
الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

الخريف الأوروبي ونظرية الفوضى- الجزء الأول
تشهد عدة دول أوروبية موجة واسعة وغير مسبوقة من الاحتجاجات العنيفة وأعمال الشغب، والتي اندلعت وتصاعدت بشكل حاد خلال أكتوبر 2026. وقد بدأت الشرارة الأولى من الحراك في فرنسا كاحتجاجات طلابية في سبتمبر، لكنها سرعان ما اتسعت لتتحول إلى غضب شعبي عارم طال ستة دول أوروبية إلى الآن.
كانت فرنسا بؤرة الاضطرابات الأشد؛ حيث انطلقت التظاهرات بمطالب طلابية حول نقص المعلمين وتدهور المدارس، ثم انضمت إليها نقابات وحركة "السترات الصفراء" احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود والديزل. وشارك في المسيرات ما بين 550 إلى 800 ألف شخص، وتخللتها أعمال عنف وحرائق واسعة ونهب لآلاف المحلات التجارية، مما أسفر عن اعتقال أكثر من 2,400 شخص وإصابة مئات من عناصر الأمن.
إن "الخريف الأوروبي" ليس خريفاً بمعنى تغيير الأنظمة، بل هو اختبار لقدرة الأنظمة الديمقراطية نفسها على تحويل وعودها الدستورية إلى أمان ملموس وإنصات سياسي. وإذا فشلت في احتواء غضب جيل يرى أن مستقبله سُرق، وأن عنوان سكنه يقرر مستقبله، فقد يتحول هذا الخريف إلى شتاء سياسي طويل يعيد رسم خريطة القارة الأوروبية بأكملها.

نظرية الفوضى Chaos Theory:
هي نظرية حديثة في علم الرياضيات مُستمدة من المقولة العربية القديمة (قشَّة قصمت ظهر بعير) وتستند فلسفتها على بيت الشِّعر:
كلُّ الحوادثِ مبدأُها من النظرِ ... ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَرِرِ
ومن الأمثال العربية المعروفة المثل القائل (قشّة قصمت ظهر البعير)، فهناك رواية تراثية تقول أن رجلا كان لديه بعير وأراد أن يسافر إلى منطقة أخرى، فجعل يُحمّل بعيره أمتعة كثيرة.
بدأ البعير يهتزمن كثرة المتاع الثقيل، وأخذ الناس يلومون صاحبه على ذلك. إلا إنه لم يكترث لقولهم بل أخذ حزمة من التبن فجعلها فوق ظهر البعير وقال هذه خفيفة وهي آخر المتاع، فما كان من البعير إلا أن سقط أرضا وإنهار قواه. فتعجب الناس وقالوا "قشَّة قصمت ظهر البعير".
ثم أخذ الغرب هذه المقولة وقالوا:
"Straw that broke the camel's back"
كمقولة ذات أصل عربي.
نظرية الفوضى هي فرع من فروع الرياضيات التطبيقية تهتم بدراسة سلوك الأنظمة الديناميكية (الحركية) اللاخطية Non-linear والتي تبدو عشوائية ومضطربة، لكنها في الحقيقة تخضع لقوانين دقيقة ومُحددة.
مُكتشف نظرية الفوضى هو عالم الأرصاد الجوية والرياضيات الأمريكي إدوارد لورنز (1917-2008) Edward Lorenz وذلك عام 1963 في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أثناء إجرائه محاكاة حاسوبية Computer simulation لتوقع حالات الطقس.
من الأساتذة العراقيين المهتمين بنظرية الفوضى كان المرحوم الدكتور (ريمون نجيب شكوري) في جامعة بغداد، والذي يقول: (تشير نتائج الاكتشافات إلى أنه كثيراً ما توجد حالتان في الطبيعة لا تختلفان عن بعضهما إلا بمقدار ضئيل جداً عند بدايتيهما ولكنهما تؤولان بعد فترة إلى حالتين مختلفتين اختلافا ً كبيرا ًوكأن لم تكن تربط بينهما أي علاقة. وعلى سبيل المثال سيكون من المستحيل التنبؤ بحالة المناخ لمدة تتجاوز أسبوعين مهما بُذِل في سبيله من جُهْد علمي وتكنولوجي وحاسوبي. فمن الواضح إذن أن هذه الاكتشافات أحدثتْ ـــ وَستُحدِثُ ـــ وقعاً كبيراً على نظراتنا وفلسفاتنا للعلم فهي تضطرنا الى إعادة تقييم قدرات العلم وتجعلنا واعين إلى وجود حدود لمدى قابليات العلم التنبؤية).
وفي جامعة الموصل كان المرحوم الدكتور (عصام محمد علي الشيخ) من المولعين بهذه النظرية. ثم جاءت اهتماماتي الشخصية بنظرية الفوضى وقمتُ بربطها بموضوع (النمذجة الرياضية Mathematical Modeling)؛ وخصصتُ لها فصلا كاملا في كتابي المنهجي المنشور بجامعة الموصل سنة 2011 والموسوم (مدخل إلى النمذجة الرياضية باستخدام MATLAB).
تعتمد نظرية الفوضى في فلسفتها على ما يُعرف ب (تأثير الفراشةThe Butterfly Effect)، والذي يمكن تلخيصه بأن التغييرات الصغيرة جداً في الشروط الأولية لنظام معقد (مثل رفرفة جناح فراشة في مكان ما) يمكن أن تؤدي إلى نتائج هائلة وغير متوقعة في أماكن أخرى (مثل إحداث إعصار في جهة أخرى من العالم).
إن تأثير الفراشة ممكن أن نجده في مختلف مجالات الحياة:
1- في الطب: أحياننا يصاب الإنسان بأعراض سهلة جدا أو تافهة ولا يعير لها أهمية قد تؤدي الى مضاعفات خطيرة قد تودي بحياته. وأذكر أحد معارفي من الأطباء ظهرت في أصبعه (نتاشة)؛ فقام بإزالتها، ثم تفاقمت حالته وحدث له مضاعفات أدت إلى وفاته!.
2- في الاقتصادي والتجارة: قد يقوم تاجر بصفقة تجارية صغيرة وتافهة قد تؤدي إلى إفلاسه.
3- في الحروب: قد يحدث خطأ صغير في إدارة المعركة يؤدي الى الهزيمة (كما حدث لألمانيا عند دخولها روسيا في الحرب العلمية الثانية).
4- في السياسة: قد تؤدي حماقة سياسية الى نتائج وخيمة على البلد.
5- في التربية: قد تؤدي أخطاء بسيطة في تربية الطفل الى عواقب وخيمة في سلوكه، كما حدث في قصة (سرّاق البيضة) الذي علمته أمه على سرقة بيضة واحدة يوميا من جيرانهم، فأصبح في شبابه حرامي كانت نهايته الشنق!.
وهكذا فنظرية الفوضى هي نظرية مستمدة جذورها وأفكارها من واقع الحياة الواقعية، ولها تطبيقاتها في مختلف جوانب الحياة الواقعية، بما في ذلك القضايا المتعلقة بصحة الإنسان والمسائل التجارية والخ.
إن النقطة الجوهرية في أي نظام حركي (نظام حي) يتمتع بصفة الفوضوية، هي الاعتمادية الحساسة على القيم الابتدائيةInitial Values . فقد يحدث حدثا يبدو في بدايته تافها، ثم تحدث أحداث متسارعة ليست بالحسبان تؤدي إلى حدث تداعيات خطيرة غير مسيطر عليها.
ومن الأمثلة التاريخية المشهورة (حريق لندن الكبير The Great Fire of London) وهو كارثة مُدمرة حدثت سنة 1666م في لندن، وبدأت من فرن لم يُطفأ بشكل صحيح في الليل، ثم اتسعت دائرته، وأتى الحريق على نحو 80% من مدينة لندن القديمة، ودمر أكثر من 13 ألف منزل و87 كنيسة وكاتدرائية، ومشّرداً أكثر من 70,000 نسمة.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

841 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع