
د.سعد العبيدي
بين الوكر والمنفى... وجهٌ آخر للوطن
عام ١٩٧٨، وما إن انفرط عقد الجبهة بين الحزب الشيوعي وحزب البعث، حتى بدأت أجهزة الأمن تجمع الأسماء كما لو أنها تجمع أوراق الخريف. لم تكن تبحث عن القيادات فقط، بل عن كل من مر اسمه في اجتماع، أو كُتب في منشور، أو عُرف في لجنة تنسيق. وكان بين تلك الأسماء رِهام، الطالبة الجامعية النشطة في محلية الحلة، وخطيبها رسول. جاءهما الأمر مقتضبًا : اقطعا كل صلة بالعالم... واختفيا.
في مساء اليوم نفسه، دخلا أحد أوكار الحزب، وهما لا يعرفان متى سيخرجان، ولا إن كانا سيخرجان أصلًا.
هناك، بين جدران ضيقة تخشى الصدى، قررا ألا يؤجلا زواجهما. خلع أحد المختفين خاتمه، وفعل آخر مثله، وتكفّل ثالث بعقد القران. لم تكن هناك موسيقى، ولا ثوب أبيض، ولا صور تخلّد المناسبة، كان الاحتفال الوحيد أن العروسين ما زالا على قيد الحياة حتى تلك الليلة.
لم يمض على زواجهما شهر، حتى بدأت الأخبار تتسلل إلى الوكر عن وكرٌ سقط، وأسماءٌ اختفت، عندها صدر القرار: تغادر رِهام أولًا، على أن يلحق بها رسول حين تسنح فرصة أخرى.
في اليوم التالي، استلمت جواز سفر مزورًا وأوراقًا تحمل اسم امرأة لا تعرفها. وفي اليوم الذي تلاه، كانت تجلس بين أفراد مجموعة سياحية متجهة إلى دمشق، تبتسم كلما التقت عينها بعين أحد رجال الشرطة، بينما تحاول ألا تنسى الاسم الجديد الذي صار عليها أن تجيب به إذا نوديت. ولم تنسَ وداع رسول، الذي اقتصر على نظرةٍ قصيرة وضغطة يدٍ خافتة، فقد كان يعلم أن الوداع الطويل امتيازٌ لا يملكه المطاردون.
انقضت أسابيعها الأولى في دمشق بطيئة وثقيلة. كانت تنتظر خبرًا عن رسول أكثر مما تنتظر موعد سفرها، لكن الأخبار انقطعت، كأن الطريق الذي خرجت منه قد أُغلق وراءها إلى الأبد. وبين قلق الانتظار ووحشة الغربة، أخذ جسدها يهمس لها بسرٍ لم تنتبه إليه من قبل. وما إن راجعت الطبيب حتى عرفت أنها تحمل طفلها الأول. بعد أيام، عاد جوازها يحمل تأشيرة دراسة إلى بلغاريا، ومعه تذكرة سفر وترتيب استقبال في مطار صوفيا. كان كل شيء مهيأً للنجاة، إلا قلبها، فقد ظل واقفًا عند الباب الذي غادرته في الحلة، ينتظر رسولًا لا تأتي عنه أخبار.
في بلغاريا، أتقنت اللغة، وتنقلت بين فروع الدراسة حتى استقرت على الفلسفة. ومع مرور السنوات، ظل اسم رسول حاضرًا في ذاكرتها، لكن أخباره بقيت منقطعة، حتى غدا الانتظار حياةً أخرى مهدت الى التعرف على حسن، الطالب العراقي في كلية الإعلام. قرّبتهما الغربة وأفكار اليسار التقدمي قبل أي شيء آخر، ثم انتهى ذلك التقارب إلى زواج. سجّل حسن طفلتها باسمه، وأحاطها من حنانه بما جعلها تكبر من غير أن تشعر بنقص الأب. وهناك، اعتاد الثلاثة حضور مهرجان الطفل العالمي كل عام، حتى جاء صيف ١٩٨٧ فلم يظهروا بين الحضور، فأثار غيابهم استغراب الطلبة الذين عادوا إلى سكنهم يسألون.
في الممر، كان صوت ماءٍ يتسرّب من غرفة رِهام. ظنّوه حنفيةً نسيتها أو عطلًا عابرًا، لكن الصوت استمر حتى اليوم التالي. حضرت الشرطة، وفُتح الباب، فوجدوا رِهام في الحمّام، مطعونةً في صدرها عدة طعنات، والماء ينساب فوق جسدها من حنفيةٍ تُركت مفتوحة، ولم يكن في الغرفة أثرٌ لحسن ولا للطفلة.
بدأ التحقيق من تلك اللحظة. تذكّر بعض الطلبة أنهم رأوا حسن يوم الاحتفال ويده اليمنى ملفوفة بضماد، واليسرى تمسك بالطفلة. قالوا إنه خرج بها من السكن في هدوء، كأن الأمر لا يتعدى نزهة قصيرة. لكن الخيط اتسع سريعًا. فقد تبيّن، من مجريات التحقيق وما تسرب لاحقًا، أن حسن حاول إجبار رِهام على العودة إلى العراق. وحين رفضت، طعنها، ثم نقل جسدها إلى البانيو، وفتح الماء، وغادر ومعه الطفلة، متجها إلى محطة المخابرات في السفارة، حيث جرى تأمين خروجهما الى العراق بجواز دبلوماسي، ضمن الوفد الذي حضر المهرجان برئاسة زوجة الرئيس. وفي بغداد، عاد حسن بطلاً، كوفئ على خدماته جاسوسًا على الطلبة بإكمال دراسة الدكتوراه، ثم عُيّن أستاذًا جامعيًا ومديرًا للفرقة المسرحية. أما رِهام، فكان نصيبها قبرًا بعيدًا، وملفًا طُوي كما لو أن الدم لم يُسفك يومًا.
***

562 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع