
إبراهيم المحجوب
الشهداء العائدون ..عشر سنوات من الغياب ونهاية رحلة الانتظار
عشر سنوات من الغياب، عشر سنوات من الانتظار والدموع والأسئلة التي لم تجد جوابا، عشر سنوات عاشتها عوائل شهداء جنوب الموصل وهي تبحث عن أبنائها الذين غيبهم الإرهاب، تاركا خلفه أمهات أنهكهن الحزن، وزوجات أثقلهن الفراق، وأطفالا كبروا وهم يحملون في قلوبهم صورة أب غاب ولم يعرفوا أين استقر به المصير.
قبل يومين، انتهت رحلة طويلة من الانتظار، وعادت رفات الشهداء إلى أحضان أهلهم، بعد أن كشفت المقابر الجماعية عن سر الغياب الذي ظل يؤرق العوائل طوال عقد كامل. كانت العودة مؤلمة، لا تشبه عودة الغائبين الذين تفتح لهم الأبواب وتفرش لاستقبالهم البيوت، بل كانت عودة محمولة على الأكتاف، يرافقها البكاء وتسبقها الدعوات، وتستقبلها قلوب لم تعرف كيف تفرح بانتهاء الانتظار، ولا كيف تتحمل قسوة الحقيقة.
في ذلك اليوم، لم تكن منطقة جنوب الموصل تستقبل رفات أبنائها وحدهم، بل كانت تستعيد حكايات من العمر ضاعت بين البحث والأمل، وتفتح دفاتر الوجع التي لم تغلق يوما. هناك أم انتظرت ابنها وهي تتخيل عودته في كل صباح، وزوجة عاشت سنواتها بين الذكريات والدعاء، وأطفال ظلوا يسألون عن آبائهم، وأشقاء لم يفقدوا الأمل في معرفة مصير أحبائهم. واليوم، بعد عشر سنوات، عرف الجميع الحقيقة، لكن الحقيقة جاءت ثقيلة، لا تحمل معها سوى حق الوداع الأخير.
كم هو قاس أن ينتظر الإنسان عودة عزيز طوال هذه السنوات، ثم تكون عودته الأخيرة إلى تراب الوطن، بعد أن حرم أهله من رؤيته واحتضانه وتوديعه في الوقت الذي كانوا يتمنونه. وكم هو موجع أن تقف الأم أمام رفات ابنها، وهي تستعيد لحظات طفولته وشبابه، وتتذكر صوته وخطواته وأحلامه التي لم تكتمل، ثم لا تجد ما تضمه إلى صدرها سوى بقايا جسد غيبه الموت، وأعاده الزمن بعد أن سرق منها سنوات العمر.
لقد كانت جنازات الشهداء مشهدا إنسانيا مهيبا، امتزجت فيه دموع الفقد بمشاعر الوفاء، واجتمع فيه أبناء المنطقة ليؤكدوا أن الشهداء، مهما طال غيابهم، لم يغيبوا عن ذاكرة أهلهم ووطنهم. لقد عادوا بعد عشر سنوات، لكنهم لم يعودوا كما تمنّت عوائلهم، ولم يحملوا معهم بشائر الحياة التي طال انتظارها، بل حملوا وجعا مؤجلا ووداعا تأخر كثيرا، وذكريات ستبقى حاضرة في قلوب من أحبوهم.
إن هؤلاء الشهداء لم يكونوا أرقاما في سجل المفقودين، ولم تكن عوائلهم مجرد أسماء في قوائم الانتظار. كانوا أبناء بيوت عراقية بسيطة، لهم أحلامهم وأعمالهم وأطفالهم وآمالهم في مستقبل آمن. لكن الإرهاب خطف منهم الحياة، وترك خلفهم عوائل تواجه قسوة الفقد، وتقاوم مرارة السنين، وتبحث عن إجابة لسؤال واحد: أين أبناؤنا، ومتى يعودون؟
واليوم، وقد انتهت رحلة البحث، فإن الواجب الإنساني والأخلاقي لا يتوقف عند تشييع الشهداء ودفن رفاتهم وإقامة مجالس العزاء، بل يبدأ معه واجب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الوقوف إلى جانب عوائلهم، وتخفيف معاناتهم، وإنصافهم، ومتابعة حقوقهم القانونية والمعيشية، وتقديم الرعاية اللازمة لهم. إن الجهات المعنية في محافظة نينوى مطالبة بأن تجعل من هذه المأساة مسؤولية حقيقية، وأن تتابع أوضاع تلك العوائل، ولا سيما من فقدوا معيلهم، وأن تعمل على إنجاز معاملاتهم واستحقاقاتهم من دون تأخير أو تعقيدات إدارية تزيد آلامهم.
فليس من العدل أن تنتظر عائلة عشر سنوات لتعرف مصير ابنها، ثم تجد نفسها مضطرة إلى خوض رحلة جديدة من المراجعات والانتظار للحصول على حقوقها. لقد عاد الشهداء إلى تراب الوطن، وبقي أن يصل الوطن إلى عوائلهم بحقوقهم وإنصافهم، وأن يشعروا بأن تضحيات أبنائهم لم تنس، وأن دموعهم لم تذهب سدى.
يا أمهات الشهداء، يا زوجات الشهداء، يا أبناء الذين غابوا عنكم عشر سنوات، نعلم أن الكلمات مهما بلغت لن تعوضكم عن أحبتكم، وأن العزاء مهما كبر لن يمحو جرح الفراق. لكن أبناءكم لم يكونوا غائبين عن ذاكرة هذه الأرض، فقد ظلوا جزءا من حكاية جنوب الموصل، ومن تاريخها الذي كتبه أبناؤها بالصبر والتضحيات. واليوم، حين احتضنتهم مقبرة العين، لم تكن تحتضن رفاتا فحسب، بل كانت تحتضن حكايات عمر كامل، وأحلاما لم تكتمل، ودموعا ظلت تنتظر لحظة الوداع.
عشر سنوات انتهت فيها حيرة المصير، لكن الحزن لن ينتهي بهذه السرعة، وستبقى صور ذلك اليوم محفورة في ذاكرة العوائل، يوم عاد الغائبون، وسكتت أسئلة الانتظار، وبدأت رحلة أخرى مع ذكريات لا تموت. ستظل أسماؤهم حاضرة في مجالس أهلهم، وفي دعوات أمهاتهم، وفي حكايات أبنائهم، وفي ذاكرة كل إنسان يعرف معنى أن يفقد عزيزا ثم ينتظر عشر سنوات حتى يعرف أين يرقد.
سلام على أرواح الشهداء الذين عادوا إلى أرضهم بعد طول غياب، وسلام على أمهاتهم اللواتي حملن وجع الانتظار بصبر، وسلام على زوجاتهم وأطفالهم وأشقائهم، وكل من عاش هذه السنوات على أمل اللقاء. الرحمة لشهداء جنوب الموصل، والصبر والسلوان لعوائلهم، والوفاء لتضحياتهم التي ستبقى شاهدة على مأساة إنسانية لا يجوز أن تنسى.
عاد الشهداء، وانتهت رحلة الانتظار، لكن وجع الفراق سيبقى ما بقيت في القلوب ذاكرة، وما بقيت في العيون دمعة. رحم الله شهداءنا الأبرار، وأسكنهم فسيح جناته، وجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، وألهم أهلهم ومحبيهم الصبر والسلوان.

1217 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع