
بقلم نذير آل حويز
مقياس الوعي: كيف نعرف مقدار وعينا حين تتعارض القيم مع مصالحنا؟
حين يهدأ العالم من حولك وتُغلق الأبواب، قد تسمع صوتًا يطرح سؤالاً صعب ينبعث من الأعماق ليس عن من انت و لا تسألك عن اسمك بل عمّا صارت إليه. هناك يبدأ السؤال: هل صنع العقل وعينا، أم أن الوعي هو الذي يمنح العقل وجهته؟
لا تكمن المسألة في معرفة أيهما يسبق الآخر، وانما في معرفة ما الذي يقودهما. فالعقل قادر على كشف الحقيقة، لكنه قادر أيضًا على تبرير الرغبات وحماية الأوهام. وكلما ازداد ذكاء الإنسان من دون أن يزداد صدقًا مع نفسه، أصبح أكثر مهارة في خدمة مصالحه، لا في فهمها أو تجاوزها.
نأتي إلى الحياة بلا أمتعة ، ثم نقضي أعوامًا في التعلم وكسب الخبرات وجمع الاموال والمكانة والممتلكات،ظانين قيمتنا تُقاس بما نملك. لكن بعض ما نجمعه قد يتحول إلى عبء يبعدنا عن ذواتنا. وحين تنتهي الرحلة، لا يبقى ما امتلكناه، بل ما تركناه في أنفسنا وفي حياة الآخرين.
فمن يرسم الطريق الذي نسلكه؟ أهو الموروث والبيئة، أم السوق الذي لا يبيع السلع فقط، بل يصنع الرغبات ويحدد صور النجاح؟ قد نظن أننا نختار بحرية، بينما تتشكل اختياراتنا تحت تأثير منظومة تقنعنا بما ينبغي أن نرغب فيه.
لذلك يستحق السؤال أن يُطرح بصرامة: هل أملك ما أريد، أم أن ما تعلّمت أن أريده هو الذي يملكني؟
لا تبدأ الغفلة حين نجهل الطريق، بل حين نتوقف عن مساءلته. قد نطمئن إلى فكرة لأنها مألوفة، أو نتمسك بتبعية لأنها تمنحنا الأمان، ونخشى الاعتراف بأننا قطعنا مسافة طويلة خلف أفكار لم نخترها بأنفسنا.
من هنا أقترح «الوعيميتر»: مقياسًا مجازيًا لنضج الوعي، لا يُقاس بكمية المعلومات أو حدة الذكاء، بل بقدرة الإنسان على تحويل القيم إلى مواقف، خصوصًا حين تتعارض مع مصلحته. وتستند وحداته إلى قيم مثل العدالة والحرية والكرامة والرحمة، لا إلى الشعارات التي ترفعها السلطات لتجميل ممارساتها.
فالوعي لا يُثبت بما نقوله عن أنفسنا، بل بما نفعله حين نملك القوة، أو حين يكون الظلم في صالحنا، أو حين يختلف معنا الآخر. لذلك يمكن اختبار الوعيميتر بأسئلة مباشرة:
هل أنصفت حين كان الظلم يخدمك؟
هل أصغيت إلى من خالفك دون أن تحوّل اختلافه إلى عداوة؟
هل قبلت تصحيح خطئك حين مسّ كبرياءك؟
هل احترمت كرامة من لا يشاركك رأيك؟
تظهر قيمة الوعي حين تطلب الفضيلة منا مراجعة رغباتنا. ومن يرفع راية العدالة لجماعته ثم ينكرها على خصومه، لم يبلغ الوعي، بل أتقن استخدامه شعارًا.
أيها الغريب، لست وحدك على الطريق. لا تبحث عمّن يختار عنك، بل عمّن يساعدك على استعادة قدرتك على الرؤية. افحص ما ورثته، وراقب ما يصنع رغباتك، وتحمل مسؤولية اختيارك وأثره في حياة سواك.
لا تسأل فقط: كم قطعت من الطريق؟ اسأل: ماذا فعل الطريق بك؟ ففي الفجوة بين ما تؤمن به وما تمارسه، يظهر مقدار وعيك، ويبدأ مقياس الوعي عمله الحقيقي

466 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع