
بقلم إبراهيم المحجوب
ذاكرة الأيام الجميلة حين كان الدينار يزن ذهباً
في بداية الثمانينات من القرن الماضي كانت الحياة تمضي بسلام وتوازن واهالي الموصل يتنقلون بين مدينتهم الحبيبة والعاصمة بغداد بسيارات الاجرة التي تتراوح اجرة النفر فيها بين ثلاثة الى خمسة دنانير بينما كانت اجرة استئجار السيارة بالكامل تتراوح بين خمسة عشر الى خمسة وعشرين دينارا عراقيا وفي ذلك الزمن الجميل حيث كانت القوة الشرائية للدينار في أوجها كان سعر المنزل المتكامل من طابقين في ارقى مناطق الموصل مثل المجموعة الثقافية والمهندسين يتراوح بين عشرة الاف الى خمسة وعشرين الف دينار فقط تعكس تلك الاسعار استقرارا اقتصاديا وعصرا ذهبيا تخلد في الذاكرة والوجدان.
لم تكن تلك الارقام مجرد احصاءات جافة او اسعار مدونة في سجلات المعاملات اليومية بل كانت تعبر عن فلسفة العيش ورغد الحياة التي عاشها الانسان العراقي في تلك الحقبة حيث كان الدينار الواحدة يمتلك قوة شرائية هائلة تجعل من الفرد قادرا على تأمين مستلزمات حياته بكل يسر وكرامة وكان السفر بين المحافظات عبر طريق بغداد الموصل البري رحلة ممتعة تعكس التلاحم الاجتماعي حيث يلتقي المسافرون في كراجات النقل محملين بالمودة والاطمئنان وتتسامر النفوس طوال الطريق في سيارات الصالون الحديثة دون ان تثقل كاهل المسافر اعباء مادية تذكر.
اما في تفاصيل العمران والبناء فقد كانت مدينة الموصل تنمو بهدوء وجمال حيث كانت الأحياء الحديثة كالمهندسين والمجموعة الثقافية والثقافة والسكر وحي النجار والرفاعي تمثل تحفا معمارية تزين ضفاف دجلة واليها تتطلع العوائل لبناء بيوت واسعة تتألف من طابقين وبمساحات تتجاوز المئات من الامتار المربعة وتضم حدائق غناء وكان مبلغ خمسة عشر الف دينار كفيلا بان يشيّد صرحا عائليا متكاملا يستوعب الاجيال ويعبر عن استقرار الاسرة العراقية وطموحها في بناء مستقبل مشرق.
اما في القرى والارياف وخاصة منطقة جنوب الموصل فقد كانت العقارات اغلبها مشيد من الطين وليس لها سعر يذكر وكانت كل الاراضي مجانية وكل قرية يسكنها ابناء عمومة فقط حيث يسود التكافل الاجتماعي وتتجلى أبهى صور الألفة والقرابة وكان بناء البيت الطيني يمثل المودة الجيرة والتعاون بين الأهل حيث يتكاتف الجميع لبنائه وتهييئه دون تكاليف تذكر سوى الجهد العائلي والروح الطيبة التي تجمع أبناء العمومة في مأواهم المشترك.
ان الاستحسان والدهشة اللذين يعتريان المرء اليوم عند المقارنة بين اسعار تلك الايام وما آلت اليه الامور ليس مجرد حنين عاطفي الى الماضي بل هو شهادة حية على حقبة استثنائية من تاريخ الموصل والعراق كانت فيها الحياة اكثر بساطة واكثر قيمة وكان الانسان فيها يقيس ثروته بمدى استقراره وراحة باله في ظل مجتمع متماسك وعصر

866 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع