تصفية الحسابات تحت غطاء الإصلاح - تفكيك منظومة الفساد الصوري في العراق

بسام شكري

تصفية الحسابات تحت غطاء الإصلاح - تفكيك منظومة الفساد الصوري في العراق

استحالت الدولة في العراق إلى ساحة مفتوحة لتقاسم الغنائم، وتحول الخطاب الديني إلى مجرد غطاء أخلاقي يستر عورات طبقة سياسية تقتات على نهب المال العام، في مشهد تتداخل فيه صراعات المافيات الحاكمة مع محاولات مستمرة لإعادة إنتاج المنظومة لنفسها تحت مسميات "الإصلاح ومكافحة الفساد". وفجأة، وبلا مقدمات، تصدّرت واجهة الأحداث قرارات صادرة عن رئيس الوزراء، علي الزيدي، تقضي بإلقاء القبض على مجموعة صغيرة من الشخوص بتهم الفساد، وهي مجموعة لا تمثل في القراءة الواقعية أكثر من 5% من الهيكل الجذري للفساد المتغلغل في مفاصل الدولة منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. ورغم أن البعض سارع لاستبشار الخير وراهن على إمكانية الخلاص من الهيمنة والنفوذ الإيراني، إلا أن حقائق الشواهد تثبت العكس تماماً؛ فعلي الزيدي ليس منقذاً، بل هو أحد الأعمدة البنيوية لمنظومة مافيات النفوذ الإيراني التي تنهب الأموال وتثبّت أركان الفساد بشتى أشكاله. ورغم عدم انتمائه المباشر لأحد الأحزاب الطائفية التقليدية، فإنه يتحرك في الفلك ذاته الذي تدار فيه أموال المحاصصة، فالرجل الذي بدأ مسيرته في قطاع التجارة البسيطة على أرصفة أسواق "علاوي جميلة" ببغداد لبيع البيض بالمفرد، سُمح له بالدخول إلى كواليس الفاسدين من قِبل تلك المافيات من البوابة الطائفية، ليحتكر لاحقاً ملفات توريد البطاقة التموينية لكل العراق بأسعار تضاعفت عشرات المرات عن قيمتها الحقيقية في السوق، ومن مفارقات المشهد العراقي، أن تصبح خزينة الدولة مَدينة له، وأن يتحول هذا الصعود المالي المفاجئ لعلي الزيدي إلى بوابات لتأسيس أكبر المصارف الخاصة، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف لهذا اللص أن يقوم بإنقاذ العراق من اللصوص؟ وتكتمل فصول هذه المسرحية السياسية بالمواقف المريبة التي اتخذتها القوى التقليدية، حيث سارع "حزب الدعوة" ونوري المالكي إلى إصدار بيانات تؤيد خطوات الزيدي وتبصم على ملاحقة "اللصوص"، وهي مفارقة مضحكة يصعب تسويقها على الشعب العراقي الذي يدرك حجم الدماء والجرائم والملفات التي ارتبطت بعهد المالكي، كما جاء تأييد هادي العامري ليرسخ القناعة بأن هذه الإجراءات ليست سوى تصفية حسابات داخلية، أو محاولة لتقديم أضاحٍ صغيرة للحفاظ على هيكل النظام الأساسي. ولئن أبهرت المليارات المسترجعة أو المتحفظ عليها قطاعاً من العراقيين السذج، فإن السؤال الحقيقي المعلق في الأذهان يبقى: إذا كانت هذه الأقلية المقبوض عليها قد نهبت كل هذه المليارات، فكم حجم الثروات المتبقية بيد الـ 95% من حيتان الفساد؟ وكم هي الأموال التي جرى غسلها وتهريبها إلى خارج البلاد؟
إن جوقة الصبيان السائرين على الخطط الأمريكية - الإيرانية، والجاهلين بتاريخ العراق والمنطقة، صدقوا أن هذه الأكذوبة ستنطلي على الجميع، لكن هذه الخدع القديمة لم تعد تنفد؛ فنوري المالكي الذي يدير خيوط المشهد نيابة عن إيران وأمريكا من وراء الستار، أمضى عقوداً في الجرائم بحق الشعب العراقي، وأي خطوة يباركها لا تصب إلا في مصلحته الفاسدة. اليوم.
لقد تطور الوعي المجتمعي تطوراً هائلاً، وبفضل أدوات التواصل الحديثة وتدفق البيانات والصور وسرعة انتقالها بين الناس، أصبح الفساد عارياً بكل تفاصيله وسجلاته، ويعرف العراقيون اليوم بدقة من ينهب، وأين تُغسل الأموال، وفي أي بنوك أو دول عربية وأجنبية تودع ثرواتهم المستباحة.
لقد سقطت ورقة الشحن الطائفي واستغلال المظلوميات التاريخية وحوادث الماضي لشق وحدة الصف الوطني، وحتى الشعائر والمظاهر المشوهة والمقرفة التي برزت في عاشوراء الأخير، بمباركة وصمت المرجعية الدينية في النجف، أصبحت تثير حفيظة ورفض العراقيين بمختلف أطيافهم، ولعل بيئة الرفض الحالية داخل المكون الشيعي نفسه لهذه السلوكيات هي الدليل الأكبر على وعي الشعب وزيف المتاجرين باسم الطائفة.
في المحصلة الحتمية، فإن الفساد لا يقضي عليه إلا شخص نظيف صاحب تاريخ خالٍ من الشبهات؛ والفساد في العراق منظومة بنيوية متكاملة ترعاها مصالح الاحتلال وأدواته، ولا يمكن لمنظومة فاسدة أن تصحح نفسها أو تنتج أدوات إصلاحها، وطالما بقي المشهد مجرد إعادة تدوير للوجوه وتبادل للأدوار بين المافيات، فإن ما يحدث ليس قانوناً، بل هو مجرد إدارة للفساد لا مكافحة له، وإن غداً لناظره قريب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

775 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع