وزارة البيئة … من يحمي البيئة من الإهمال؟

بدري نوئيل يوسف

وزارة البيئة … من يحمي البيئة من الإهمال؟

أهلًا بكم في بلاد العجائب، حيث لكل مشكلة وزارة، ولكل وزارة وزير، ولكل وزير تصريحات، أما المشكلة نفسها فلها عمر طويل، وقد تتمتع أحيانًا باستقرار وظيفي لا يحلم به موظف حكومي!

اليوم سنتحدث عن وزارة البيئة في بلاد العجائب، تلك الوزارة التي يُفترض أن تكون حارسة الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والأرض التي نعيش عليها. وزارة يفترض أن تضع صحة الإنسان وسلامة الطبيعة في مقدمة أولوياتها، وأن تراقب التلوث، وتحاسب المتسببين به، وتدافع عن حق المواطن في بيئة نظيفة.
لكن، يا سادة، نحن في بلاد العجائب، حيث لا يكفي أن نسأل: ماذا تفعل الوزارة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ما الذي ننتظره منها؟ وما النتائج التي ينبغي أن يلمسها المواطن؟
وزارة تحمي البيئة… أم تكتفي بمراقبة أخبارها؟
في بلاد العجائب، يستطيع المواطن أن يفتح نافذته صباحًا، فيجد الهواء حاضرًا، لكن جودته ليست مضمونة! وقد يخرج إلى الشارع فيرى النفايات، أو يمر بمنطقة تعاني من روائح التلوث، ثم يعود إلى بيته وهو يتساءل: هل هناك جهة تتابع هذه المشكلات؟ ومن المسؤول عن معالجتها؟
ولأننا شعب يحب المفاجآت، فإننا لا نعرف دائمًا هل نستنشق هواءً نقيًا أم نشارك المصانع ومولدات الكهرباء في وجبة يومية من الانبعاثات!
ولكي نكون منصفين، فإن مشكلات البيئة لا تقع كلها ضمن مسؤولية وزارة واحدة؛ فهناك جهات مسؤولة عن البلديات، والصناعة، والنفط، والمياه، والصحة، والطاقة. لكن هنا بالضبط تظهر أهمية وزارة البيئة: أن تراقب، وتنسق، وتضع المعايير، وتكشف المخالفات، وتطالب الجهات المعنية بالحلول.
فإذا تداخلت المسؤوليات، ينبغي ألا تضيع المسؤولية، وإذا تعددت الجهات، فلا يجوز أن يضيع المواطن بينها.
الوزير والاختصاص… حكاية من بلاد العجائب
وهنا نصل إلى سؤال يتجاوز وزارة البيئة إلى طريقة إدارة الدولة عمومًا.
أليست البيئة مجالًا علميًا معقدًا، تتداخل فيه علوم التلوث والكيمياء والأحياء والصحة العامة والهندسة وإدارة الموارد الطبيعية؟
ألا تحتاج إدارة هذا الملف إلى فهم علمي، وفريق من الخبراء، وخطط تستند إلى البيانات والقياسات، وقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة؟
لسنا نقول إن الوزير يجب أن يكون عالمًا متخصصًا في كل فرع من فروع البيئة؛ فإدارة الوزارة تحتاج أيضًا إلى قيادة إدارية وسياسية. لكن من حق المواطن أن يسأل: هل يمتلك المسؤول الكفاءة اللازمة لإدارة هذا الملف؟ وهل يستعين بأصحاب الاختصاص؟ وهل تُبنى القرارات على العلم أم على الحسابات الأخرى؟
فالوزارة ليست مكافأة توزَّع، ولا كرسيًا ينتظر صاحبه، ولا منصبًا يُمنح لإرضاء طرف سياسي. إنها مسؤولية عن حياة ملايين البشر.
وإذا كانت البيئة لا تعترف بالمحاصصة، ولا تؤجل التلوث احترامًا للتوازنات السياسية، فلماذا لا تكون الكفاءة هي المعيار الأول في اختيار من يديرها؟
البيئة لا تقرأ البيانات الصحفية!
المشكلة أن البيئة لا تفهم لغة التصريحات، ولا تتأثر بعدد المؤتمرات، ولا تتوقف عن التلوث لأن مسؤولًا أعلن عن خطة جديدة.
الهواء يحتاج إلى قياسات تكشف مستوى التلوث ومصادره، والمياه تحتاج إلى فحوص مستمرة، والنفايات تحتاج إلى إدارة سليمة، والمصانع تحتاج إلى رقابة حقيقية، والمواطن يحتاج إلى معلومات واضحة يعرف من خلالها ما الذي يجري حوله.
أما إذا تحولت حماية البيئة إلى مجرد عناوين جميلة، فستبقى المشكلات في مكانها، مهما تغيرت صياغة البيانات.
إن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بانخفاض مستويات التلوث، وتحسن نوعية المياه والهواء، ومعالجة النفايات بطريقة آمنة، وحماية المناطق الطبيعية، ومحاسبة الجهات التي تخالف المعايير البيئية.
نريد أرقامًا قابلة للتحقق، وتقارير متاحة للجمهور، وخططًا معلنة، ومواعيد تنفيذ واضحة نريد أن يعرف المواطن ماذا تحقق، وماذا لم يتحقق، ولماذا.
فمن حقه أن يسأل، لأن البيئة ليست ملكًا لوزارة، بل حق مشترك لجميع مواطنين بلاد العجائب.
آلاف الخبراء في الخارج… وماذا عن الوطن؟
وهنا تبرز مفارقة أخرى تستحق التفكير.
بلاد العجائب الذي خرّج أطباء ومهندسين وعلماء وخبراء يعمل كثير منهم في مؤسسات متقدمة خارج البلاد، لا ينبغي أن يتعامل مع الخبرة العلمية وكأنها سلعة نادرة لا يمكن الوصول إليها.
لدينا كوادر يعملون في مجالات الهندسة البيئية، وإدارة المياه، ومعالجة النفايات، والطاقة، والتخطيط الحضري، والبحث العلمي. فلماذا لا تُفتح أمام خبرات بلاد العجاب في الداخل والخارج أبواب المشاركة في وضع الحلول؟
لماذا لا تُنظم لجان علمية مستقلة، وتُستقطب الكفاءات بحسب تخصصاتها، وتُمنح الجامعات ومراكز البحوث دورًا حقيقيًا في صياغة السياسات البيئية؟
ليس المطلوب أن نستورد مسؤولًا من الخارج، بل أن نستفيد من المعرفة أينما وُجدت، وأن نضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
فالعقول في بلاد العجائب التي تنجح في الخارج ليست أقل قدرة على خدمة وطنها، لكنها تحتاج إلى بيئة مؤسسية تمنحها الفرصة وتحاسبها على النتائج.
من يحاسب من؟
في الدولة التي تحترم مواطنيها، لا يكفي أن يُسأل المسؤول عما فعله، بل ينبغي أيضًا أن يُسأل عما لم يفعله.
ما مستوى تلوث الهواء في مدن بلاد العجائب؟ ما أبرز مصادره؟ ما الإجراءات التي اتُخذت للحد منه؟ ما
وضع المياه والتربة في المناطق المتضررة؟ كم موقعًا ملوثًا جرى التعامل معه؟ وما النتائج التي تحققت فعلًا؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة مواطنة.
وإذا كانت بعض المشكلات تتجاوز صلاحيات الوزارة، فمن واجبها أن توضح ذلك، وأن تعلن الجهات المسؤولة، وأن تدفع باتجاه التنسيق والحلول، بدل أن يبقى المواطن حائرًا بين المؤسسات.
فالوزارة القوية ليست التي تدّعي أنها تستطيع حل كل شيء وحدها، بل التي تعرف مسؤوليتها، وتمارس صلاحياتها، وتكشف العقبات، وتطالب بحلول قابلة للتنفيذ.
خاتمة: البيئة لا تنتظر تشكيل حكومة جديدة!
يا سادة بلاد العجائب، إن التلوث لا ينتظر الاتفاق على توزيع المناصب، والنفايات لا تحترم المواعيد السياسية، والأنهار لا تقرأ برامج الانتخابات، والهواء لا يعرف اسم الوزير الذي يشغل المنصب!
البيئة تحتاج إلى عمل يومي، ومؤسسات قوية، وخبراء حقيقيين، ورقابة شفافة، وقرارات لا تتراجع أمام المصالح الخاصة.
نحن لا نريد وزارة للبيئة تحمل اسمًا جميلًا على واجهة بناية؛ نريد وزارة تجعل المواطن يشعر بأن الهواء الذي يتنفسه نظيف، والماء الذي يشربه يستحق الحماية، والأرض التي يعيش عليها ليست مكبًا مفتوحًا للمخلفات.
ففي بلاد العجائب، قد يتغير الوزير وتبقى المشكلة، وتتغير الشعارات ويبقى التلوث. أما العجيبة الكبرى فهي أن نمتلك العقول والثروات، ثم نتصرف وكأن حماية بيئتنا مهمة مستحيلة!
ولذلك، يبقى السؤال الذي نضعه أمام المسؤولين:
إذا كانت وزارة البيئة لا تستطيع حماية البيئة، فمن يحمي المواطن؟ وإذا كان المواطن لا يستطيع معرفة حقيقة ما يجري، فمن يحاسِب المسؤول؟
تلك ليست أسئلة للسخرية وحدها، بل أسئلة تستحق إجابات واضحة، لأن بلاد العجائب ليس مجرد أرض نعيش عليها؛ إنه وطن نريد أن يبقى صالحًا للحياة.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

867 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع