ملخص
السؤال الأهم تمحور حول الكيفية التي تمكنت بها الولايات المتحدة من اختراق المنظومة الاستخباراتية الإيرانية إلى الحد الذي أتاح لها معرفة مواعيد هذه الاجتماعات وأماكن انعقادها، ورصد وجود هذا العدد من المسؤولين في تلك المنطقة.
يعيد احتمال استئناف الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران إلى مواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية التي برزت خلال الحربين الماضيتين، والمتمثلة في قدرة المهاجمين على الوصول إلى معلومات شديدة الحساسية داخل دوائر وبنية السلطة. وهي ثغرة أمنية يقرّ المسؤولون الإيرانيون أنفسهم بخطورتها، ويشيرون إليها بمصطلحي "الاختراق" و"الثغرة الأمنية".
وتحدث وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عقب حرب الـ38 يوماً، عن وجود ثغرة أمنية، مشيراً إلى الهجوم الذي استهدف في اليوم الأول من الحرب محيط مقر المرشد علي خامنئي والمجمع الأمني في شارع باستور. وفي معرض حديثه عن الإحاطة الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية بمواعيد اجتماعات كبار المسؤولين وأماكن انعقادها، قال: "هذا يدل على وجود ثغرة أمنية، ثغرة ربما لم تعالج بالكامل حتى الآن، وينبغي علاجها".
وكان عقد اجتماعات متزامنة، شارك فيها مسؤولون سياسيون وعسكريون وأمنيون رفيعو المستوى في منطقة قريبة من مقر المرشد، من أبرز الملفات التي خضعت للمراجعة عند تقييم أداء الأجهزة المكلفة بتأمين القيادات وحمايتها بعد الحرب. إلا أن السؤال الأهم تمحور حول الكيفية التي تمكنت بها الولايات المتحدة من اختراق المنظومة الاستخباراتية الإيرانية إلى الحد الذي أتاح لها معرفة مواعيد هذه الاجتماعات وأماكن انعقادها، ورصد وجود هذا العدد من المسؤولين في تلك المنطقة.
كذلك أدى استهداف مسؤولين كبار خلال الحربين إلى جعل هشاشة حلقات الحماية التابعة للنظام الإيراني واحدة من أبرز القضايا الأمنية التي تواجهه. والآن، مع تجدد المخاوف من احتمال اندلاع جولة أخرى من المواجهة، لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى نجحت أجهزة الاستخبارات الإيرانية، خلال الأشهر التي أعقبت حرب الـ38 يوماً، في كشف المسارات التي أتاحت الوصول إلى هذه المعلومات وإغلاقها.
وفي الوقت ذاته، وبينما تتواصل الإجراءات الأمنية والقضائية الواسعة ضد مواطنين بتهمة التعاون الاستخباراتي مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، إلى جانب إصدار أحكام بالإعدام وتنفيذها بتهم التجسس، لم ينشر على الملأ سوى قدر محدود للغاية من المعلومات بشأن نتائج التحقيقات في الاختراقات الاستخباراتية التي طالت أعلى مستويات السلطة.
ضربة في رأس المنظومة الأمنية
فقد النظام الإيراني خلال الحربين علي خامنئي، المرشد السابق، وعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وإسماعيل خطيب، وزير الاستخبارات، ومحمد كاظمي، رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري، إلى جانب عدد من كبار قادته العسكريين.
ولا تقتصر أهمية هذه الخسائر على المواقع السياسية والعسكرية التي كان يشغلها القتلى، إذ كان بعضهم على رأس مؤسسات مسؤولة عن الحماية ومكافحة التجسس والتصدي للعمليات الاستخباراتية الخارجية. وأثار استهداف هؤلاء المسؤولين، عبر هجمات دقيقة، تساؤلات بشأن مدى وصول المهاجمين إلى معلومات تتعلق بأماكن وجودهم وتحركاتهم.
وتشير التقارير المنشورة عن حرب الـ12 يوماً، نقلاً عن مصادر إسرائيلية، إلى إحاطة استخباراتية دقيقة بتفاصيل مثل أماكن إقامة بعض الأهداف وعاداتهم اليومية، وحتى مواقع غرف نومهم. كذلك أكدت هذه التقارير استخدام المصادر البشرية إلى جانب الأدوات التقنية والاستخباراتية.
وأعاد هجوم الـ28 من فبراير (شباط) 2026، طرح هذه القضية على مستوى أعلى. فقد كان المهاجمون على علم بوجود علي خامنئي وعدد من القادة والمسؤولين في محيط مقر المرشد ومنطقة باستور، وهي مسألة عدها عراقجي لاحقاً دليلاً على وجود ثغرة أمنية.
كذلك أثارت تصريحات عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، إسماعيل كوثري، بشأن إصرار علي شمخاني على عقد اجتماع للقادة في مقر المرشد، تساؤلات إضافية. وقال كوثري إن شمخاني طلب حضور القادة هذا الاجتماع. وأثارت هذه الرواية ردود فعل، لكن لم تنشر حتى الآن أدلة علنية قابلة للتحقق تربط عقد الاجتماع بطلب شمخاني بتسريب المعلومات المتعلقة به.
وكانت المخاوف من الاختراق الإسرائيلي داخل إيران قد طرحت قبل هذه الهجمات بأعوام. ففي يوليو (تموز) 2021، حذر وزير الاستخبارات في حكومة محمد خاتمي، علي يونسي، من أن اختراق "الموساد" قطاعات مختلفة في البلاد بلغ مستوى بات معه يتعين على مسؤولي النظام الإيراني القلق على حياتهم.
وعزا يونسي جزءاً من هذا الوضع إلى التنافس بين الأجهزة الاستخباراتية، وازدواجية عملها، وإهمال أجهزة الاستخبارات الأجنبية، والتركيز على التعامل مع القوى الداخلية.
وكان اغتيال محسن فخري زاده في ديسمبر (كانون الأول) 2020 قد وسع النقاش بشأن القدرات العملياتية الإسرائيلية داخل إيران. وكان فخري زاده يخضع لحماية أمنية، فيما كانت المعلومات المتعلقة بتحركاته محدودة، لكن المهاجمين تمكنوا من تحديد مسار تحركه وتنفيذ العملية.
وتضع هذه الوقائع مجتمعة أداء المؤسسات الاستخباراتية والأمنية التابعة للنظام الإيراني في صلب التساؤلات، وهي المؤسسات المعنية بالكشف عن التهديدات الخارجية، لكنها لم تتمكن خلال الحربين من حماية عدد من المسؤولين وأرفع قيادات النظام.
الضغط على المجتمع في ظل أزمة الاختراق
بالتزامن مع هذا الوضع، تصاعدت الإجراءات الأمنية ضد المواطنين. وأعلنت منظمة العفو الدولية في تقرير صدر في مايو (أيار) 2026 أن أكثر من 6 آلاف شخص اعتقلوا في إيران بعد بدء الهجمات. وكان من بين المعتقلين محتجون وصحافيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان وناشطون قوميون.
كذلك أفادت المنظمة بتعرض بعض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة، وازدياد إصدار الأحكام في القضايا الأمنية وقضايا التجسس. وتأتي هذه الإجراءات في وقت تكون المعلومات المتعلقة بالاجتماعات السرية وأماكن تمركز القادة وتحركات كبار المسؤولين محصورة عادة ضمن سلسلة محدودة من الصلاحيات الإدارية والعسكرية والأمنية. ومع ذلك، لم ينشر حتى الآن تقرير عام شامل عن نتائج التحقيقات في كيفية حصول الولايات المتحدة وإسرائيل على مثل هذه المعلومات.
وفي الأيام الأخيرة، أعادت تصريحات عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، علي آقا محمدي، طرح قضية نشاط شبكات عملياتية داخل إيران. وزعم في مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية أن مجموعات تلقت تدريبات في ألبانيا وإسرائيل دخلت إيران وتمركزت في الأحياء. ودعا آقا محمدي المواطنين إلى إبلاغ الأجهزة الأمنية عن التحركات المشبوهة.
لكن وكالة "تسنيم" التابعة للحرس الثوري نقلت عقب هذه التصريحات عن مصدر أمني نفيه دخول مجموعات مسلحة ومدربة إلى البلاد، ووصف تصريحات آقا محمدي بأنها "وجهة نظر شخصية". وأدت الروايتان المتعارضتان إلى زيادة الغموض بشأن تقييم مؤسسات النظام لحجم التهديد الداخلي.
وفي الوقت ذاته، لا يزال من غير الواضح عدد الاعتقالات التي ارتبطت مباشرة بشبكات استخباراتية، وعدد الحالات التي جاءت في إطار حملة أوسع ضد المعارضين والمنتقدين.
المصادر البشرية والتكنولوجيا وضعف إدارة الحماية
سلطت التقارير المتعلقة بالعمليات الإسرائيلية الضوء على دور المصادر البشرية إلى جانب التكنولوجيا. وتناولت تحقيقات يوسي ميلمان ودان رافيف، وهما كاتبان متخصصان في شؤون الاستخبارات والأمن، مسألة تجنيد الأفراد وتدريب العناصر وإنشاء شبكات دعم داخل إيران.
ويمكن لمثل هذه الشبكات أن تؤدي دوراً في نقل المعلومات وتحديد الأهداف ودعم العمليات. ومع ذلك، فإن الاستهداف الدقيق لمسؤول ما لا يثبت بمفرده أن المعلومات المتعلقة بمكان وجوده حصل عليها بالضرورة من خلال عنصر بشري. فالتنصت والاختراق السيبراني وصور الأقمار الاصطناعية وبيانات الاتصالات وتحليل أنماط التنقل تعد أيضاً من أدوات جمع المعلومات.
وعقب تفجيرات أجهزة "البيجر" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني، نشرت تقارير عن فرض قيود على استخدام أعضاء الحرس الثوري بعض معدات الاتصالات. ويمكن لهذه الإجراءات أن تقلل مخاطر التنصت أو التعقب الرقمي، لكنها لا تلغي مسارات جمع المعلومات الأخرى.
وفي الأيام الأخيرة، أعاد نشر صورة لغلام رضا جلالي، رئيس منظمة الدفاع المدني، وهو يرتدي ساعة ذكية، إثارة النقاش بشأن مدى التزام المسؤولين الذين يشغلون مناصب حساسة بالبروتوكولات الأمنية. ورد جلالي على الانتقادات بمقارنة ارتدائه الساعة الذكية باستخدام المواطنين الأجهزة الإلكترونية، محاولاً التقليل من أهمية الأمر.
وتبدو الإجراءات الأمنية واضحة أيضاً في أعلى مستويات السلطة. فمنذ اختيار مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً للنظام الإيراني، امتنع عن الظهور العلني، ولم تنشر له رسائل صوتية أو مصورة. وربط مسؤولون إيرانيون هذا الوضع بأسباب أمنية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال خلال الحرب الثانية إن الولايات المتحدة تعرف أماكن وجود المسؤولين الإيرانيين. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من هذا الادعاء بالنسبة إلى كل مسؤول على حده، لكنه جاء في وقت كان عدد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والاستخباراتيين الإيرانيين قد قتلوا في هجمات محددة الأهداف.
والآن، في ظل احتمال اندلاع مواجهة جديدة، لا يزال من غير الواضح ما النتائج التي توصلت إليها تحقيقات النظام الإيراني بشأن الإخفاقات الأمنية وفي إجراءات الحماية خلال الحربين. كذلك لم تنشر تفاصيل بشأن مصدر تسريب المعلومات، أو الأشخاص أو الشبكات المحتمل تورطها، أو التغييرات التي أدخلت على بروتوكولات الحماية.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

681 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع