
ترجمة
اللواء الركن
علاء الدين حسين مكي خماس
قلب اليابسة في مواجهة حافة اليابسة خطوط المواجهة في الحرب على النظام العالمي القادم Heartland vs.Rimland مايكل بيكلي(1) وهال براندز(2)
للوهلة الأولى، تبدو الخريطة الاستراتيجية للعالم اليوم مألوفة. فهناك كتلة من القوى البرية، تتمركز حول قلب أوراسيا، تتحدى نظاماً ليبرالياً بحرياً تقوده قوة عظمى تقع خارج اليابسة القارية. وتؤدي الصين وروسيا، مدعومتين بإيران وكوريا الشمالية، والمحاطتين بحزام من الأنظمة الاستبدادية يمتد من بيلاروسيا إلى ميانمار، الدور نفسه الذي أدته في مراحل تاريخية سابقة كلٌّ من فرنسا النابليونية، وألمانيا الإمبراطورية، والاتحاد السوفيتي؛ أي دور الإمبراطوريات القارية الساعية إلى الهيمنة على أوراسيا وإسقاط نفوذها على المستوى العالمي.
_____________________
(1) مايكل بيكلي أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة تافتس، وزميل أول غير متفرغ في معهد أمريكان إنتربرايز، ورئيس قسم أبحاث آسيا في معهد أبحاث السياسة الخارجية.
(2) هال براندز أستاذ كرسي هنري أ. كيسنجر المتميز للشؤون العالمية في مدرسة بول نيتزه للدراسات الدولية المتقدمة التابعة لجامعة جونز هوبكنز، وزميل أول في معهد أمريكان إنتربرايز، ومؤلف كتاب «القرن الأوراسي: الحروب الساخنة، والحروب الباردة، وصناعة العالم الحديث».

تمتد هذه الكتلة من أمريكا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا لتشكل قوساً من الدول الساحلية والبحرية يطوق القارة الأوراسية. وهكذا يعيد إيقاع الجغرافيا السياسية إنتاج نفسه؛ إذ يسعى محور من الدول الاستبدادية منبثق من قلب اليابسة (Heartland) إلى اختراق الحواجز التي تمثلها دول حافة اليابسة (Rimland)المحيطة بقلب اليابسة، والتي تشكل خط الدفاع الأول عن بقية العالم.
غير أن قلب اليابسة في العصر الراهن ليس مجرد نسخة مكررة من أسلافه التاريخيين. فهو ليس إمبراطورية واحدة تزحف عبر أوراسيا، بل رابطة فضفاضة من القوى الساعية إلى تغيير النظام الدولي، يجمعها عداء مشترك للمبادئ الليبرالية وللقوة الأمريكية. وهذه الدول لم تعد قادرة على اجتياح أقاليم شاسعة كما فعل نابليون أو هتلر في الماضي، وإنما أصبحت تعتمد على أدوات العصر الحديث، مثل الهجمات السيبرانية، وحملات التضليل الرقمي، والأسلحة الدقيقة التوجيه، والصواريخ المزودة برؤوس نووية، بما يمنحها القدرة على إضعاف تحالفات حافة اليابسة، بل وحتى توجيه ضربات مباشرة إلى الولايات المتحدة نفسها. والأهم من ذلك أن هذه الأنظمة الاستبدادية الأوراسية أصبحت مترابطة فيما بينها. فهي توسّع نفوذها بمدّ الكابلات وتوقيع العقود بقدر ما توسّعه بإرسال أرتال الدبابات، كما توظف الاعتماد المتبادل الذي أوجدته العولمة كسلاح لإضعاف نظام حافة اليابسة من داخله. وتتولى الصين قيادة هذا القلب الجديد لليابسة، ساعيةً إلى تحقيق مكانة القوة العالمية على ثلاثة محاور متوازية: على البر من خلال مبادرة الحزام والطريق، وفي البحر عبر أكبر عملية بناء للقوة البحرية في تاريخها الحديث، وفي الفضاء الرقمي من خلال شبكات الاتصالات، ومنصات الدفع الإلكتروني، وأنظمة المراقبة. وتُشكّل هذه التحركات، مجتمعة، تهديداً لهيمنة دول حافة اليابسة، لأنها تربط الإمبراطورية الرقمية الصينية الآخذة في الاتساع بالمشروعات الجيوسياسية التقليدية القائمة على السيطرة البرية.
ومع ذلك، فإن هذا القلب الأوراسي ينطوي على تناقض داخلي؛ فهو في الوقت نفسه قوي وضعيف. فدوله الأساسية ــ الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية ــ تمتلك أدوات ضغط وإكراه فعالة، وقادرة على افتعال أزمات حادة عبر الهجمات السيبرانية، وحافة الهاوية النووية، والاستفزازات العسكرية المحدودة. لكنها، في المقابل، ما تزال تفتقر إلى المقومات الاقتصادية والتكنولوجية اللازمة للفوز في منافسة استراتيجية طويلة الأمد مع التحالف المقابل الذي تقوده الولايات المتحدة.
أما تحالف حافة اليابسة، فرغم أنه لا يُضاهى من حيث القوة الشاملة، فإنه يعاني انقسامات خطيرة في الأهداف والإرادة. فالولايات المتحدة تتربع على شبكة معقدة من ترتيبات الأمن الإقليمي، والتكتلات الاقتصادية والتكنولوجية، وتحالفات الدول المتقاربة في القيم السياسية. وتمتاز هذه الإمبراطورية الموزعة بالانفتاح والقدرة على التكيف، لكنها في الوقت نفسه معرضة للتشتت والانقسام.
وقد نجح خصومها في استغلال انفتاح الأسواق والمؤسسات والتقنيات الغربية، كما أدت العولمة إلى إضعاف التوافق الداخلي الذي كان يشكل الأساس لتماسك تحالف حافة اليابسة. وأصبح العديد من الحلفاء الذين تحميهم القوة الأمريكية يعتمدون عليها اعتماداً كاملاً بدلاً من أن يكونوا مضاعفات للقوة، حتى إن بعضهم بات ينظر إلى النزعة الأحادية في السياسة الأمريكية باعتبارها تهديداً أكبر من تهديد القوى العدوانية المنبثقة من قلب اليابسة نفسه. وأصبحت الولايات المتحدة حامياً متردداً، يميل إلى النزعات الحمائية، وأحياناً إلى السلوك الافتراسي. وقد عكست التوترات المتعلقة بالحرب في إيران هذا التصدع، إذ امتنع عدد من الحلفاء عن تقديم الدعم، أو نأوا بأنفسهم علناً عن التحرك الأمريكي، بدلاً من الالتفاف حوله. وكانت النتيجة أن أصبحت حافة اليابسة تعاني من الانقسام الداخلي، في حين بقيت الأنظمة الاستبدادية في قلب اليابسة موحدة في رغبتها في تغيير الوضع القائم.
ويتمثل التحدي الذي يواجه واشنطن في إعادة بناء نظام لحافة اليابسة يتلاءم مع عصر أصبحت فيه القوة تمر عبر الشبكات كما تمر عبر الأرض. وهذا يعني ليس فقط إبقاء الجيوش المعادية داخل حدودها، بل أيضاً منع الأنظمة الاستبدادية في قلب اليابسة من اختطاف العولمة. ويجب أن تقوم استراتيجية حديثة لحافة اليابسة على دمج الشبكة الفضفاضة من التحالفات في منظومة تدير الاعتماد المتبادل، وتعزز المجتمعات الحرة، وتحميها من الإكراه. ولا تستطيع قيادة هذا النظام الجديد سوى الولايات المتحدة، ولكن لكي تقوم بذلك، عليها أن تقاوم نزعاتها الداخلية غير الليبرالية. وإلا فإن قلب اليابسة سيعيد تشكيل العالم بما يخدم أهدافه الخاصة.
قلب اليابسة يعود من جديد
على مدى قرون، سعت الدول الاستبدادية إلى توحيد أكبر كتلة يابسة في العالم في مواجهة التحالفات البحرية التي حاولت إبقاء القوة الأوراسية مجزأة ومحتواة. وكانت الحرب الباردة أحدث هذه المواجهات، كما كانت أكثرها تجسيداً لهذا النمط. فقد كان الاتحاد السوفيتي قوة برية ضخمة تمتد إمبراطوريته من ألمانيا إلى المحيط الهادئ. وكانت الجيوش السوفيتية وأنشطتها تمثل تهديداً دائماً لأطراف أوراسيا. وردت الولايات المتحدة على ذلك بإقامة تحالفات عابرة للمحيطات لتأمين الأطراف الحيوية لأوراسيا، ولا سيما أوروبا الغربية، وشرق آسيا، ثم لاحقاً الشرق الأوسط. وعُزلت إمبراطورية قلب اليابسة السوفيتية عسكرياً وسياسياً وتكنولوجياً، ودُمجت الدول الصديقة في اقتصاد العالم الحر، من خلال طرق التجارة وخطوط الإمداد التي كانت القوة الأمريكية تؤمنها. وقد نجح تحالف حافة اليابسة في احتواء قلب اليابسة المعادي حتى انهار، وأقام بنية عالمية جديدة للقوة هيمنت عليها الديمقراطيات، وهي اليوم تتعرض للتهديد مرة أخرى.
ويتنافس اليوم فريق جديد من الأنظمة الاستبدادية الأوراسية على الزعامة. فالصين ذات النزعة الإمبراطورية الجديدة تسعى إلى الهيمنة على آسيا وما بعدها. أما روسيا الساعية إلى الانتقام فتعمل على تقويض النظام الأمني الأوروبي واستعادة دورها بوصفها قوة عظمى في قلب اليابسة. وإيران، رغم ما أصابها من ضعف، لا تزال طموحة، وتدخل في مواجهات عنيفة مع واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط. أما كوريا الشمالية الاستفزازية، فتعزز طموحاتها في شمال شرق آسيا بقدرات عسكرية بعيدة المدى.
وبشكل جماعي، .تشغل هذه القوى الساعية إلى تغيير الوضع القائم مساحات شاسعة من القارة الأوراسية. وجميعها مدفوعة بعداء شديد للقوة وللرسالة الديمقراطية التي يمثلها عالم حافة اليابسة. ومع ازدياد تعاونها الوثيق، فإنها تعيد إحياء كابوس قيام محور أوراسي يتواطأ ضد خصومه.
وتعمل هذه الأنظمة الاستبدادية على تعميق روابطها الاقتصادية والمالية والتكنولوجية. فقد أصبحت الرقائق الإلكترونية وآلات التشغيل الصينية تشكل ركائز للاقتصاد الروسي، كما تساعد الأموال والتكنولوجيا الصينية روسيا على تطوير منطقة القطب الشمالي. وتجمع الشركات الروسية رؤوس الأموال في هونغ كونغ، بينما تتدفق صادرات النفط الروسي إلى بكين. كما تعاون النظامان في موسكو وطهران على توسيع ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، الذي يربط روسيا بآسيا عبر بحر قزوين وإيران.
ويمتد هذا التكتل الاستبدادي إلى المجال العسكري. فقد أسهمت الطائرات المسيّرة الإيرانية، والصواريخ والقوات الكورية الشمالية، والسلع الصينية ذات الاستخدام المزدوج (التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية ومدنية على حد سواء)، في دعم الحرب التي يخوضها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا. كما تبيع روسيا معدات عسكرية متطورة، تشمل أنظمة دفاع جوي وصاروخي متقدمة، وتقنيات فائقة لتخفيض الضوضاء الصادرة عن الغواصات، وهو ما يضاعف بصورة كبيرة الأخطار التي تمثلها بكين وطهران وبيونغ يانغ. كما أن إنتاجها المنسق للطائرات المسيّرة، والصواريخ، والمروحيات، وغيرها من القدرات العسكرية، يؤدي إلى إنشاء كتلة صناعية عسكرية متزايدة التكامل، ملتزمة بتحطيم نظام حافة اليابسة.
وقد استخدمت طهران قمراً صناعياً للتجسس صنعته الصين، ومحطات أقمار صناعية مقرها بكين، لمراقبة القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط واستهدافها خلال حربها مع واشنطن. كما زودت الشبكات الصينية إيران بمواد أولية تدخل في صناعة وقود الصواريخ، بينما ساعدت بيانات الاستهداف الروسية في تنفيذ الهجمات الإيرانية.
وقد حذر الجغرافي السياسي (هالفورد ماكندر)، في مطلع القرن العشرين، من أن القوى المعتدية المنطلقة من قلب اليابسة ستستخدم سيطرتها على أوراسيا لشن هجمات عالمية. وفي خضم المعارك الضارية للحرب العالمية الثانية، رأى عالم السياسة (نيكولاس سبيكمان) أن على الولايات المتحدة أن تحافظ على توازن العالم من خلال ضمان أمن حافات أوراسيا البرمائية الحيوية. وكان كلا المفكرين سيدرك ملامح الصراع القائم اليوم، إلا أن التحدي الراهن أكثر تعقيداً وأكثر خبثاً من التحديات التي سبقته.
التحالفات الهشة
إن المحور الأوراسي ليس إمبراطورية موحدة من النوع الذي سعى السوفييت إلى إقامته، كما أنه ليس تحالفاً متكاملاً. بل هو تجمع لأنظمة خاضعة للعقوبات، تربطها في المقام الأول مظالم مشتركة. إن دولة الحزب اللينيني في بكين، والنظام الجديد في موسكو، وحكم العائلة في بيونغ يانغ، والثيوقراطية المتشددة في طهران، لا يجمع بينها سوى القليل من الأيديولوجيا، باستثناء كراهية مشتركة لمنافسيها في حافة اليابسة. وهي لا تسعى إلى ثورة عالمية جماعية واحدة، بل إلى مشاريع إمبراطورية متمايزة، ومختلفة في نهاية المطاف، تستند إلى تاريخ كل دولة وتقاليدها.
واليوم، تُعد الصين وروسيا شريكتين استراتيجيتين، تقاتلان، بحسب تعبير الزعيم الصيني شي جين بينغ، «ظهراً إلى ظهر» في مواجهة العالم الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة. لكنهما قد تكتشفان قريباً أنه لا يمكن لكلتيهما أن تهيمنا في الوقت نفسه على القطب الشمالي وآسيا الوسطى وغيرها من المناطق التي تتصادم فيها رؤيتاهما للعظمة.
وهذا يحد من تماسك قلب اليابسة. وقد أظهرت استجابات الصين وروسيا للحرب مع إيران هذا النمط بوضوح؛ فقد كانتا مستعدتين لمساعدة طهران بالمعلومات الاستخبارية والمساعدات العسكرية والتكنولوجية، لكنهما لم تكونا مستعدتين للمخاطرة بتوسيع نطاق الصراع من خلال الدفاع المباشر عن إيران. وبالمثل، عندما ألقت قوات العمليات الخاصة الأمريكية القبض على الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورو) في كانون الثاني/يناير، لم ترسل بكين وموسكو أكثر من الأمنيات والدعوات. فهؤلاء شركاء تحكمهم المصالح، وليسوا حلفاء ملتزمين بالدفاع المشترك. ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية تقلل أيضاً من خطر الانهيار الأيديولوجي. فبدلاً من التنازع حول مسائل العقيدة والانحراف عنها، تستطيع القوى الساعية إلى تغيير الوضع القائم أن تركز على البراغماتية الاستراتيجية القائمة على المصالح المتبادلة، مثل التجارة، والتحايل على العقوبات، والتعاون العسكري والتكنولوجي، وهي أمور تعزز قدرتها على مواجهة خصومها المشتركين. كما أن الغياب الفعلي للأيديولوجيا لدى قوى قلب اليابسة يساعدها على تجنب العزلة، من خلال إتاحة إقامة شراكات مرنة مع الأنظمة الاستبدادية المناهضة للولايات المتحدة في بيلاروسيا وكمبوديا وكوبا وميانمار، ومع الدول المتأرجحة ذات المواقف المترددة مثل الهند والمملكة العربية السعودية، ومع الدول النامية غير الراضية عن عالم يهيمن عليه الغرب.
ولا يستطيع أي من القوى الساعية إلى تغيير الوضع القائم اليوم أن يجتاح أوراسيا ببساطة كما فعل أسلافها. فقد تقدمت روسيا في إخضاع شرق أوكرانيا بوتيرة أبطأ من سير الحلزون. كما ستواجه الصين صعوبة كبيرة في تجاوز العقبات التي تحول دون غزو تايوان، ما دامت تلك الجزيرة تتمتع بحماية واشنطن. غير أن هذا الضعف يجعل بكين تبدو أقل تهديداً وجودياً للدول الواقعة خارج نطاقها المباشر، الأمر الذي يعقد الجهود الأمريكية الرامية إلى احتوائها. وفي الوقت نفسه، تمتلك الأنظمة الاستبدادية الأوراسية اليوم قدرات لم تكن متاحة لأسلافها، تتمثل في قدرتها على تعطيل التحالفات التي تربط دول حافة اليابسة بواشنطن، بل وحتى توجيه ضربات إلى القوة العظمى الواقعة خارج اليابسة نفسها.
وتمثل الهجمات السيبرانية الصينية والروسية تهديداً للبنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة، وقد تؤدي إلى شل قدرتها على التحرك في أوقات الأزمات.
في عام 2021، كانت مجموعة صينية للتجسس الإلكتروني تُعرف باسم "فولت تايفون" (Volt Typhoon) تخترق البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة، بما في ذلك مرافق المياه وشبكات الطاقة. وفي العام نفسه، أوقف قراصنة روس تدفق الوقود عبر خط أنابيب كولونيال في شرق الولايات المتحدة، مما تسبب في حدوث نقص في البنزين.
كما أن القدرات الصينية والروسية المضادة للأقمار الصناعية تعرض للخطر البنية التحتية للاتصالات العسكرية التي تمكّن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) من عرض قوتها على المستوى العالمي. وتمنح الترسانات الضخمة من الصواريخ وغيرها من الذخائر الموجهة بدقة الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية القدرة على إلحاق دمار واسع النطاق بحلفاء الولايات المتحدة، وإيقاع خسائر بالقوات الأمريكية التي قد تهرع لإنقاذهم. ( إن قلب أوراسيا يجمع في آن واحد بين الشراسة والضعف.)
وفي شهر آذار/مارس عام 2026، أدى وابل من الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية إلى إلحاق أضرار بطائرات أمريكية في قاعدة جوية بالمملكة العربية السعودية. كما استهدفت طهران منشآت دبلوماسية وعسكرية أمريكية تمتد من الأردن إلى البحرين، مؤكدةً كيف يمكن حتى لدولة ضعيفة تسعى إلى تغيير الوضع القائم أن تهدد القواعد الأمريكية المنتشرة على نطاق واسع. وما حدث ليس سوى لمحة عما قد ينتظر واشنطن في غرب المحيط الهادئ، إذ تمتلك بكين الآن أكبر قوة صاروخية برية في العالم.
كما أن تنامي الترسانات النووية ــ مقترناً، في حالة الصين، بوسائل إيصال مثل المركبات الانزلاقية فرط الصوتية القادرة على تجاوز الدفاعات ــ يمكن أن يرفع بدرجة أكبر كلفة التدخل الأمريكي، من خلال التهديد بشن ضربات قسرية ضد القواعد الأمريكية أو حتى ضد الأراضي الأمريكية نفسها. وبحلول منتصف ثلاثينيات هذا القرن، ستواجه واشنطن قوى نووية مكافئة لها ذات أهداف مراجِعة للنظام القائم على طرفي القارة الأوراسية.
ورغم أن خصوم الولايات المتحدة لا يستطيعون تنفيذ حرب خاطفة جديدة عبر أوراسيا، فإنهم يمتلكون الأدوات اللازمة لتفكيك التحالفات المنافسة، وتسهيل عمليات العدوان المحلي ــ حول تايوان أو بحر البلطيق، على سبيل المثال ــ بما يغيّر الميزان العسكري في مناطق حافة اليابسة.
ثم هناك الأدوات الاقتصادية للإكراه التي يمتلكها قلب اليابسة. فالصين تستطيع خنق منافسيها من خلال وقف تصدير العناصر الأرضية النادرة؛ فهي تستخرج نحو 60 في المائة من الإمدادات العالمية، وتعالج أكثر من 80 في المائة منها، فضلاً عن بطاريات المركبات الكهربائية أو المواد الكيميائية الأولية المستخدمة في صناعة الأدوية. كما بذلت جهداً استراتيجياً امتد جيلاً كاملاً لترسيخ وجودها في شرايين العولمة، مثل شبكات الاتصالات، والكابلات البحرية، وشركات التجارة والشحن، بوصفها مصدراً للقوة الاستراتيجية. وبالمثل، استخدمت روسيا تدفقات الطاقة والفساد العابر للحدود لإحداث الانقسام وإضعاف أوروبا. كما توظف التكنولوجيا المتقدمة، والتدفقات المالية العابرة للحدود التي تتسم بالغموض، إضافة إلى وسائل الإعلام الحرة والأنظمة السياسية المنفتحة في المجتمعات المفتوحة، لتقويض الديمقراطيات. وقد عملت بكين وموسكو أحياناً معاً، أو بصورة متوازية، دعماً لهذه الأجندة الانقسامية؛ إذ إن الجمع بين الأموال الصينية والتدخلات الروسية أدى فعلياً إلى دق إسفين داخل حافة اليابسة الأوروبية، من خلال تمكين القوى غير الليبرالية وإثارة النزعات القومية العرقية في منطقة البلقان.
وتحوّل هذه القوى الترابط الذي يميز القرن الحادي والعشرين إلى سلاح في الصراع المستمر على النفوذ. ولا توجد دولة تسعى إلى تغيير الوضع القائم تجمع بين الطموح التاريخي والأساليب الحديثة بقدر ما تفعل الصين.
ثالوث القرن الحادي والعشرين
في عام 1904، حذر ماكندر من أن الصين، إذا أصبحت مستقرة وتدار بقبضة صارمة، قد تهدد يوماً ما «حرية العالم»، لأنها تجمع بين واجهة على حافة اليابسة وعمق داخلي شاسع في قلب أوراسيا. وفي عام 1942، تنبأ سبيكمان بأن «صيناً حديثة، متجددة، ومسلحة» قد تهيمن على غرب المحيط الهادئ وتصبح «قوة قارية هائلة الأبعاد». وقد خشي كبار مفكري الجغرافيا السياسية منذ زمن بعيد من العمالقة الأوراسيين القادرين على التوسع في اتجاهين. لكنهم لم يتصوروا أن بكين ستسعى إلى العظمة في ثلاثة اتجاهات.
وتعيد مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها (شي جين بينغ) إحياء المنطق القديم لتوحيد أوراسيا، من خلال ربط القارة العملاقة بالبنية التحتية، والاعتماد المتبادل، والديون. ويُقدَّر إجمالي الإنفاق على هذه المبادرة بأكثر من تريليون دولار، معظمها في شكل قروض تمنح بكين نفوذاً بوصفها أكبر دائن في العالم. ويعقب ذلك النفوذ السياسي والعلاقات الأمنية؛ إذ إن سلسلة الموانئ التي استثمرت فيها بكين، والممتدة من تايلاند إلى اليونان، قد تصبح يوماً ما العمود الفقري لشبكة قواعد عالمية. كما أن ضمان الوصول إلى الأراضي والموارد الأوراسية، سواء كان ذلك نفط الشرق الأوسط أو النيكل في جنوب شرق آسيا، من شأنه أن يجعل القارة الأوراسية معقلاً صينياً، ومنصة للتوسع أو الإكراه على نطاق عالمي. كما تعتزم الصين اختراق الحاجز البحري الذي تشكله حافة اليابسة.
فعلى مدى عقود، دأبت بكين على بناء قوة بحرية مضادة للبحريات، أي ترسانة تضم صواريخ مضادة للسفن، ومنظومات دفاع جوي، وغواصات منخفضة الضوضاء، هدفها منع السفن الأمريكية من العمل في غرب المحيط الهادئ. وفي السنوات الأخيرة، ركز شي جين بينغ بصورة متزايدة على قوات عرض القوة Power projection forces، مثل بحرية بعيدة المدى تضم عدة حاملات طائرات، قادرة على إيصال النفوذ الصيني إلى أعالي المحيط الهادئ. ويُعد حجم هذه الإمكانات البحرية مذهلاً؛ إذ أصبحت البحرية الصينية اليوم الأكبر في العالم من حيث عدد السفن، بينما يفوق حجم خفر السواحل الصيني جميع الأساطيل الآسيوية المنافسة. كما تتيح عقيدة الاندماج العسكري–المدني للصين الاستفادة من صناعة بناء السفن لديها، التي تنتج سفناً تزيد على مجموع ما ينتجه بقية العالم مجتمعاً.
ويتمثل الهجوم الصيني الثالث في الفضاء السحابي. فالنفوذ في القرن الحادي والعشرين يأتي من السيطرة على الشبكات الرقمية بقدر ما يأتي من السيطرة على المواقع الجغرافية الحيوية، وقد أحرزت بكين تقدماً كبيراً في تنفيذ طريق الحرير الرقمي. وتُستخدم معدات المراقبة الصينية في جميع القارات. كما تتصدر شركتا Alipay وWeChat Pay الصينيتان صناعة المدفوعات الرقمية، حيث تقدمان خدماتهما للتجار في عشرات الدول وبعملات متعددة. ولم تنجح العقوبات الأمريكية في وقف تقدم الشركات الصينية العملاقة، مثل هواوي، في سباق تقنيات الاتصالات من الجيلين الخامس والسادس (G5 & G6 ) كما تحظى نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية، بما في ذلك DeepSeek وQwen، بقبول واسع، ولا سيما في الدول النامية. ويستند هذا التوجه إلى جهود الصين للسيطرة على المواد التي تقوم عليها هذه التقنيات والشبكات، بدءاً من أشباه الموصلات وصولاً إلى العناصر الأرضية النادرة.
الآن هو وقت حافة اليابسة
Rim of Fire
لقد قاد تحالف حافة اليابسة Rimland coalition الذي تقوده واشنطن العالم طوال عقود، لكنه يتعرض اليوم للاختبار في جميع المجالات. وتتمثل المهمة الأكثر إلحاحاً للولايات المتحدة في أمر بالغ الوضوح: تعزيز الحواجز العسكرية لمنع اختراقات قلب اليابسة التي قد تزعزع الوضع القائم وتتيح تحقيق مكاسب أكبر في المستقبل.
ويتطلب ردع الاطماع الصينية ضد تايوان تعزيز القوة القتالية الأمريكية وقوات الحلفاء المنتشرة في الخطوط الأمامية، بما يشمل أسلحة النيران بعيدة المدى، والغواصات والسفن السطحية، والطائرات من الجيل الخامس، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، وأعداداً كبيرة من الطائرات المسيّرة البحرية والجوية، إضافة إلى توزيع القواعد العسكرية ومستودعات الأسلحة على امتداد ما يُعرف بـ سلسلة الجزر الأولى، وهي القوس الممتد عبر اليابان وتايوان والفلبين.
وفي أوروبا، يتطلب ردع روسيا تحويل الجناح الشرقي لحلف الناتو إلى هدف شديد التحصين، من خلال نشر قوات ثقيلة بصورة دائمة أو مستمرة، وإنشاء شبكات للضربات بعيدة المدى والدفاع الجوي، وتطوير قدرات لمواجهة الطائرات المسيّرة، وتعزيز صمود البنية التحتية الحيوية من دول البلطيق إلى بولندا ورومانيا. كما يتطلب الردع الفعال استمرار تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا.
وفي الوقت الراهن، تقع هذه المهمة بصورة أساسية على عاتق الولايات المتحدة وعدد محدود من دول المواجهة الأمامية. فواشنطن وحدها تمتلك المجموعة الكاملة من الأدوات التي تجعل الدفاع الجماعي عالي المستوى قابلاً للتنفيذ. ورغم أن أكثر حلفاء الولايات المتحدة نشاطاً وأكثرهم عرضة للخطر يعيدون التسلح بسرعة، ولا سيما دول البلطيق، وفنلندا، وألمانيا، واليابان، وبولندا، وتايوان، فإن المناطق الخلفية لحافة اليابسة أمضت العقود الثلاثة الماضية في تقليص قدراتها العسكرية وإهمال الاستثمار حتى في القدرات الأساسية. ولذلك، سيتعين أن تتحمل القوات الأمريكية، إلى عدد محدود من القوات العسكرية المحلية تمثل الخط الامامي ، العبء الرئيسي، بينما تتكفل بقية دول حافة اليابسة بفرض العقوبات، والسيطرة على التمويل، والدعم في المناطق الخلفية.
إن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) محق في قوله إن على الحلفاء أن ينفقوا المزيد على الدفاع، وأن يساهموا بدرجة أكبر في القاعدة الصناعية المشتركة. لكنه مخطئ في أن يقرن هذا الضغط برغبته المستمرة في انسحاب الولايات المتحدة من أوراسيا. فإذا انسحبت الولايات المتحدة من أوراسيا، فلن تتمكن دول حافة اليابسة المتبقية من احتواء بكين، ولا حتى موسكو. ويتعين على واشنطن أن تثبت، من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز انتشار قواتها في الخطوط الأمامية، أنها ستقف إلى جانب أولئك الذين يقفون إلى جانب أنفسهم.
لكن تعزيز القدرات العسكرية المحلية ليس سوى الخطوة الأولى في صراع طويل. فقد أظهرت الحروب الأخيرة مدى السرعة التي تتناقص بها مخزونات القذائف والصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي والمعدات الأساسية، ليس خلال أشهر، بل خلال أسابيع أو حتى أيام، ومدى الأهمية الحاسمة التي يصبح عليها الإنتاج الصناعي بمجرد اندلاع القتال. وقد تتمكن قوة الردع في الخطوط الأمامية من احتواء الضربات الأولى لأي صراع في أوروبا أو غرب المحيط الهادئ، لكنها لن تكون قادرة، بمفردها، على دعم حرب تستمر عدة سنوات، تكون فيها القدرة الإنتاجية، والعمق التكنولوجي، والمرونة المالية هي العوامل التي تحدد أي الطرفين سينهار أولاً. وهنا يبرز دور تحالف حافة اليابسة الأوسع، لأن واشنطن، حتى وهي في موقع القيادة، لا تستطيع أن تتحمل إلى ما لا نهاية أعباء دعم عدة مسارح عمليات كبرى، وفي الوقت نفسه إعادة بناء قواتها. ولذلك، فإن المهمة تتمثل في تحويل مجموعة متفرقة من الدول الغنية والقلقة إلى اقتصاد متكامل للحرب والسلم، أي إلى كتلة قادرة على ردع العدوان في المدى القريب، وعلى التفوق على قلب اليابسة في الإنتاج والابتكار والقدرة على الصمود مع مرور الزمن.
القوة تكمن في الأرقام
Strength in Numbers
على الرغم من النزعة التشاؤمية السائدة في الغرب، فإن حافة اليابسة تتفوق على قلب اليابسة بفارق كبير في جميع المقاييس المهمة للقدرة الاقتصادية. فأمريكا الشمالية، ومنطقة اليورو، والديمقراطيات الرئيسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهي أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، تنتج مجتمعة نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفقاً لأسعار الصرف في السوق.
أما قلب اليابسة، وفقاً لأقصى تصور له، والذي يضم الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، إضافة إلى مجموعة من الدول المتحالفة معها مثل بيلاروسيا وكمبوديا وكوبا ولاوس وميانمار وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى، فلا يتجاوز نصيبه نحو 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي GDP. وحتى هذا الرقم يُرجح أنه مبالغ فيه؛ إذ تشير الدراسات المعتمدة على صور الأقمار الصناعية التي تقيس الإضاءة الليلية، بوصفها مؤشراً للنشاط الاقتصادي، إلى أن الصين وروسيا وغيرها من الدول السلطوية بالغت في تقدير معدلات نموها بنحو 35 في المائة خلال العقدين الأولين من هذا القرن. كما تسيطر حافة اليابسة على المحركات الأساسية لتوليد الثروة العالمية. فأمريكا الشمالية، ومنطقة اليورو، والديمقراطيات الرئيسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تشكل هذه الدول سوقاً استهلاكية يزيد حجمها بنحو ثلاثة أضعاف ونصف حجم سوق قلب اليابسة؛ كما أن السوق الأمريكية وحدها تكاد تعادل ضعف حجم السوقين الصينية والروسية مجتمعتين. ويؤثر هذا الاختلال في تدفقات التجارة العالمية، إذ إن أكثر من نصف التجارة العالمية يتم داخل حافة اليابسة، في حين يعتمد نحو ثلثي صادرات قلب اليابسة على الطلب القادم من حافة اليابسة، كما أوضح الاقتصادي (نيل شيرينغ). وفي المقابل، لا يعتمد سوى نحو سدس صادرات حافة اليابسة على أسواق قلب اليابسة.
وتصدر الدول المنضوية في الكتلة المتحالفة مع الولايات المتحدة العملات الاحتياطية العالمية، وتدير شبكات المدفوعات والمعاملات الرئيسية، وتوفر معظم الأصول الاستثمارية السائلة ذات التصنيف الائتماني المرتفع. ويقع نحو 85 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي، و85 في المائة من استثمارات المحافظ المالية، و87 في المائة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية داخل هذه الكتلة. وتمنح هذه الأسس حافة اليابسة كلفة اقتراض أقل في الظروف العادية، كما توفر لها أدوات ضغط وإكراه هائلة في أوقات الأزمات. فبعد أن غزت روسيا أوكرانيا، جمدت مجموعة السبع احتياطيات روسية بقيمة 300 مليار دولار، واستبعدت البنوك الروسية من شبكة الاتصالات المالية المعروفة باسم سويفت (SWIFT)، مما أجبر موسكو على الاعتماد المالي على الصين. وخلال الحرب مع إيران، فرضت واشنطن عقوبات على شبكات تسليح طهران وعلى أسطولها الخفي من ناقلات النفط، وحذرت من أن المصارف التي تتعامل مع الأموال الإيرانية غير المشروعة قد تُحرم من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي. أما الصين، فهي تعمل داخل هذا النظام المالي نفسه؛ إذ إن نحو 75 في المائة من قروضها الخارجية مقومة بالدولار، بينما يُحتفظ بمعظم احتياطياتها من العملات غير الدولارية في أوروبا. وتشكل الموارد أيضاً إحدى نقاط قوة حافة اليابسة. فقد أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، إذ تنتج ما يقارب ضعف إنتاج المملكة العربية السعودية أو روسيا من النفط، ونحو 75 في المائة أكثر من إنتاج روسيا، ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي. وقد أدى هذا الوفرة إلى تقليص اعتماد الولايات المتحدة على نقاط الاختناق البعيدة؛ إذ لا يمر سوى نحو 7 في المائة من وارداتها من النفط الخام عبر مضيق هرمز، في حين يمر عبره نحو نصف واردات الصين من النفط الخام. وفي الوقت نفسه، تحولت أمريكا الشمالية من مورد هامشي للغاز الطبيعي المسال في عام 2016 إلى أكبر منطقة مصدرة له في العالم بحلول عام 2025. وقد جعل هذا التحول حافة اليابسة أكثر اعتماداً على نفسها. فقبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت موسكو توفر 45 في المائة من واردات الغاز إلى الاتحاد الأوروبي؛ وبحلول عام 2025 انخفضت هذه النسبة إلى 12 في المائة. ولم تؤد محاولة روسيا استخدام النفط والغاز كسلاح إلى ترك أوروبا عاجزة، بل دفعتها إلى الاندماج بصورة أعمق في نظام الطاقة الذي تتمحور قيادته حول الولايات المتحدة.
وقد سرّعت الحرب مع إيران هذا الاتجاه. وبعد نحو شهرين من اندلاع الصراع، بلغت صادرات الولايات المتحدة من النفط الخام مستوى قياسياً بلغ 6.4 ملايين برميل يومياً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وقبل ذلك، في شهر نيسان/أبريل، كانت أكثر من 65 ناقلة نفط عملاقة فارغة ــ أي ما يقارب ثلاثة أضعاف عددها في الأسبوع الذي سبق اندلاع الحرب ــ تتجه إلى الموانئ الأمريكية لتحميل النفط الخام. كما كان من المتوقع أن تزود المصافي الأمريكية أوروبا بأكثر من ثلث احتياجاتها من وقود الطائرات خلال شهر نيسان/أبريل، وهو ما يعادل نحو ضعف المستوى المسجل في كانون الثاني/يناير.
ويمتلك قلب اليابسة أيضاً موارد طبيعية، لكن حافة اليابسة تتمتع بقدرة أكبر على تحويل الموارد إلى قوة. فروسيا تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز والمعادن، إلا أن كثيراً منها يعتمد على خطوط أنابيب تعود إلى الحقبة السوفيتية، وشبكات سكك حديدية مثقلة بالأعباء، وموانئ وممرات شحن معرضة للهجوم. وفي شهر نيسان/أبريل، أجبرت الضربات الأوكرانية التي استهدفت مراكز التصدير الرئيسية روسيا على خفض تدفقات النفط، مما كشف هشاشة البنية التحتية التي تستند إليها قوتها القائمة على الموارد.
أما تفوق الصين في المعادن الحيوية، فهو أكثر قوة، لكنه أقل رسوخاً مما يبدو. فقد بدأ احتكارها يتعرض للتحدي على امتداد سلسلة الإمداد، بعدما انتقلت جهود الولايات المتحدة وحلفائها لتنويع مصادر التوريد من مجرد طموحات إلى تعبئة مدعومة من الدولة.
وكانت طوكيو أول من طبق هذا النموذج في عام 2010، بعد أن أدت التوترات مع الصين بشأن جزر سينكاكو المتنازع عليها (المعروفة في الصين باسم دياويو) إلى قيام الصين بحظر جميع صادراتها من العناصر الأرضية النادرة إلى اليابان. ومنذ ذلك الحين، استخدمت طوكيو التمويل العام لربط التعدين في أستراليا بعمليات التكرير في ماليزيا وبصناعة المغناطيس في اليابان، مما خفض اعتمادها على واردات العناصر الأرضية النادرة الصينية من نحو 90 في المائة عام 2010 إلى حوالي 60 في المائة اليوم. وتعمل واشنطن الآن على توسيع نطاق هذا النهج، من خلال استخدام حصص الملكية، ووضع حدود دنيا للأسعار، واستحداث آليات تمويل جديدة لتحفيز إنتاج العناصر الأرضية النادرة، وإنشاء احتياطي أمريكي استراتيجي للمعادن الحرجة مملوك للدولة. كما تعمل شركات في مختلف أنحاء حافة اليابسة، بما في ذلك MP Minerals في الولايات المتحدة، و في أستراليا، وSerra Verde في البرازيل، على بناء سلسلة إنتاج متكاملة تمتد من المنجم إلى صناعة المغناطيس. وما تزال الصين قادرة على إلحاق الضرر، إلا أن تهديداتها بقطع الإمدادات لا تؤدي إلا إلى تسريع توحيد سلاسل الإمداد في حافة اليابسة. ويكمن أكثر أوجه التفاوت حسماً في الصناعة المتقدمة وفقا للحسابات التي أجراها ستيفن بروكس وبن فاغل، تستحوذ الولايات المتحدة وحلفاؤها على ما يقرب من85 في المائة من أرباح الشركات العالمية في الصناعات عالية التكنولوجيا، وهو المؤشر الأوضح على المكان الذي تُخلق فيه القيمة الحقيقية. أما حصة الصين فلا تتجاوز نحو6 في المائة، في حين لا تسهم روسيا وإيران وكوريا الشمالية عملياً بأي شيء. وفي عام 2022، تصدرت الشركات الأمريكية 20 صناعة من أصل 27 صناعة مدرجة في قائمة فوربس غلوبال 2000، التي تصنف أكبر الشركات المساهمة العامة في العالم، ولم تحتل الولايات المتحدة في أي صناعة مرتبة أدنى من المرتبة الثالثة. أما الصين فقد تصدرت ثلاث صناعات فقط، هي: القطاع المصرفي، والإنشاءات، واستخراج المواد الخام. أما في القطاعات الأكثر أهمية للقوة الحديثة، فإن هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها تكاد تكون مطلقة. فكما يبين بروكس وفاغل، استحوذت الولايات المتحدة وشركاؤها في عام 2022 على99 في المائة من أرباح صناعة الطيران والفضاء، و96 في المائة من أرباح صناعة أشباه الموصلات، و90 في المائة من أرباح معدات التقنية، و85 في المائة من أرباح البرمجيات، وأكثر من 75 في المائة من أرباح التكنولوجيا الحيوية، والاتصالات، والمواد الكيميائية، والسلع الرأسمالية. أما حصة الصين من الأرباح في كل واحدة من هذه الفئات فقد تراوحت بين1 في المائة و7 في المائة.
إن الحجم الصناعي للصين حقيقة واقعة؛ فهي تنتج نحو ثلث السلع المصنعة في العالم، وتتصدر الإنتاج في المركبات الكهربائية، والبطاريات، والألواح الشمسية، والطائرات المسيّرة، والسفن، والمستحضرات الصيدلانية، والعناصر الأرضية النادرة. لكن هذا الحجم لم يؤد إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي. فالإنتاج المحلي الصيني من الرقائق الإلكترونية لا يغطي سوى أقل من خمس الطلب المحلي، كما أن ضوابط التصدير الأمريكية قلصت بصورة حادة إمكانية وصول الصين إلى قدرات الحوسبة المتقدمة. وحتى أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية لا تزال تعتمد على هياكل مفتوحة المصدر صُممت في الغرب، أو على مجموعات مركبة من رقائق إلكترونية منخفضة الأداء. وتبقى الصورة الأساسية دون تغيير: فالصين عملاق صناعي في الصناعات متوسطة التقنية يعمل داخل منظومة تكنولوجية متقدمة تقودها حافة اليابسة.
إلى حافة المستقبل
إن حافة اليابسة ليست فقط أكبر وأكثر تقدماً من قلب اليابسة، بل إنها أيضاً تتمتع بدرجة من التنوع تجعلها قادرة على العمل بوصفها اقتصاداً عالمياً مكتفياً بذاته. أما قلب اليابسة، فيبقى تحالفاً أضيق نطاقاً، يقوم على صناعات مركزة ودول هشة. وقد حاولت الصين وروسيا تعويض ذلك من خلال تنمية شراكات مع دول خارج الكتلتين، ولا سيما عبر القروض والاستثمارات. إلا أن العديد من كبار المقترضين من الصين هم من الدول المصدرة للسلع الأولية المثقلة بالديون، والتي تحمل تصنيفات ائتمانية عند مستوى B ناقص، كما أن الإقراض الصيني في الخارج أفضى منذ عام 2019 إلى صافي تحويلات سلبية مع تزايد حالات تعثر المقترضين. وتكتسب هذه الفوارق أهمية سواء في زمن السلم أو في زمن الحرب. ففي الأوقات العادية، تضع شركات حافة اليابسة المعايير، وتسيطر على حقوق الملكية الفكرية الحيوية، وتستحوذ على الشرائح الأعلى ربحية في سلاسل القيمة العالمية. أما في أوقات الصراع، فإن هذه الشبكات نفسها تتحول إلى نقاط اختناق تستطيع حافة اليابسة أن تمارس من خلالها الضغط؛ إذ لا يمكن تخزين الرقائق الإلكترونية المتقدمة، وأدوات التصنيع الدقيقة، وغيرها من المدخلات التي لا غنى عنها إلى أجل غير مسمى، ولا يمكن توطين إنتاجها بسرعة. إن قلب اليابسة اليوم أكثر ديناميكية وأكثر ترابطاً من خصوم الماضي، لكنه ما يزال يفتقر إلى العمق الاقتصادي والامتداد التكنولوجي اللذين يتمتع بهما التحالف المقابل له. ومع ذلك، فإن أعظم نقاط قوة حافة اليابسة، وهي تنوعها، تمثل أيضاً نقطة ضعفها. فالتحالف الذي يشبه اقتصاداً عالمياً مصغراً يضم دولاً تحرك سياساتها دوافع نابعة من مواطن ضعف مختلفة، ومن درجات متفاوتة في تحمل المخاطر. فالصين تثير مخاوف الهند من خلال فعالياتها واطماعها في جبال الهيمالايا، وتثير مخاوف اليابان ودول جنوب شرق آسيا من خلال توسعها البحري، كما تثير مخاوف أستراليا من خلال الإكراه الاقتصادي. أما الدول الأوروبية، فتقلقها الصواريخ الروسية وصدمات الطاقة. وعلى الجانب الآخر، يمتلك قلب اليابسة هدفاً بسيطاً وموحداً، يتمثل في إضعاف نظام حافة اليابسة الذي يفرض عليه القيود.
كما تعتمد قوى حافة اليابسة على مجموعة من الدول المحورية التي لا غنى عنها من الناحية الاستراتيجية، لكنها غير ملتزمة هيكلياً. فالهند تنمي شراكات وثيقة مع كل من واشنطن وموسكو. كما عززت المملكة العربية السعودية علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة، مع إبقاء شركة هواوي جزءاً أساسياً من بنيتها التحتية الرقمية.
إن تفوق الصين في مجال المعادن الحيوية أقل رسوخاً مما يبدو.
وتمتلك هذه الدول الموارد، أو القدرات التكنولوجية، أو غيرها من المقومات التي يمكن أن تعزز هيمنة حافة اليابسة، لكنها لا تزال في أفضل الأحوال أشباه حلفاء، يظل التزامهم مشروطاً. وفي داخل النواة الغربية لحافة اليابسة، تزيد السياسات الديمقراطية من صعوبة التنسيق. فالمصدرون، والصناعات المعتمدة على الواردات، والمواطنون المعتادون على الطاقة والسلع الرخيصة، يجعلون من الصعب على السياسيين تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الصين وروسيا. كما تعاني أوروبا من قطاع تكنولوجي ضعيف ومن تباطؤ في الإنتاجية، في حين تتعرض صناعاتها لضغوط ناجمة عن فائض الطاقة الإنتاجية الصينية ومن السياسات الحمائية الأمريكية في الوقت نفسه. وتدفع هذه القيود الهيكلية الحلفاء الديمقراطيين إلى تبني سياسات التحوط والتأجيل.
أما الولايات المتحدة، فرغم أنها لا غنى عنها، فإنها ليست شريكاً يمكن الاعتماد عليه دائماً. فحالة الاستقطاب الداخلي، ودورات الشعبوية، تغذيان نزعات السياسة الخارجية الأحادية. كما أن ثقلها الاقتصادي يشجع الاعتقاد بأنها تستطيع تحقيق الازدهار دون إدارة دقيقة للتحالفات، أو ربما حتى ابتزاز تلك التحالفات لتحقيق مكاسب ضيقة.
وخلال الحرب الباردة، فرض الاتحاد السوفيتي، بوصفه قوة نووية ذات نزعة أيديولوجية توسعية، قدراً من الانضباط على نظام حافة اليابسة. أما قلب اليابسة اليوم فلا يفعل ذلك؛ فروسيا دولة عنيفة، لكنها محدودة القدرات، بينما تتقدم الصين من خلال الإكراه الاقتصادي وضغوط «المنطقة الرمادية» التدريجية، مثل المضايقات البحرية، والترهيب العسكري، والعمليات السيبرانية، وغيرها من الإجراءات القسرية المصممة لتغيير الوقائع على الأرض دون التسبب في اندلاع حرب.
وفي غياب خطر وجودي واحد ومحدد، تفتقر حافة اليابسة إلى ذلك القدر من الخوف الذي كان يجبر الديمقراطيات على إخضاع مصالحها الضيقة للاستراتيجية المشتركة. فهي مهيمنة من الناحية المادية، لكنها ضعيفة من الناحية السياسية.
جعل حافة اليابسة أكثر تماسكاً
العمل الجماعي يحقق الاحلام
إن المهمة ليست توسيع حافة اليابسة، بل جعلها أكثر تماسكاً. وهذا يعني الانتقال من التنسيق المؤقت إلى تعاون أكثر تنظيماً، يقوم على الإنتاج المشترك في الصناعات الرئيسية، وشبكات تكنولوجية قابلة للتشغيل البيني، وصناعات دفاعية يعزز بعضها بعضاً بدلاً من أن تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.
ويتمثل المبدأ المنظم لهذا التوجه في فكرة بسيطة: التكرار دون الاكتفاء الذاتي الكامل. فحافة اليابسة ليست بحاجة إلى إنتاج كل شيء في كل مكان، وإنما تحتاج إلى ضمان وجود كل قدرة صناعية وتكنولوجية أساسية في مكان ما داخل التحالف. وبدلاً من بناء سلسلة إمداد عملاقة واحدة، ينبغي للكتلة أن توزع الوظائف الحيوية بين اقتصادات أمريكا الشمالية وأوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما ينبغي للشركاء أن يتبعوا قواعد مشتركة لفحص الاستثمارات، وضوابط التصدير، ومواجهة فائض الطاقة الإنتاجية الصينية، بحيث تتدفق رؤوس الأموال الخاصة بصورة طبيعية نحو المراكز التابعة للحلفاء، بدلاً من أن تتجه إلى نقاط الاختناق التي تسيطر عليها الصين أو روسيا.
وينطبق هذا المنطق نفسه على التكنولوجيا. فالميزة التاريخية لحافة اليابسة تكمن في الابتكار اللامركزي؛ إذ تتنافس مراكز خبرة مستقلة عديدة، وتجرب، وتوسع نطاق الابتكارات بوتيرة أسرع من أي منافس يعتمد على توجيه الدولة. ومن شأن استراتيجية متماسكة أن تعزز هذه الميزة، من خلال ربط منظومات البحث والتطوير، وتنسيق القيود المفروضة على التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، وضمان تداول التطورات الحساسة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الكم، والتكنولوجيا الحيوية داخل التحالف، دون أن تتسرب إلى الجيوش التابعة لقلب اليابسة.
ويحتاج هذا النظام أيضاً إلى قاعدة صناعية دفاعية متماسكة. فالجيوش الحليفة تتدرب اليوم معاً، لكن مصانعها تعمل في كثير من الأحيان كما لو أنها تنتمي إلى عوالم مختلفة. ومن شأن حافة يابسة أكثر قوة أن تربط هذه القواعد في اقتصاد دفاعي شبكي يشجع الإنتاج المشترك للذخائر والمنصات العسكرية، ويعزز حماية الكابلات البحرية التي ترتكز عليها منظومة التمويل العالمي والقيادة العسكرية. والهدف هو إقامة قاعدة دفاعية ضخمة وموزعة، تتخصص فيها الدول المختلفة في المجالات التي تتمتع فيها بأكبر قدر من القوة، مع ضمان أن تكون مخرجاتها قابلة للتشغيل البيني، بحيث تعزز القوة الجماعية. ومن شأن ذلك أن يحقق قدرة أكبر على الاستمرار في القتال. فوجود نظام صناعي دفاعي موزع، يمتد عبر أمريكا الشمالية وأوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، من شأنه أن يخلق قدرة إنتاجية احتياطية لا يستطيع أي خصم منفرد تعطيلها. كما سيسمح للحلفاء بتوزيع الضغوط فيما بينهم. فعندما تنخفض مخزونات إحدى المناطق أو تتعرض مصانعها لهجمات سيبرانية، تستطيع المناطق الأخرى تعويض ذلك. وبهذه الطريقة، يمكن للمزايا الاقتصادية والتكنولوجية التي تتمتع بها حافة اليابسة أن تحول تحالفاً مكشوفاً من الناحية التكتيكية إلى تحالف يتمتع بقدرة استراتيجية على الصمود. ويجب أن يقترن هذا التكامل الاقتصادي والعسكري بأدوات للإكراه أي القدرات والامكانات اللازمة للدفاع عنها او الحفاظ على فاعليتها. فإذا استهدفت الصين أو روسيا أحد أعضاء التحالف بفرض قيود تجارية، فإن الشركاء الراغبين في المشاركة يمكنهم فرض رسوم جمركية متزامنة، وضوابط على الصادرات، وتقديم دعم مالي طارئ. كما يمكن لمجلس تنسيق دائم أن يحدد العقوبات المناسبة، ويشرف على تنفيذ قواعد الأمن التكنولوجي، ويعوض الدول التي تتعرض لإجراءات انتقامية. وبدلاً من الارتجال في الردود، ستعتمد الكتلة على أدوات معدة مسبقاً، وسلالم تصعيد واضحة ومتوقعة، ترفع كلفة عدوان قلب اليابسة. ويُعد إغلاق المنافذ الخلفية التي تستفيد منها الصين أمراً بالغ الأهمية بالقدر نفسه. فالتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يسيطر على أدوات الصناعة الحديثة، لكن منع بكين من تمرير المدخلات الحيوية عبر الهند أو المكسيك أو فيتنام لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تنسيق قواعد المنشأ وتتبع مكونات المنتجات. كما أن توحيد ضوابط التصدير، وإدماج معايير تحديد الموقع الجغرافي، سيحول دون تسرب المعدات ذات الاستخدام المزدوج إلى جيوش قلب اليابسة. ومن شأن نظام متعدد المستويات، يمنح وصولاً كاملاً للدول الملتزمة، ووصولاً جزئياً للدول المترددة، ويعلق الامتيازات للدول المخالفة، أن يرسي نظاماً مرناً، لكنه منضبط.
الاستمرار في الصمود
تجنب التعقيد
ولا يتطلب أي من ذلك إنشاء تحالف رسمي. فالمعاهدات مرهقة، والإجماع يمنح كل طرف حق النقض. وما تحتاج إليه حافة اليابسة هو توحيد القواعد وتنسيق تنفيذها، وليس تقاسم السيادة. ويمكن لمجموعات من الدول الراغبة أن تمضي قدماً في مجالات الرقائق الإلكترونية، والكابلات البحرية، ومنظومات الضربات بعيدة المدى، أو العقوبات، حتى عندما يتردد الآخرون. فالنظام يتوسع بالتراكم التدريجي، وليس من خلال اتفاقات كبرى شاملة. كما ينبغي لحافة اليابسة ألا تبالغ في التعويل على كسب ما يسمى الجنوب العالمي. فخلال الحرب الباردة، اختارت معظم الدول التي نالت استقلالها حديثاً سياسة عدم الانحياز، ومع ذلك انتصر التحالف الغربي. وما زالت هذه الحقيقة الأساسية قائمة حتى اليوم. فالاقتصاد الأمريكي وحده يزيد حجمه بنحو 30 في المائة على مجموع اقتصادات إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا مجتمعة. كما أن دول تلك المناطق منقسمة سياسياً واقتصادياً. فكثير منها ينجذب إلى القروض والبنية التحتية التي توفرها الصين، لكنه يشعر في الوقت نفسه بالتهديد من فائض الطاقة الإنتاجية الصينية ومن ممارسات الإغراق التي تنتهجها. ومن المرجح أن تظل المناطق النامية ساحة لتحالفات متغيرة تتشكل وفق كل حالة على حدة، لا ائتلافاً موثوقاً لأي من واشنطن أو بكين. وبالنسبة إلى حافة اليابسة، فإن الدلالة واضحة. إذ ينبغي لها أن تتعامل مع دول هذه المناطق بمنطق المصلحة والفرصة، لا بمنطق الأيديولوجيا. فما يحتاجه التحالف من هذه الدول هو أمور محددة ومحدودة، تتمثل في الوصول الآمن إلى المعادن الحيوية، وتنويع مصادر الطاقة، والاستفادة من قوى عاملة مكملة. وستظل الشراكات معها ذات طابع مصلحي ومرن. فالهدف ليس تحويلها إلى حلفاء، بل تقديم بدائل اقتصادية موثوقة عندما تتوافق المصالح، وضمان ألا تتمكن الصين من الهيمنة على أسواقها أو احتكار مواردها بكلفة منخفضة. وسيتطلب كل ذلك قيادة أمريكية مستمرة، وهي القيادة التي أصبحت موضع تساؤل اليوم. ولا ينبغي لحافة اليابسة أن تبالغ في التعويل على كسب الجنوب العالمي. ولدى الولايات المتحدة أيضاً نزعاتها القارية الخاصة. فبوصفها أقوى دولة في العالم وأكثرها اكتفاءً ذاتياً، قد تميل إلى الانكفاء على إقليمها، مستخدمة هيمنتها على نصف الكرة الغربي ملاذاً في عالم مضطرب. أو قد تسعى إلى تحقيق مزايا أحادية من خلال إكراه حلفائها، بدلاً من العمل على توليد قوة جماعية أكبر. وكل من هذين التوجهين سيكون قاتلاً لتماسك حافة اليابسة. فالولايات المتحدة وحدها قادرة على أن تشكل الركيزة الأساسية للدفاع عن مناطق حافة اليابسة المهددة، مستندة إلى ثقلها الاقتصادي وتفوقها التكنولوجي اللذين يشكلان أساس نظام جماعي للصمود والضغط. والولايات المتحدة وحدها قادرة على توفير الضمان الذي يحتاج إليه الشركاء ليتمكنوا من الوقوف في وجه إكراه قلب اليابسة. والولايات المتحدة وحدها قادرة على أن تكون العقدة المركزية في شبكة الشراكات المرنة التي ستمكن حافة اليابسة من التفوق على خصومها في الابتكار والصمود. فإذا استخدمت واشنطن الضغط والإقناع لتحفيز العمل الجماعي، كما فعلت خلال الحرب الباردة، فإنها تستطيع تعزيز العلاقات الحيوية. أما إذا تخلت عن تلك العلاقات، أو استخدمتها لابتزاز حلفائها وانتزاع الجزية منهم، فإنها ستهدم الحواجز التي أعاقت عدوان قلب اليابسة طوال عقود.
إن قلب اليابسة يعرف ما يريد: عالماً مقسماً إلى مناطق نفوذ إقليمية، وتتحكم به نقاط اختناق صناعية تُبقي الآخرين في حالة اعتماد دائم. وبفضل تفوقها التكنولوجي وأسواقها الأكثر ثراءً، تمتلك حافة اليابسة الحجم والقدرة اللازمين لمنع تحقق هذا المستقبل. لكن هذه المزايا لا تعني شيئاً إذا لم تُنظَّم وتُحسن إدارتها. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت حافة اليابسة ستتصرف بوصفها مركز قوة متماسكاً، أم ستظل تجمعاً فضفاضاً وضعيفاً ومعرضاً للمخاطر. إن ميزان القوى الأساسي ما يزال يميل بصورة حاسمة لصالح حافة اليابسة. أما ما إذا كان النظام الدولي سيبقى كذلك، فسيتوقف على قدرة حافة اليابسة على تحويل القوة إلى استراتيجية. انتهى.

667 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع