والعمى الدولي المفروض
تسأل أين قوانين التحرير من إيران؟ في المنظومة الدولية، لا توجد أخلاق، بل توجد تقاطع مصالح.
• التواطؤ الرمادي: الولايات المتحدة التي تمتلك نظرياً القدرة على خنق النظام مالياً عبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي ومنع تدفق الدولار إلى بغداد، تكتفي بفرض عقوبات خجولة على بعض المصارف أو الشخصيات الميليشياوية. السبب هو الخوف من الانهيار التام؛ واشنطن تخشى أن خنق النظام ماليّاً سيؤدي إلى سقوط الدولة العراقية، وتفجر ثورة عارمةتنتج نظام وطني حقيقي.
• إيران كشرطي مروّض للمنطقة يسمح بعقد صفقات الدفاع والتسلح لمنفعة الغرب وامريكا! ودفع الخليج العربي والعرب نحو التطبيع والعسكرة والارتماء التام في احضان الغرب!
لن يأتي قانون دولي أو جيش خارجي لتحرير العراق من النفوذ الإيراني والمنظومة الفاسدة؛ فالنظام الدولي شريك مستفيد من هذه المعادلة القذرة. تحرير العراق وفق منطق التاريخ والانتخاب الاجتماعي لا يتم إلا بـ قطع شريان التغذية الداخلي عبر ثورة واعية وممنهجة تسقط شرعية النظام مؤسساتياً، وتسترد السيادة الماليّة للبلد. طالما بقيت القوى الدولية ترى أن كلفة بقاء هذا النظام الفاسد أقل من كلفة سقوطه، فإنها ستستمر في ضخ الأكسجين السياسي له، وترك الشعب العراقي يدفع ضريبة صراعات الأمم من قوته ودماء أبنائه.

1286 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع