
لا يعني نشر قوات إضافية في السعودية لا يعني بالضرورة أن باكستان قررت الانخراط في الحرب اليمنية
العرب/إسلام آباد- تكشف موافقة باكستان على تسريع نشر قوات إضافية في السعودية، في إطار اتفاق الدفاع المشترك مع الرياض وأنقرة، عن تحول يتجاوز حسابات الأمن الإقليمي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة الباكستانية نفسها. فبعد 11 عاماً من تصويت البرلمان على إبقاء البلاد خارج التدخل العسكري الذي قادته السعودية في اليمن، باتت المؤسسة العسكرية تمسك بدور حاسم في قرار جديد ذي تداعيات إقليمية، من دون تصويت برلماني مماثل.
وجاء التحرك مع تفعيل اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقعته السعودية وباكستان وتركيا في أغسطس الماضي، وسط تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية. وفي اجتماع طارئ عقد في الرياض في الخامس من أكتوبر، أعلنت الدول الثلاث التزامها توفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وتسريع نشرها في المملكة، وفق الترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية لكل دولة.
لكن الإعلان لم يكشف أعداد القوات أو طبيعة مهامها أو ترتيبات قيادتها ومدى انتشارها، كما لم يتضح ما إذا كانت القوات الباكستانية ستشارك في عمليات قتالية ضد الحوثيين. وقالت وزارة الإعلام الباكستانية إن الاتفاق استوفى الإجراءات الحكومية اللازمة، من دون توضيح الجهات التي شاركت في اتخاذ القرار، واعتبرت تفاصيل الانتشار من المسائل العملياتية السرية.
وتكمن الدلالة السياسية في المقارنة مع عام 2015، عندما عرضت الحكومة الباكستانية طلباً سعودياً لإرسال قوات وطائرات حربية وسفن للمشاركة في الحملة العسكرية باليمن على البرلمان. وانتهى التصويت حينها بالإجماع إلى التزام الحياد، مع التعهد بالدفاع عن الأراضي السعودية والأماكن المقدسة إذا تعرضت للتهديد.
أما التحرك الحالي، فيجري من دون تصويت برلماني معلن، في وقت يتمتع فيه قائد الجيش ورئيس أركان قوات الدفاع، المشير عاصم منير، بنفوذ داخلي واسع. فقد منحته تعديلات دستورية أُقرت العام الماضي قيادة الأفرع الثلاثة للقوات المسلحة حتى عام 2030، إلى جانب احتفاظه مدى الحياة برتبة المشير وتمتعه بالحصانة من الملاحقة الجنائية.
ويرى محللون أن الفارق بين المحطتين لا يتعلق بالضرورة بتغير الصلاحيات الدستورية للحكومة، بقدر ما يعكس تحولاً في ميزان القوة السياسية. فالدستور يمنح الحكومة الاتحادية سلطة قيادة القوات المسلحة، لكن الجيش ظل يحتفظ بنفوذ كبير في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية، حتى خلال فترات الحكم المدني.
وقال مايكل كوغلمان، الباحث المتخصص في شؤون جنوب آسيا لدى المجلس الأطلسي، إن المرحلة الحالية تختلف عن السابق، حين كان الجيش يلتزم بقرارات البرلمان الرافضة لإرسال قوات. ويأتي ذلك بينما يتهم أنصار رئيس الوزراء السابق عمران خان، المسجون منذ سنوات، المؤسسة العسكرية بالهيمنة على الحياة السياسية، وهي اتهامات ينفيها الجيش.
اتفاق مكة يختبر حدود الالتزام
ويمنح الاتفاق الدفاعي الجديد منير مساحة إضافية لتعزيز دور المؤسسة العسكرية في العلاقات الخارجية، خصوصاً أن الشراكة مع السعودية لا تبدأ من الصفر. فقد أرسلت باكستان نحو ثمانية آلاف جندي إلى المملكة بحلول مايو الماضي بموجب اتفاق سابق للتعاون الدفاعي، بحسب ما أوردته رويترز.
ويأتي الاتفاق الثلاثي الجديد لتوسيع إطار التعاون مع تركيا، في وقت تسعى فيه الرياض إلى حشد دعم إقليمي لمواجهة الهجمات الحوثية. وقد انتقلت الشراكة من التفاهم السياسي إلى ترتيبات تشمل إنشاء مؤسسات مشتركة وتحديد القدرات التي يمكن نشرها، من دون أن تتضح بعد آليات الاستجابة العسكرية أو حدود الالتزام في حال اتسعت المواجهة.
لكن غياب التفاصيل المنشورة عن الاتفاق يترك أسئلة أساسية بلا إجابة، أبرزها ما إذا كان الدفاع عن السعودية سيظل محصوراً في حماية أراضيها ومنشآتها، أم يمكن أن يمتد إلى دعم العمليات داخل اليمن.
وتزداد حساسية القرار بسبب علاقات إسلام آباد بطهران. فباكستان تؤدي دور الوسيط في الحرب الأوسع المرتبطة بإيران، ما يجعل انتقالها إلى المشاركة المباشرة في قتال الحوثيين، الحليفين لطهران، خطوة قد تنعكس على علاقاتها الإقليمية.
ولذلك لا يعني نشر قوات إضافية في السعودية بالضرورة أن باكستان قررت الانخراط في الحرب اليمنية. فقد يقتصر الدور على الدفاع عن الأراضي السعودية أو تقديم قدرات عسكرية مساندة، لكن غياب التفاصيل الرسمية يبقي طبيعة المهمة مفتوحة على احتمالات عدة.
ويضع ذلك الحكومة والجيش أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الالتزام الدفاعي تجاه الرياض، من دون تقويض موقع إسلام آباد وسيطاً في مسار التوتر مع إيران، أو دفعها إلى تحمل كلفة صراع لا تزال حدوده غير واضحة.
ولا يقتصر أثر الخطوة على السياسة الخارجية. فكلما تعامل الشركاء الإقليميون والدوليون مع الجيش الباكستاني باعتباره الطرف الأكثر قدرة على تنفيذ الالتزامات الأمنية، تعزز موقعه في الداخل على حساب المؤسسات المدنية.
ويصف أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في كينغز كوليدج لندن، هذه العلاقة بأنها «دورة تعزيز متبادل»: فالشركاء لا ينشئون اختلال التوازن بين السلطة المدنية والعسكرية في باكستان، لكن التعامل مع الجيش باعتباره طرفاً لا غنى عنه يمكن أن يعزز شرعيته ونفوذه الداخليين.
وتبرز هنا مفارقة القرار الحالي. فإسلام آباد تستطيع من خلال التعاون العسكري توسيع دورها الإقليمي وتعزيز علاقاتها بالسعودية وتركيا، لكن غياب الشفافية بشأن القوات والمهام والكلفة والمدة قد يجعل تصحيح المسار أكثر صعوبة إذا ترتبت على الانتشار أعباء سياسية أو أمنية غير متوقعة.
وبذلك، فإن حرب اليمن لا تختبر فقط مدى استعداد باكستان لتوسيع التزاماتها الدفاعية، بل تكشف أيضاً موقع المؤسسة العسكرية داخل نظامها السياسي. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمن يملك القدرة على إرسال القوات فحسب، وإنما بمن يحدد شروط المشاركة وحدودها، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.
والاختبار الأهم أمام إسلام آباد هو ما إذا كان تعزيز الشراكة الدفاعية مع السعودية سيظل التزاماً محدداً لحماية المملكة، أم سيتحول إلى مشاركة أوسع في الصراع اليمني، بما يحمله ذلك من تداعيات على علاقة باكستان بإيران وعلى التوازن بين مؤسسات الدولة في الداخل.

851 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع