جابر رسول الجابري
سِفْر الحروب — الجزء الثاني
المقدمة :
قد تطرقنا في الجزء الأول من سِفْر الحروب إلى بعض طرق الحرب وكيف تنشأ الحروب وما الذي يدفع الإنسان أو الدول إلى سلوك طريق المواجهة العسكرية ،
في هذه المقالة سنتناول اهداف الحروب وغايات نشوءها ،فبالرغم من أن
أدوات الحروب على مر العصور كانت تتغير نتيجة للتطور التكنولوجي إلا أن أغلب غاياتها وأهدافها بقيت بلا تغيير حتى عند تغير الزمن أو الظرف الزماني أو الظرف المكاني ،ليست هناك حرب فجائية تحدث بشكل طاريء دون وجود تخطيط وإعدادات وتهيئة مسبقة لتنفيذها سواء كانت تلك الحرب عن قصد وتخطيط مسبق لها أم أنها كانت حرب عرضية نشأت بسبب ما ،وإن كلا النوعين من هذه الحروب لم تكن بداية نشوبها عند إلتقاء جيشين في ساحة معركة أو يمكن اعتبار لحظة إطلاق اول رصاصة فيها هي البداية ، فالحرب في حقيقتها مسار طويل ومنهج تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والإيديولوجيات والاستثمارات والمصالح حتى تصل في النهاية إلى لحظة الانفجار ،
الموضوع :
أسئلة كثيرة تحوم على منضدة تشريح الحروب البشرية ومن تلك الأسئلة مثلاً :
هل تغيّرت الحروب البشرية على مر التاريخ أم أن الذي تغيّر هي أدواتها ووسائل تنفيذها ؟
هل تطوّر الإنسان في إدارة صراعاته والتحكم فيها أم أنه اكتفى بتطوير أدوات تدميره؟
تلك الاسئلة تعتبر المدخل لاستنتاج غاية الإنسان من شن الحروب على أخيه الإنسان الآخر ،كانت أدوات الحروب في زمن الظلام سيوف وسهام وكانت كثرتها قد تؤول إلى حسم المعركة ثم حلّت محلها البنادق والمدافع لتنهي مسيرة أدوات الحرب القديمة،لم يقف الحال على حاله فسرعان ما جاءت الدبابات والطائرات والصواريخ لتتفوق على وجود البندقية والمدفع في ساحات المعارك ثم تكرر الحدث بحضور الطائرات المسيرة الرخيصة الكلفة لكنها تملك كفاءة عالية في دك الحصون المدرعة وتعطيل الآليات الحربية ،
وغداً لنا حديث آخر يتم فيه طمس وجود سلاح الطائرات المسيّرة،في المستقبل القريب سوف تنتقل ساحات المعارك لساحات افتراضية تستخدم فيها أسلحة افتراضية غير محسوسة غير مرئية وستحل هذه الأسلحة بدلا من الأسلحة النمطية بل هي أسلحة أزرار كيبورد الكمبيوتر ، يومها لا يمكن تخمين النتيجة وعدد الضحايا أو يمكن عندها حصر كم الخسائر كل ذلك بمجرد ضغطة الزر وسيبقى مصدر ذلك الهجوم مجهول ،نعم تغيّرت ميادين القتال وتبدلت الأسلحة وتغيرت وسائل المواجهة واتسعت دائرة الصراع من جندي في خندق معركة إلى ساحات الاقتصاد والإعلام والمعلومة والفضاء الإلكتروني حتى أصبح من الممكن أن تخوض دولة حرباً مع دولة اخرى دون أن تعلن الحرب على تلك دولة ،أو أن يتلقى شعب بأكمله آثار خسارة معركة لم يسمع فيها صوت طلقة واحدة أو حدوث إنفجارات ، فكيف بحال البشرية عندما سيقود الذكاء الاصطناعي ادارة الحروب البشرية ؟ ومن يدري حينها ماذا سينتج عن هذا التحول ،فقد ينشب صراع وجودي مستقبلاً في الفضاء الإلكتروني يؤدي إلى تصادم وجودي بين الذكاء الاصطناعي والبشر وخاصة عندما يُجرد الذكاء الاصطناعي الانسان من قدراته العقلية بسبب إناطة الإنسان كل مسؤولياته للذكاء الاصطناعي ،ونعود مجددا للتساؤل..إذاً إذا كانت أدوات الحروب تتغير باستمرار على مر الزمن فهل يا ترى تغيّرت الغاية منها ؟
أم أن جوهر الغاية من خوض الحروب ظل باقياً ثابتاً دون تغيير ؟
نعم إن أدوات الحرب تتغير بينما تتكرر نفس الدوافع وإن اختلفت نسب وجودها وأشكالها من عصر إلى آخر،وبعد هذا يمكننا بسهولة ان نستنبط سبب نشوء الحروب ونشير له بمصطلح واحد جمع كل الأسباب والغايات تحت مظلته بالرغم من تعدد الوجوه ،ألا وهو مظلة الصراع البشري الذي يرتدي عدة وجوه ويغطي تحت عبائته كل غرائز البشر ،
وأهم وجوه الصراع البشري :
صراع النفوذ والسلطة
صراع الأفكار الإيديولوجية
صراع الأديان
صراع إقتصادي أقنعة وأشكال كثيرة تقمصها الصراع ولكن بقي هو الجذوة التي تؤدي إلى الحروب و اندثار حضارات على مر التاريخ لتنشأ حضارات بديلة عنها ،إن الهدف من تلاوة سفر الحروب عبر التاريخ لا لنحصي فيه عدد ونوع الأسلحة التي ابتكرها الإنسان بل للتذكير واستخلاص الحقيقة الكامنة التي أهملها الإنسان أو تناساها للوصول إلى الغاية المرجوة من الحروب ،إن أول من سلط الضوء على وجود رغبة كامنة عند الإنسان لخلق الحروب هم الملائكة في القران عند خلق أول انسان فوصفته حينها بأنه مخلوق سفاك للدماء بسبب نزعاته و غرائزه و طموحه الذي ينبثق عن كل ذلك دوافع الصراع ،أيضاً من جانب آخر نستعرض فيه كيف انتقلت الحروب من مواجهة الأجساد إلى مواجهة الإرادات ومن حروب ساحات القتال والهجوم والدفاع والتعبئة العسكرية إلى حروب بلا ساحات و بلا حدود ، حروب في فضاء معلوماتي إلكتروني ،إنه عالم الحروب السيبرانية والتي تمتلك قواعد وانظمة مختلفة عن النظم العسكرية ولها خطط هجوم الفايروسات الرقمية و دفاع أسموه الأمن السيبراني و تعبئة برمجية بدلاً من التعبئة العسكرية ، حروب تختلف كلياً عن الحروب التقليدية على مر التاريخ،جيوش لا تحتاج لرتب عسكرية ولا شارات أركان ولا طاولات الرمل التي يتم التدريب والدراسة عليها بوضع خطط الهجوم والمباغتة، حروب إنعدمت فيها مصطلحات ساعة الصفر والكر والفر أو مسك الأرض بل اصبح كل شيء في ساحات افتراضية غير واقعية تحت سيطرة البرامج الالكترونية ،صحيح أن الحرب الحديثة أصبحت أقل وضوحاً للعين لكنها أكثر حضوراً وأشد تأثيرا في تغيير مفاصل وواقع الحياة البشرية ،
فهل تطوّرَ الإنسان فقط في مجال إدارة صراعاته ؟
أم أنه إنساق لتطوير أدوات تدمير وجوده ؟
يبدو ان الإنسان إنزلق لسباق التسلح لإمتلاك سلاح يُمكْنه فناء وجود الآخرين بسهولة حتى لو كان هو مشمول أيضا معهم بالفناء ،الكارثة أن المستقبل أصبح أكثر ضبابية بسبب إنتقال ساحة الحرب إلى العالم الرقمي والذي بات مكشوفا تحت حماية وهمية بسبب سهولة اختراقه والسيطرة عليه عن بعد والتحكم في نظمه بعد أن حولت الدول كل واجباتها وبياناتها إلى شبكات الأنظمة الرقمية بحجة التطور التكنولوجي ،لم يدرك الإنسان أن ميله لتقليل جهده المبذول كتابياً واعتماده النظام الرقمي سوف تكون له عواقب جانبية وخيمة قد تؤدي لتدمير وجوده ،الحروب السيبرانية قد يمتد أثرها إلى قطاعات حيوية كالكهرباء والمصارف والاتصالات وادارة الدولة ،إن الهوس في سباق التسلح وتسارع الأحداث وانفلات الضوابط والالتزامات والمعايير الإنسانية كل تلك المسببات زادت من صعوبة إمكانية قراءة المستقبل بسبب حدوث طفرات في الإنفجار العلمي ،
فهل سندرك يوما ما ستؤول اليه الحروب المستقبلية ؟
أم سيباغتنا المستقبل على حين غرة بلا سابقة ، قد لا نعرف يوماً ما سيحدثه الفجر لنا ونحن نيام في ليل الأمان ،هذا إذا لم تنتهي الحياة البشرية على الكرة الأرضية مبكراً بسبب إنفلات سباق التفنن بصنع الفناء والموت ،
الخاتمة :
أخيراً هل إذا ركن الإنسان إلى تسليم ادارة حياته إلى عالم التكنولوجيا دون الأداء والتوثيق النمطي سيستطيع استعادتها مجدداً … أم ستستطيع التكنولوجيا أن ترسم له صورة دقيقة عن لحظة وتاريخ نهاية الحياة البشرية على الكرة الأرضية أم سيكون الحدث فجائي .
كتبت بتاريخ العشرين من اكتوبر عام 2026

800 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع