أحلاف جديدة تُعقد وأخرى قديمة تغرق في أعماق البحر الأحمر

نزار السامرائي

أحلاف جديدة تُعقد وأخرى قديمة تغرق في أعماق البحر الأحمر

فَرضت الأحداثُ التي شهدها الوطن العربي في عقد الخمسينيات من القرن العشرين، تأثيرات متفاوتة على كثير مما عاشه في عقد الستينيات، وربما كانت أكثر وضوحا مما حصل لها في العقد الذي سبقه، وتحولت بعض المفاهيم السياسية التي رافقت خطاب تلك الحقبة، إلى ثوابت كادت أن تطبع مرحلة بكاملها، حقائق لا تقبل المساومة مع الخارج أو المهادنة مع الداخل.

من ذلك كان شعار لا لسياسة الأحلاف، ومنها "البحر الأحمر بحيرة عربية"، ليس بمفهومه الجغرافي بحساب أن ضفتيه تضمان أقطارا عربية، تمتد من عدن ومضيق باب المندب جنوباً، إلى أن يتفرع البحر إلى خليجين شماليين، إلى الشرق خليج العقبة وإلى الغرب خليج السويس فحسب، بل كان المقصود من ذلك المصطلح، المغزى السياسي الذي جاء منسجما مع الأجواء السياسية التي أعقبت العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ومقاومة الشعب المصري للعدوان وأعادت للأمة ثقتها بنفسها بقدرتها على الاعتماد على نفسها دفاعا عن نفسها وعن مصالحها التي لا يمكن التنازل عنها في أي ظرف، حتى تحولت بورسعيد إلى أيقونة للنضال العربي ورمز قومي للنصر على الاستعمار القديم والمتحالف مع إسرائيل، وكان من بين نتائج ذلك تكريس زعامة الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله، كقائد لحركة التحرر العربي وكواحد من أبرز زعماء التحرر في آسيا وأفريقيا وحركة عدم الانحياز، فتحولت الشعارات السياسية التي كان يرددها في خطبه إلى منهاج عمل لكثير من الحركات السياسية العاملة في بعض الأقطار العربية، مع أنها كانت تثير قلقا لدى معظم النظم العربية بما فيها تلك التي توصف أحيانا بالنظم الثورية.
لكن الربيع الثوري الذي عاشته الأمة مرّ سريعا، وخلّف وراءه أسئلة كثيرة عن أي المنهجين هو أولى بالاتباع؟ من دون أن تحصل الجماهير العربية على إجابة وافية، وما إن انتهت تلك الأجواء المشحونة بالترقب، حتى عادت أجواء التنافس بين المحاور العربية إلى سابق عهدها بعد أن شهدت انحسارا مؤقتاً بسبب الضغط الشعبي، وربما كانت هذه المرة بدرجة أكبر مما ساد في السابق، فقد تم الفرز بين تيارين الأول هو التيار الثوري الذي حمل لواءه الرئيس جمال عبد الناصر، والآخر هو التيار الذي كانت تقوده نظم محافظة غير متجانسة فيما بينها، وشهدت المنطقة العربية انقساما عموديا بعد نجاح الثورة اليمنية في 26 أيلول 1962، ليضاف إلى عوامل التأزم العربي، وكان من بين النتائج الفورية لنجاح ثورة اليمن، نشوب نزاع مسلح فوق جبال اليمن، هو أقرب للحرب الأهلية منه إلى نزاع مع الخارج، كانت مصر تمثل طرفه الأول فوقفت بقوة إلى جانب النظام الجديد في صنعاء فأرسلت آلاف الجنود إلى هناك، وكان من بين نتائج التدخل المصري في اليمن تعطيل جانب كبير من القوات المسلحة المصرية عن أداء دورها في الدفاع عن البلاد، وخاصة خلال اشتداد الأزمة في عام 1967 والتي أدت إلى سحب قوات الطوارئ الدولية الفاصلة بين مصر وإسرائيل، ثم اندلاع حرب الأيام الستة التي انتهت بسرعة مأساوية أدت إلى طرح تساؤل جدي، هل ينتصر الإسرائيليون نتيجة تمسكهم بالدين اليهودي؟ كثير من الكتّاب والمثقفين العرب تبنوا هذا التفسير، وهنا جاء الرد سريعا، لقد أثبتت الأيدلوجيا التي اعتمدتها النظم الثورية العربية لأكثر من عقد من الزمن خطأها وعجزها عن مواجهة الواقع العربي، وبالتالي فلا بد من العودة إلى الإسلام كحل لضياع الانسان العربي وانسلاخه عن هويته.
أما في الجانب الآخر من حرب اليمن فقد وقفت المملكة العربية السعودية بكل قوة ضد التغيير اليمني، لأنها لم تكن راغبة في رؤية نظام ثوري قريب من التجربة الناصرية على حدودها الجنوبية، لهذا ولغيره من أسباب أخرى، اختارت المملكة العربية السعودية الوقوف بحزم إلى جانب نظام الإمامة الذي لا تلتقي به عقائديا، والتصدي للتغيير الذي قاده المشير عبد الله السلال، والوقوف إلى جانب النظام السابق، وهكذا سجل العصر الحديث أول مواجهة عربية – عربية في ستينيات القرن الماضي، دفعت مصر فيها آلاف الشهداء، في حين تحملت المملكة العربية السعودية تكاليف الحرب كاملة.
ولما وضعت حرب الأيام الستة أوزارها كانت إسرائيل قد احتلت الضفة الغربية التي كانت ترتبط سياسيا وإداريا بالأردن، وقطاع غزة الذي كان مرتبطا بمصر، إما في الشمال فقد توغلت إسرائيل في الجولان السوري مع كل ما يمثله من موانع طبيعية كانت تشكل خطاً دفاعيا طبيعيا يستحيل الوصول إليه فاحتلت القنيطرة السورية، وهنا يكون من الإنصاف ألا نلقي بتبعات هزيمة حزيران 1967 على انشغال القوات المصرية في حرب اليمن فقط بل هناك أسباب كثيرة تتعلق بنوع الخيارات التي سارت عليها النظم العربية وبمدى الاستعداد العربي لمواجهة الأعداء الذين تم تأشيرهم بتلك الصفة.
ولكن الذاكرة العربية كانت جاهزة لطي الصفحات السلبية من دون مراجعات لتأشير نقاط الضعف في توجهات السياسة العربية البينية ومع الخارج، كان من بين المفارقات اللافتة أن هذه النزاعات أو التحالفات شهدت تبدلات جذريةً، فبعد نزاع استمر خمسة أعوام أنفقت فيه السعودية أموالا طائلة لإدامة الحرب ضد الجمهوريين وضد الجيش المصري، حصل تقارب بين السعودية ومصر وخاصة بعد مؤتمر اللاءات الثلاث في الخرطوم أواخر آب 1967، والذي قرر تقديم دعم سنوي من دول النفط العربية إلى مصر وسوريا والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية بمبلغ 250 مليون دولار، واستمرت العلاقات المصرية السعودية في حالة انسجام وفي بعض الأحيان تنسيق سياسي على أعلى المستويات بشأن فرص التسوية بين العرب وإسرائيل، وخاصة بعد حرب 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1973، ودخلت العلاقات بين مصر والعرب مرحلة استقرار استمرت إلى أن فاجئ الرئيس المصري أنور السادات بعض العرب بزيارة إلى إسرائيل عام 1977، والتي أحدث شرخا عميقا في العلاقات العربية – العربية واصطفافات أضاعت الفرصة على المراقب لتحديد الطرف المشجع للزيارة والداعم لها عن الطرف الرافض، فدخلت العلاقات بين العرب نفقا عميقا تم عزل مصر عربيا بعد مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في بغداد في تشرين الثاني 1978.
لم يكن ممكنا من الناحية العملية أن يبقى العرب على خيار سياسي واحد لزمن طويل، ذلك أن البنيان الذي شيدوه لم يكن بالمتانة التي تتيح له فرصة مواجهة العواصف السياسية العاتية التي تهب على الوطن العربي على مدار السنة، فقد بدأ العرب يخرجون على الإجماع الهش الذي فرضته ظروف حماسة الخطب النارية وأحيانا التحريضية بلا رؤية بديلة، إذ بدأت موسم الحج إلى القاهرة والعودة السياسية إلى مصر أو عودة مصر إلى بعض العواصم العربية، مع استعداد لطي صفحة العلاقات التي شابها كثير من التوتر قصير الأمد، ولكن عودة مصر بصورتها النهائية كانت عودة الظافر المطلوب دوره عربيا ودوليا في معظم الملفات العربية الساخنة، كما أن مصر وجدت في علاقاتها العربية عمقا استراتيجيا يعزز من مكانتها إقليميا ودولياً، وبخاصة أنها واجهت تهديدا قويا لأمنها القومي في أهم ضلعين من أضلاعه، النيل والتهديد الذي يشكله سد النهضة الأثيوبي على حقوق مصر الطبيعية والقانونية في مياه النهر، وأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وعلاقته بالملاحة الآمنة في قناة السويس، لم يسجل على أي بلد عربي الوقوف على الحياد بين مصر وأثيوبيا بشان سد النهضة، ولكن اللافت أن مصر تعاملت مع حركة الملاحة البحرية في جنوبي البحر الأحمر بكثير من اللامبالاة، عندما بدأ الحوثيون يهددون حرية الملاحة جنوبي البحر الأحمر، وحتى عندما تم قصف ميناء دمياط بطائرة مسيرة في تموز 2026، حرصت مصر على عدم توجيه اصبع الاتهام لإيران، على الرغم من وضوع الأدلة العقلية قبل الجنائية بأن هذا القصف جزء من المجهود الإيراني للتلاعب بسوق الطاقة الدولية، ومع ذلك لم تفعل ما هو مطلوب منها.
قبل ذلك وعندما انطلقت عاصفة الحزم عام 2015 ردا على الانقلاب الحوثي، لم تكن مصر طرفا فيها لحسابات مختلفة منها أن درس اليمن ما زال طريا في الذاكرة الجمعية المصرية، وإن مضت عليه ستة عقود، واكتفت بتقديم وعود بالدعم وقت الضرورة، أو كما قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "مسافة السكة".
على العموم كانت قد حصلت تغييرات كثيرة في سلطة الحكم في شمالي اليمن وجنوبه، وخاصة وحدة شطري اليمن، فبعد مدة ليست قصيرة من الدعم السعودي لنظام الإمامة، شهد اليمن خلالها تعاقب حكومات ورحيل رؤساء بانقلابات عسكرية ووصول آخرين إلى السلطة بعضها بتأثيرات خارجية وأخرى نتيجة وصول الحكم إلى طرق مسدودة في خياراته السياسية، لا سيما بعد ما يسمى بالربيع العربي عام 2011 وسقوط نظام الرئيس علي عبد الله صالح عام 2014، واستيلاء الحركة الحوثية على مقاليد الحكم في البلاد، فرضت الحالة اليمنية نفسها على الوضع العربي نتيجة نشوء تحالفات إقليمية جديدة، لأن كثيرا من الأطراف رأت في الانقلاب الحوثي تهديدا جديا لدول الجوار، لا سيما عندما أعلن الحوثيون منهاجا عقديا متطابقا مع إيران وبدأوا بإعداد برامج عسكرية للهيمنة على الأراضي اليمنية كلها مع مشروع مذهبي يختزل التنوع المذهبي في البلاد، هنا لم يكن أمام المملكة العربية السعودية إلا أن تقف ضد هذه التطورات الخطيرة، التي جلبت على حدودها الجنوبية نظاما ظل يرسل رسائل كراهية نحو كل النظم العربية، فانطلقت عاصفة الحزم عام 2015 والتي تحملت السعودية ثقلها الأكبر في إطار تحالف عربي لدعم الشرعية وكانت في كلا الحربين تقاتل بأموالها، من دون أن ترسل جنديا واحدا، بل اكتفت بالدعم المالي والتسليحي، وبُذلت مساعٍ عربية واسعة من أجل رأب الصدع بين الطرفين من دون أن تحقق أدنى تقدم، بسبب تمسك كل طرف بمواقفه التي تخطت واقع الأزمة اليمنية وتغيير النظام في البلاد، إلى نبش قبور الأزمات العربية التي كانت تبحث عن فرصة لتطل برأسها بين أطراف عربية يسعى كل طرف منها لإثبات جدارته بقيادة الأمة العربية.

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

729 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع