
سعاد عزيز
النظام الإيراني بين الداخل والخارج: مأزق اللا حرب واللا سلم وتآكل رهانات البقاء
لا يمكن فهم إصرار النظام الإيراني على إبقاء المنطقة في حالة اللا حرب واللا سلم بمعزل عن أزمته الداخلية، كما لا يمكن تفسير تصاعد الرفض الشعبي دون النظر إلى تداعيات سياساته الخارجية. فقد أصبح المساران مترابطين، بحيث تتحول التوترات الإقليمية إلى عامل ضغط اقتصادي وسياسي داخل إيران، فيما تؤثر مخاوف السلطة من الاحتجاجات الشعبية في حساباتها المتعلقة بالحرب والتفاوض.
وفي ظل هذه المعادلة، يحاول النظام تجنب مخاطر المواجهة الشاملة واستحقاقات التسوية التي قد تفرض عليه تنازلات. غير أن هذا الرهان، وإن أتاح له هامشا للمناورة، لا يضمن استمرار التوازن، بل قد يؤدي إلى تراكم الأزمات وتضييق خياراته.
الخارج بوصفه امتدادا للأزمة الداخلية
اعتمد النظام الإيراني على خطاب المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتعزيز شرعيته الأيديولوجية وتبرير سياساته الأمنية، مستفيدا من التوتر الخارجي لتقديم الأزمات الداخلية باعتبارها جزءا من صراع أوسع. لكن هذه المعادلة تحمل تناقضا متزايدا؛ فالتوترات التي تسعى السلطة إلى توظيفها لتعزيز تماسكها تنعكس على الاقتصاد ومعيشة المواطنين، وتزيد من تراجع الثقة بالمستقبل.
وهكذا، يتحول الخارج الذي تستخدمه السلطة لتبرير التشدد الداخلي إلى عامل يفاقم المشكلات التي تسعى إلى احتوائها، خصوصا في ظل المطالب الشعبية بتحسين المعيشة ومكافحة الفساد وتوسيع الحريات.
لماذا يخشى النظام الحرب والتسوية معا؟
تكمن معضلة طهران في أن كلا المسارين يحمل مخاطر مختلفة. فالمواجهة العسكرية الواسعة قد تزيد الأعباء الاقتصادية وتلحق أضرارا بالبنية التحتية، وتفاقم الاستياء الشعبي، بما يضع النظام أمام تحديات أمنية وسياسية إضافية.
أما التسوية، فلا تعني بالضرورة نهاية أزماته الداخلية؛ فرغم إمكانية تخفيف الضغوط الخارجية وتحسين الظروف الاقتصادية، قد تثير تنازلاتها خلافات داخل أجنحة السلطة، وتفتح المجال أمام التساؤل عن جدوى السياسات السابقة، وترفع سقف التوقعات الشعبية بشأن الإصلاح والتغيير.
لذلك، يبدو أن النظام يحاول تأجيل الاختيار بين مسارين مكلفين، متمسكا بحالة اللا حرب واللا سلم باعتبارها مساحة للمناورة. غير أن تأجيل الاستحقاقات لا يلغيها، بل قد يجعل مواجهتها أكثر صعوبة.
منظمة مجاهدي خلق والمقاومة المنظمة
في هذا السياق، يبرز دور منظمة مجاهدي خلق الإيرانية بوصفها أحد أبرز مكونات المعارضة المنظمة للنظام، والتي تطرح إسقاط الحكم القائم وإقامة نظام سياسي بديل يقوم، وفق برنامجها المعلن، على الجمهورية والتعددية وفصل الدين عن الدولة. وقد خاضت المنظمة مسارا طويلا من الصراع مع السلطة الإيرانية، مستندة إلى نشاط سياسي وتنظيمي وإعلامي، وإلى شبكات ومؤسسات معارضة في الخارج.
وتكمن أهمية هذا الدور في أن المعارضة المنظمة تسعى إلى تجاوز الاحتجاجات المتفرقة نحو بناء مشروع سياسي يطرح بديلا عن النظام، ويستثمر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لكشف تناقضاته. كما تركز المنظمة على إبراز قضايا القمع السياسي والإعدامات والحريات، وتدعو إلى الاعتراف بحق الإيرانيين في تقرير مستقبلهم السياسي.
لكن تقييم تأثير المنظمة يقتضي التمييز بين قدرتها على التنظيم والتعبئة خارج البلاد، وبين حجم حضورها الفعلي داخل المجتمع الإيراني. فمدى تمثيلها لمختلف شرائح الإيرانيين، ومواقف قطاعات من المعارضة منها، يظلان موضع خلاف. ولذلك، فإن دورها لا يمكن قياسه بالخطاب السياسي وحده، بل بقدرتها على توسيع قاعدة التأييد، وبناء تحالفات أوسع، والتفاعل مع تطلعات المجتمع الإيراني المتنوع.
ومع ذلك، فإن استمرار نشاطها، إلى جانب قوى معارضة أخرى، يضع أمام النظام تحديا يتجاوز الاحتجاج الآني، إذ يثير احتمال تحول السخط الشعبي إلى ضغط سياسي أكثر تنظيما. غير أن هذا التحول ليس حتميا، بل يرتبط بقدرة المعارضة على اكتساب الثقة الشعبية، وبالظروف الداخلية وتوازنات القوى.
أمن المنطقة والطاقة.. ارتدادات تتجاوز الحدود
لا تقتصر تداعيات سياسة اللا حرب واللا سلم على إيران، بل تمتد إلى أمن المنطقة واستقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. فاستمرار التوتر يزيد المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية والمنشآت الحيوية، ويضع إمدادات الطاقة أمام احتمالات الاضطراب، ويدفع الأطراف الإقليمية والدولية إلى إعادة حساباتها.
وقد تتحول أوراق الضغط التي تسعى طهران إلى الاحتفاظ بها إلى عبء إضافي عليها، إذا أدت التوترات إلى تشديد الضغوط الدولية أو اتخاذ إجراءات مضادة. كما أن أي تصعيد غير محسوب قد يخرج عن حدود المواجهة التي يرغب النظام في إبقائها تحت السيطرة.
وتنعكس هذه المخاطر على الداخل الإيراني من خلال زيادة الأعباء الاقتصادية وإضعاف فرص التعافي والاستثمار، ما يجعل أمن المنطقة جزءا من معادلة الاستقرار الداخلي.
تآكل هامش المناورة ومأزق البقاء
يواجه النظام الإيراني تزامنا متزايدا بين الضغوط الخارجية والأزمات الداخلية، وسط تباينات بشأن كيفية التعامل معها. فالتصعيد يحمل مخاطر واسعة، والتسوية قد تفرض تنازلات سياسية وأيديولوجية، فيما يبقي استمرار الوضع القائم البلاد تحت ضغط متواصل.
وفي هذه المعادلة، تكتسب المعارضة المنظمة أهمية إضافية، ليس لأن وجودها يعني قرب سقوط النظام بالضرورة، بل لأنها تستطيع، إذا اتسعت قاعدتها الاجتماعية وتعزز التنسيق بين مكوناتها، أن تسهم في تحويل الاستياء إلى تحد سياسي أكثر استدامة. ويبقى ذلك مرهونا بعوامل متعددة، منها حجم المشاركة الشعبية وقدرة القوى المعارضة على تقديم بديل يحظى بقبول واسع.
الخلاصة
إن حالة اللا حرب واللا سلم ليست مجرد خيار في السياسة الخارجية الإيرانية، بل أصبحت جزءا من معادلة بقاء تتشابك فيها حسابات النفوذ الإقليمي مع مخاوف السلطة من الغضب الشعبي. فالحرب قد تعمق الأزمات الداخلية، والتسوية قد تفرض مراجعات سياسية، أما استمرار التوتر فيبقي الاقتصاد والمجتمع تحت ضغط متواصل.
وفي المقابل، يمثل استمرار المعارضة، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق بوصفها أحد أطرافها المنظمة، عاملا إضافيا في معادلة التحدي السياسي، وإن كان تأثيره النهائي يتوقف على مدى قدرته على اكتساب التأييد الشعبي وبناء تحالفات أوسع.
وهكذا، يجد النظام نفسه أمام مأزق تتقلص فيه خيارات المناورة كلما تراكمت تكاليف سياساته. وقد ينجح في تأجيل الاستحقاقات، لكن التأجيل لا يمثل حلا دائما، ولا يضمن السيطرة على مسارات الأحداث. فجوهر الأزمة يكمن في محاولة حماية الاستقرار الداخلي عبر إدارة التوتر الخارجي، بينما قد يؤدي استمرار هذا التوتر إلى إضعاف الأسس الاقتصادية والاجتماعية لذلك الاستقرار، وفتح المجال أمام تحولات سياسية لا يمكن الجزم بمآلاتها مسبقا.

1015 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع