
عالم يبدو للوهلة الأولى عبثيًا
العرب/علي ابراهيم الدليمي:تستكشف تجربة الفنان العراقي الشاب مهدي العياش في معرضه «دعوة» عوالم بصرية تمزج السخرية بالفنتازيا وتعيد قراءة تفاصيل الحياة البغدادية عبر أجساد ضخمة وشخصيات تجمع بين الموروث المحلي ومظاهر الاستهلاك المعاصر. ومن خلال مشاهد يومية ومفارقات رمزية، يفتح العياش أسئلة الهوية والهجرة والصراع والجفاف، محوّلًا العبث إلى مرآة نقدية للواقع.
في تجربة الفنان العراقي الشاب مهدي العياش، المولود في بغداد عام 1999، والحاصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة عام 2019 وبكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة بغداد عام 2023، تتكشف عوالم بصرية تنبض بروح سريالية محلية وفنتازيا ساخرة، لا تكتفي بتعرية الواقع المعاش، بل تدفعنا إلى تأمله بعمق وإعادة مساءلته من زوايا غير مألوفة.
في قاعة سلام عمر للفنون، يقدم العياش معرضه الشخصي «دعوة»، مستكشفًا عالمًا يبدو للوهلة الأولى عبثيًا ومزدحمًا ومبالغًا فيه، لكنه يلامس، في جوهره، الحقيقة بصدق يتجاوز ما ألفناه من مشاهد الطبيعة الصامتة والآفاق المعتادة في صالات العرض.
تفكيك الصورة النمطية
أول ما يشد العين في أعمال العياش بطله المتكرر؛ ذلك الجسد المكتنز، المترهل والضخم، الذي يحتل مساحة مهيمنة من اللوحة، ويكاد ينفجر من إطارها. وليس هذا الجسد مجرد عنصر شكلي أو استعراض لمهارة تشريحية، بل مجاز واسع يحمل ثقل الوجود اليومي وتعقيداته، ويختزن ذاكرة الشارع البغدادي وضغط الموروث وشهية الاستهلاك وأعباء الهوية.
هذه الشخصية الضخمة، بملامحها الشرقية وشواربها الكثيفة وعقالها وشماغها، هي البطل الشعبي الجديد الذي اختاره العياش ليكون مرآة مكبرة لواقع محلي حافل بالتناقضات. وهو يرسم، من خلالها، ما يدور خلف الكواليس، مستنطقًا تفاصيل العبث اليومي بسخرية لا تخلو من تعاطف إنساني عذب.
وتتجلى هذه السريالية المحلية بأوضح صورها في لوحة يمكن تسميتها «بورتريه الهوية والشارع». نرى فيها شخصية بغدادية ذكورية ذات بنية جسدية مفرطة الضخامة، ترتدي قميصًا رياضيًا أخضر للمنتخب العراقي يحمل الرقم 10 وعلم العراق، فيما يعلو رأسها الشماغ والعقال العربي التقليدي. وفي الخلفية، يظهر شريط من العلامات المرورية الإرشادية المكتوبة بالعربية والإنجليزية، وتشير إلى منطقتي ساحة الواثق والكرادة في بغداد.
يمارس الفنان هنا تقنية المجاورة الساخرة ببراعة، جامعًا بين ثنائيات رمزية متضادة: الزي التراثي الأصيل في مقابل الملابس الرياضية العصرية التي تحمل شغفًا كرويًا جماعيًا، والملامح المحلية المألوفة في مقابل لافتات التوجيه المروري التي تربط الشخصية بنبض الشارع العراقي.
ولا تعكس الملامح المبتسمة والرقبة المزدوجة سخرية قاسية، بقدر ما توحي باستجابة نفسية متسامحة إزاء الواقع البغدادي اليومي؛ إذ يتحول الجسد إلى مساحة تحتضن ثقل الذاكرة المكانية وضغوط الحياة في أزقة الكرادة وميادينها.
وتمتد هذه المعالجة إلى فضاء داخلي حميم في لوحة ثانية، تتمحور حول العزف والمحاكاة الفنية. تجلس شخصيتان مكتنزتان متجاورتان في غرفة منزلية؛ تعزف إحداهما على العود والأخرى على الناي. وترتديان ملابس رياضية قصيرة منقطة، مع الشماغ والعقال والأحذية الرياضية الحديثة، فيما يظهر أمامهما حامل للنوتة الموسيقية، وتزين الجدران خلفهما لوحات فنية بأساليب تستحضر بيكاسو والتعبيرية الحديثة.
يستحضر العياش هنا مفهوم التناص البصري، فيدمج الموسيقى الشرقية التراثية بالمفردات الاستهلاكية الحديثة، ويجعل لوحات الفن الحديث خلفية شاهدة على المشهد. كما يفكك الصورة النمطية للشخصية التراثية، محولًا فعل العزف الرزين إلى طقس عبثي جميل تتجاور فيه الوقار التقليدي وخفة الهيئة الساخرة. ومن هذا التناقض، يطرح أسئلة عن موقع الثقافة الشرقية في عصر العولمة البصرية، وعن ارتداء العلامات التجارية العالمية أثناء ممارسة أكثر الطقوس أصالة.
أما لوحة «حلبة المواجهة»، فتبدو الأكثر التباسًا من الناحية السياسية والرمزية. نحن أمام حلبة ملاكمة، يرفع فيها ملاكم ضخم، يرتدي الشماغ وسروالًا قصيرًا وقفازات حمراء، يده معلنًا النصر على خصم مطروح أرضًا. وفي خلفية المشهد، تظهر لافتة مرورية حمراء تحمل كلمة «STOP»، وقبة الصخرة الذهبية في القدس وسط معالم طبيعية مشجرة.
لا تبدو الحلبة هنا مجرد فضاء رياضي، بل مجازًا للصراع الإقليمي والقومي. فالملاكم المكتنز يجسد البطل العربي التقليدي الذي يحقق نصرًا استعراضيًا، بينما توحي إشارة التوقف والمعالم المقدسة بالتعطيل والمواجهة المستمرة. وتسلط اللوحة الضوء على التناقض بين الخطاب الحماسي ومشهد النصر الجسدي العبثي، في ظل أزمات كبرى تظل في خلفية الصورة: نصر بلا أفق، واحتفال فوق حلبة ضيقة، فيما تبدو القدس بعيدة.
مرآة مكبرة للواقع
في لوحة «اغتراب أمتعة السفر»، يتناول العياش الهجرة والترحال والهوية الهجينة بمعالجة ساخرة. يقف رجل وامرأة مكتنزان جنبًا إلى جنب أمام رصيف أصفر وأسود. يرتدي الرجل قميص كرة سلة كُتبت عليه كلمة IRAQ والرقم 5، ويضع شماغًا على رأسه، فيما ترتدي المرأة عباءة خضراء منقطة وحجابًا. ويحمل كل منهما حقيبة سفر فاخرة تحمل شعار علامة تجارية عالمية.
ترمز الحقائب إلى هوس الاستهلاك والتطلع إلى الرحيل أو العودة، بينما توحي الأجساد الممتلئة والأزياء المحلية بالتجذر في البيئة الأم. وتنشأ من هذا التناقض مفارقة بصرية بين الثقافة الشعبية المحلية وشعارات الفخامة الغربية، تعكس اغتراب المواطن العراقي النفسي والمادي في مواجهة أمتعة السفر المتكررة، بين رغبة في الرحيل وثقل يشده إلى مكانه.
ويواصل الفنان نقده للسلوك البرجوازي الدخيل في لوحة «لعبة الغولف»، حيث تظهر شخصية ممتلئة ترتدي الزي التقليدي، بالغترة والعقال، إلى جانب قميص أزرق وبنطال فاتح. تنحني الشخصية بتركيز شديد لممارسة الغولف فوق العشب الأخضر، داخل فضاء يبدو أشبه بزاوية مغلقة، مستعينة بعصا لضرب الكرات، فيما تظهر راية حمراء في المشهد.
ارتبطت الغولف تاريخيًا بالطبقات الميسورة والمساحات المفتوحة الشاسعة، لكن وضع الشخصية بملابسها التقليدية في زاوية ضيقة يخلق انزياحًا دلاليًا ساخرًا، يكشف محاولة التكيف مع أنماط حداثية قد لا تنسجم مع البيئة الأصلية. ويمنح هذا التناقض المشهد طابعًا فنتازيًا سورياليًا، يعرّي التحولات الاجتماعية عبر عبث مقصود.
ثم تأتي لوحة «الصراع الكروي في الحيز الداخلي» لتكمل هذه الكوميديا السوداء. يتنافس لاعبان مكتنزان بشراسة على كرة قدم داخل فضاء يشبه المطبخ أو الغرفة المنزلية، تظهر في خلفيته مغسلة وسياج خشبي صغير. ويرتدي اللاعبان زيين رياضيين منقطين وحذاءين مختلفين، فيما يضع كل منهما شماغًا على رأسه.
إن نقل الحركة الرياضية العنيفة من الملعب المفتوح إلى فضاء منزلي ضيق، بالقرب من المغسلة والأثاث، يحول المشهد إلى صورة من العبث اليومي. كما توحي الصدمة الجسدية بين الشخصيتين بصراعات ضيقة تخاض في المساحات الخاصة والعائلية، فيما تبرز الخطوط الحركية والكتل الجسدية الضخمة تصادمًا لا يفضي إلى نتيجة.
وتبلغ التجربة ذروتها العاطفية والرمزية في اللوحة السابعة، التي يمكن تسميتها «حطام الجفاف والرحلة الغائبة»، وهي من أكثر أعمال المجموعة عمقًا وتأثيرًا. يظهر رجل وامرأة متعانقان في دفء، يجلسان فوق قارب خشبي مقلوب على أرض متشققة من الجفاف، تنتشر فيها نباتات الصبار. وتحلق حولهما حمامات بيضاء، فيما يحمل الرجل لافتة تحذيرية مرورية تصور سيارة تسقط في الماء، وتحمل المرأة مجدافًا خشبيًا، بينما تستقر كرة قدم على الأرض الجافة.
تتناول اللوحة أزمة الجفاف والتغير البيئي وتبدد الأمل في النجاة عبر الماء. فالقارب المقلوب والمجداف في بيئة صحراوية متشققة يجسدان عبثية وسيلة النجاة، بينما تستحضر إشارة السقوط في الماء مفارقة غياب الماء نفسه. غير أن الحمامات البيضاء والعناق الإنساني يمنحان المشهد بعدًا يتجاوز السخرية إلى الأمل والتعاطف في مواجهة الكوارث البيئية والوجودية، وكأن الفنان يقول إن الحب والعناق هما القارب الوحيد المتبقي فوق أرض متشققة.
ومن خلال استخدام الألوان الزيتية على القماش، وبأحجام متفاوتة تصل في بعضها إلى مساحات جدارية ضخمة، ينجح مهدي العياش، المستند إلى دراسة أكاديمية ومشاركات في مهرجان الواسطي ومعارض نقابة الفنانين وجمعية التشكيليين، في صياغة لغة بصرية خاصة، متأثرة ببيئتها ومحملة بدلالاتها.
إنه لا يرسم الواقع كما يبدو على سطحه، بل يستكشف ما وراء كواليسه، محولًا الجسد الممتلئ إلى حامل لأسئلة المجتمع وتناقضاته. وهكذا تغدو لوحاته دعوة حقيقية، كما يوحي عنوان معرضه، إلى إعادة قراءة الحياة من زوايا غير مألوفة ومباغتة؛ دعوة إلى الضحك والبكاء في آن واحد أمام مرآة مكبرة للواقع.

555 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع