ياسين الهاشمي: «بسمارك العرب» وباني الاستقلال المالي للعراق

بقلم: محمد صالح البدراني

ياسين الهاشمي: «بسمارك العرب» وباني الاستقلال المالي للعراق

يظل تاريخ العراق الحديث زاخرًا بشخصيات تركت بصمات عميقة في مسار بناء الدولة ومؤسساتها السيادية، وروعة القادة العظام أولئك الذين اضطر المحتل جلبهم لبناء الدولة، فبنوها ولكن لم يكونوا عملاء وإنما تعاملوا مع واقع الحال من اجل بناء دولة مازال العراق قائما على بقاياها، وفي مقدمة هؤلاء الرجال يبرز اسم القائد العسكري والسياسي المخضرم ياسين الهاشمي (1882 - 1937)، لقب الهاشمي عن جدارة بلقب «بسمارك العرب»، تشبيهًا له بالمستشار الألماني الشهير؛ نظرًا لحزمه الصارم، ونزعته المركزية في إدارة الحكم، وإيمانه المطلق بهيبة الدولة الناشئة، يستعرض هذا المقال المحطات الأبرز في مسيرة هذا الرجل، من العمل القومي السري وصولاً إلى قمة السلطة التنفيذية، مع التركيز على معركته الكبرى لتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
ملحمة تلعفر: من السرية إلى لميدان
ارتبط اسم الهاشمي بالعمل القومي السري عبر قيادته لـ «جمعية العهد» التي تأسست عام 1913، ولم يكن جهده العسكري معزولاً عن نبض الشارع؛ إذ تكشف الوثائق التاريخية عن دور محوري للجمعية في التخطيط لثورة تلعفر (يونيو 1920)، التي مثلت الشرارة المسلحة الأولى والمنظمة ضد الاحتلال البريطاني.
ولأمانة التاريخ، لم يقد الهاشمي هذه الملحمة ميدانيًا على الأرض؛ إذ كان متواجدًا في الشام مكبلًا بالقيود السياسية، بل كان الداعم الكبير لها، وما أعاقه عنها إلا مؤامرات الإنكليز ضده، قام بإرسال رجاله الضباط الأكفاء ضمن مخطط شامل -وعلى رأسهم القائد الميداني الفعلي لثورة تلعفر جميل المدفعي-ومدهم بالمال والسلاح والذخيرة من دير الزور، انساب هؤلاء الضباط بتوجيه من الهاشمي ليتلاحموا مع عشائر تلعفر وأهالي الموصل، ورغم اعتقاله من الإنكليز وقلة الدعم بعده التي حصلت نتيجة التحفز لمعركة ميسلون فقد اقتحم الثوار الثكنات البريطانية في معركة بطولية قُتل فيها الحاكم العسكري «الميجر بارلو»، هذه الملحمة المنظمة صدمت التاج البريطاني وأثبتت أن في العراق عقولاً عسكرية تدير الثورة باحترافية، وكانت ضمن ثورة العشرين الكبرى وتأسيس الدولة الملكية.
إصدار الدينار العراقي: الإطاحة بالروبية وإطفاء الديون
إذا كان الهاشمي قد خطط بالبندقية في تلعفر، فقد خاض معركته الأشرس بالقلم والعقل داخل أروقة وزارة المالية [معاهدة لوزان 1923 الديون العثمانية]. فعقب معاهدة لوزان عام 1923، فُرضت على العراق حصة باهظة من "الدين العثماني العام"، وهي تركة مالية كبلت موازنة الدولة الناشئة [معاهدة لوزان 1923 الديون العثمانية]، وفي الوقت نفسه، فرض الاحتلال "الروبية الهندية" عملة رسمية لربط اقتصاد بغداد بـ "بومباي" ولندن استعماريًا.
وهنا تجلت عبقرية «بسمارك العرب»؛ حيث قاد الهاشمي مناورة مالية وقانونية معقدة، فبدلًا من تسديد الديون نقدًا بالقيمة الاسمية المرتفعة، التفت إلى أن سندات الدين العثماني تُباع في البورصات العالمية بأسعار هابطة جدًا لضعف الثقة بها. أوعز الهاشمي سريًا في عام 1927 باستغلال الفائض المالي المتراكم من سياسته التقشفية لشراء هذه السندات الورقية بأسعار بخسة من أسواق باريس ولندن المفتوحة، ثم قدمها رسميًا لمجلس الديون كإبراء ذمة عيني، مما أطفأ أضخم أقسام الدين بكسر صغير من الكلفة الفعلية، ليعلن العراق خلاصه المالي التام بحلول عام 1933 [معاهدة لوزان 1923 الديون العثمانية]. وبالتزامن مع هذا النصر، خاض الهاشمي جولات تفاوضية مريرة ضد الهيمنة المصرفية البريطانية، أسفرت عن تشكيل لجنة العملة العراقية وإصدار الدينار العراقي رسمياً ليحل محل الروبية، ويكون غطاؤه مستقلاً ويحمل ملامح السيادة الوطنية.
الخط الزمني والمناصب الرسمية (1913 – 1936)
العام / التاريخ بدقة المنصب الرسمي / الواقعة التاريخية المكان دور الهاشمي والحدث المعزز
تشرين الأول 1913 رئيس أركان الفيلق 12 العثماني الموصل قدم إلى الموصل وعزز وجوده بتأسيس فرع جمعية العهد السرية.

1915 - 1918 قائد الفيلق العثماني المجهد (تيس) جبهة غاليشيا / سوريا نال رتبة "باشا" لقيادته العسكرية الشرسة في الحرب العالمية الأولى.
تشرين الأول 1918 رئيس الحاشية العسكرية والمستشار العسكري دمشق انضم للحكومة العربية الناشئة فور دخول الأمير فيصل لدمشق.
آذار 1919 رئيس أركان حرب الجيش العربي السوري دمشق تولى إعادة تنظيم الجيش والدفاع، والإشراف على متطوعي دير الزور.
22 تشرين الثاني 1919 الاعتقال القسري والإبعاد دمشق / فلسطين اعتقلته بريطانيا بطلب فرنسي لرفضه الانتداب ونُقل لـ (حيفا ثم رفح).
أيار 1920 رئيس ديوان الشورى الحربي دمشق عاد لدمشق بعد الإفراج عنه، وجُرّد ميدانياً بضغط فرنسي قبيل ميسلون.
آب 1920 العودة الاضطرارية للاختباء بغداد / الموصل عاد للعراق متخفياً بعد سقوط دمشق للاطلاع على نتائج ثورة العشرين.
أيلول 1921 متصرف (محافظ) لواء المنتفق الناصرية عينه الملك فيصل الأول في هذا المنصب العشائري الحساس لتهدئة الفرات.
حزيران 1922 مدير عام رسوم الأملاك (المكوس) بغداد منصب إداري مالي في بداية تشكيل أجهزة الدولة الملكية العراقية.
تشرين الثاني 1923 وزير المواصلات والأشغال بغداد أول منصب وزاري له في حكومة جعفر العسكري الأولى.
2 آب 1924 رئيس مجلس الوزراء (الحكومة الأولى) بغداد تولى رئاسة الوزارة وجمع معها وزارتي الخارجية والدفاع.
تشرين الثاني 1926 وزير المالية بغداد تولى الحقيبة المالية في وزارة جعفر العسكري الثانية لإعادة تنظيم الميزانية.
نيسان 1928 وزير المالية (للمرة الثانية) بغداد شغل المنصب في حكومة عبد المحسن السعدون الثالثة.
أيار 1933 وزير الإيرادات والمالية بغداد تولى المنصب في حكومة رشيد عالي الكيلاني الأولى.
17 آذار 1935 رئيس مجلس الوزراء (الحكومة الثانية) بغداد شكل حكومته الأقوى التي شهدت طفرة عمرانية وعسكرية (الدفاع الإلزامي).
أواخر تشرين الأول 1936 الاستقالة والإبعاد القسري بغداد / تركيا أُطيح بحكومته إثر انقلاب بكر صدقي العسكري، ونُفي إلى سوريا حيث توفي عام 1937.

في سدة الرئاسة: الدفاع الوطني والصدام مع العشائر
تولى الهاشمي رئاسة الوزراء مرتين، وتُعد وزارته الثانية (1935 - 1936) الأقوى في العهد الملكي، حيث عُرفت بوزارة "الكتلة الوطنية"، تميزت هذه الفترة بطفرة عمرانية ومشاريع ري كبرى كافتتاح سدة الكوت والمصرفين الزراعي والصناعي، ومع ذلك، اصطدمت نزعته المركزية بالبنية العشائرية في الفرات الأوسط عام 1935؛ حيث واجه التمردات القبلية الرافضة لقانون التجنيد الإلزامي (الدفاع الوطني) بقوة عسكرية لإيمانه بأن بناء جيش وطني قوي يتجاوز الولاءات الضيقة هو الضمانة الوحيدة للاستقلال.
قراءة نقدية ونهاية دراماتيكية
تتأرجح القراءات التاريخية لشخصية الهاشمي بين رأيين؛ الأول -بقيادة المؤرخ عبد الرزاق الحسني وشقيقه طه الهاشمي-المؤسس الحقيقي للاستقلال الاقتصادي وباني مؤسسات الدولة ومقاوم النفوذ البريطاني. وتنتقده الرأي الثاني -الدكتور سامي القيسي-لميله نحو الانفراد بالسلطة والتشدد الإداري.
أُجبر "بسمارك العرب" على الاستقالة وغادر إلى المنفى في بيروت، حيث توفي 21 يناير 1937، تاركًا وراءه دولة مستقلة ماليًا، وميراثًا سياسيًا وإداريًا لا يزال يثير الإعجاب حتى يومنا هذا، الهاشمي لا يكفيه مقال كهذا فهو شخصية نادرة في الفعل والفاعلية، لذلك يناقش الكاتب هذه الشخصية وزملائه الضباط الذين لم يكونوا عملاء وإنما أناس تكيفوا ليبنوا العراق الذي مازال يحتمي ببقايا ذلك البناء.

 

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1199 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع