التسبيح ... راحة النفس والروح

ذكرى البياتي

التسبيح ... راحة النفس والروح

أثناء استماعي إلى محاضرة للدكتور أحمد عمارة، توقفت عند حديثٍ عن التسبيح، فأيقظ في نفسي تأملاتٍ كنت غافلة عنها، ودفعني إلى تتبع هذا الذكر العظيم في كتاب الله، لأكتشف أن للتسبيح منزلةً تفوق ما كنا نتصور، وأنه ليس مجرد كلماتٍ ترددها الألسنة، بل عبادة تحيي القلوب، وتغمر الأرواح بالسكينة، وتبدد ظلمات الهموم.

حين تضيق بنا السبل، وتثقل القلوب بأعباء الحياة، يبقى التسبيح بابًا لا يُغلق، ونورًا لا ينطفئ. فما إن تلهج الشفاه بقول: «سبحان الله» حتى تشعر الروح بأنها تتحرر من أثقالها، وكأن هموم الدنيا تتضاءل أمام عظمة الخالق سبحانه وتعالى.

التسبيح ليس تكرارًا للألفاظ، وإنما هو حضورٌ دائم مع الله، ويقينٌ يملأ القلب، وطمأنينةٌ تسكن النفس، فهو يذكرنا بأن الله أعظم من كل هم، وأوسع من كل ضيق، وأرحم بنا من أنفسنا.

وحين تتبعت ذكر التسبيح في القرآن الكريم، وجدت عجبًا.

وجدت أن نجاة يونس عليه السلام ارتبطت بتسبيحه لربه، قال تعالى:
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.

وكان دعاؤه الذي خلدته آيات القرآن:
﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.

ورأيت الجبال والطير تسبح مع داود عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾.

ثم وجدت أن التسبيح ليس خاصًا بالإنسان، بل هو لغة الكون بأسره، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

ولما خرج زكريا عليه السلام من محرابه، كانت أول وصاياه لقومه أن يسبحوا الله بكرةً وعشيًا.

ودعا موسى عليه السلام ربه أن يجعل أخاه هارون وزيرًا له، ليعينه على حمل الرسالة، وليكونا معًا من الذاكرين المسبحين:
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾.

ووجدت أن التسبيح هو تحية أهل الجنة ودعاؤهم، وأنه ذكر الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لأهل الأرض.

عندها أيقنت أن للتسبيح شأنًا عظيمًا، فهو عبادة الأنبياء، وذكر الملائكة، وتسبيح المخلوقات، وكلمات أهل الجنة، وكيف لا يكون كذلك وهو من أحب الذكر إلى الله؟

ثم توقفت طويلًا عند قوله تعالى:

﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.

وكأن الآية الكريمة ترسم لنا برنامجًا يوميًا للسكينة؛ يبدأ مع إشراقة الصباح، ويمتد إلى الغروب، ويعانق الليل، ليظل القلب موصولًا بالله في كل حين. وليس من قبيل المصادفة أن تختم الآية بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾، ففيها إشارة بديعة إلى أن من لازم التسبيح امتلأ قلبه بالرضا، وسكنت نفسه، واطمأنت روحه.

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾.

إنه علاج رباني لضيق الصدر، ودواء للنفس حين يرهقها التعب، ويثقلها ما تلقاه في هذه الحياة.

ومن أعجب ما يخبرنا به القرآن أن الكون كله يعيش في محراب التسبيح؛ الرعد يسبح بحمد الله، والجبال تسبح، والطير تسبح، والسماوات والأرض ومن فيهن يسبحون، بل يقول سبحانه:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.

فكيف يغفل الإنسان عن ذكرٍ يشارك فيه الكون كله؟

فلنجعل التسبيح رفيق أيامنا، ففي كل تسبيحة نور، وفي كل ذكر حياة للقلب، وفي كل لحظة قرب من الله سكينة لا تمنحها الدنيا بما فيها.

اللهم اجعلنا من عبادك المسبحين، الذاكرين، الشاكرين، واجعل ألسنتنا عامرة بذكرك، وقلوبنا مطمئنة بقربك.

سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

وما أجمل أن يختم المرء يومه وهو يردد: سبحانك يا رب... أدركت الآن كم ضاع من عمري في غفلة، وكم من لحظات كان يمكن أن أملأها بتسبيحك وذكرك، فاغفر لي ما مضى، وأعنّي على أن يكون ذكرك أنيس أيامي حتى ألقاك.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1044 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع