حين تتحرك “القانون” في العراق: صراع الرؤوس الكبيرة يفضح دولة الانتقاء لا دولة العدالة

روبيرت ملحم

حين تتحرك “القانون” في العراق: صراع الرؤوس الكبيرة يفضح دولة الانتقاء لا دولة العدالة

لم تعد العملية الأمنية الأخيرة التي طالت بعض النواب في العراق مجرد حدث عابر في سياق إجراءات إنفاذ القانون، بل تحولت إلى علامة فارقة تكشف عمق الأزمة البنيوية التي تعيشها الدولة، حيث تختلط العدالة بالسياسة، ويعاد تعريف القانون وفق ميزان القوى لا وفق نصوص الدستور.
ما يجري اليوم لا يمكن قراءته باعتباره حملة مكافحة فساد تقليدية، لأن طبيعة الاستهداف، وتوقيت التحركات، وحدودها، كلها تشير إلى أن المشهد أكبر بكثير من ملفات أفراد أو تجاوزات معزولة. نحن أمام حالة سياسية أمنية معقدة تدار فيها الملفات الحساسة بمنطق الانتقاء، لا بمنطق المبدأ، وبمنطق إدارة النفوذ لا تفكيكه.
في دولة يفترض أنها تتجه نحو ترسيخ المؤسسات، يفاجأ الشارع بأن أدوات الدولة نفسها تستخدم داخل صراع غير معلن بين مراكز قوة متداخلة، بعضها داخل السلطة، وبعضها الآخر محيط بها أو متغلغل في مفاصلها، وهنا تحديداً يبدأ الخلل الحقيقي حين يتحول القانون من مرجعية عليا إلى أداة قابلة للتوظيف.
استهداف شخصيات سياسية محددة، مقابل بقاء شبكات نفوذ أوسع وأعمق خارج دائرة المساءلة، يفتح الباب أمام سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام بداية تفكيك فعلي لمنظومة الفساد، أم أمام إعادة توزيع للأدوار داخلها؟
فالفساد في السياق العراقي لم يعد مجرد أفعال فردية أو حالات استثنائية يمكن معالجتها بقرارات أمنية، بل أصبح بنية متشابكة تمتد داخل الإدارة والسياسة والاقتصاد، وتتغذى على هشاشة المؤسسات وتداخل الصلاحيات، لذلك فإن أي عملية لا تمس هذه البنية بشكل شامل، تبقى ناقصة مهما بدت قوية في ظاهرها.
الأخطر من ذلك أن الانتقائية في تطبيق القانون بدأت تتحول إلى نمط واضح، فبعض الملفات تفتح بسرعة لافتة، وبعضها يغلق بصمت، وبعض الشخصيات تستهدف إعلامياً وأمنياً، بينما تبقى أسماء أكبر وأكثر تأثيراً خارج أي مساءلة حقيقية، هذه المعادلة لا يمكن أن تفهم إلا ضمن سياق سياسي أوسع، حيث تدار العدالة كجزء من ميزان القوى لا كقيمة مستقلة.
وهنا تتعمق الأزمة أكثر حين يشعر المواطن أن القانون لم يعد واحداً للجميع، وأن الاقتراب من السلطة يحدد مصير المساءلة، تبدأ الثقة بالمؤسسات بالتآكل، ليس بسبب حادثة واحدة، بل بسبب تراكم طويل من الرسائل المتناقضة التي تؤكد أن العدالة قابلة للتأويل، وأن النفوذ قادر على إعادة تشكيلها.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط ما يحدث في الكواليس، بل ما يفهم في العلن، فالرأي العام لم يعد يتلقى الأحداث كوقائع منفصلة، بل كجزء من سردية أكبر تقول إن الدولة تدار بصراع داخلي بين رؤوس كبيرة، تتبادل الضغط والملفات، وتستخدم أدوات القانون كوسيلة لا كغاية.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً، هل يمكن بناء دولة قانون حقيقية في بيئة تدار فيها الملفات الحساسة بمنطق التوازنات لا بمنطق العدالة؟ وهل يمكن تفكيك الفساد إذا كان جزءاً من بنية النفوذ نفسها التي تتحكم في أدوات مكافحته؟
إن استمرار هذا النمط يعني ببساطة إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة. فحتى عندما تفتح الملفات، فإن غياب الشمولية والعدالة في المعالجة يحولها إلى رسائل سياسية أكثر منها إجراءات إصلاحية وهكذا يبقى الفساد قائماً، ليس فقط كفعل، بل كنظام قادر على التكيف مع كل موجة تغيير دون أن يفقد جوهره.
في النهاية، لا يمكن لأي عملية أمنية مهما كانت قوتها أن تحدث فرقاً حقيقياً ما لم تترجم إلى مسار إصلاح شامل يطال الجميع دون استثناء، ويكسر فكرة (الرؤوس المحصنة) التي تعلو فوق القانون، وإلا فإن ما نشهده اليوم لن يكون سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل، تتبدل فيه الوجوه، بينما تبقى المعادلة كما هي: قانون يطبق على البعض… ويفاوض عليه مع البعض الآخر.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

784 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع