بدري نوئيل يوسف
بلاد العجائب وزارة الكهرباء… مليارات في الظلام!
في بلاد العجائب، لا تحتاج إلى زيارة متحف لتكتشف غرائب الدنيا، ولا إلى قراءة روايات الخيال العلمي لتعرف المستحيل؛ يكفي أن تكون مواطنًا في بلاد العجائب، وأن تحاول تشغيل مكيّف الهواء في يوم من أيام الصيف، حتى تدخل بنفسك عالم العجائب، وتصبح بطلًا في مسلسل طويل عنوانه: الكهرباء… ضيف ثقيل لا نعرف متى يأتي ومتى يرحل!
في بلادي، الكهرباء ليست مجرد خدمة أساسية، بل أصبحت فلسفة حياة، ومدرسة للصبر، واختبارًا يوميًا للأعصاب. المواطن لا يسأل في الصباح: ماذا سنأكل اليوم؟ بل يسأل أولًا: هل ستأتي الكهرباء؟ وإذا جاءت، فكم ستبقى؟ وهل ستغادر قبل أن يبرد الطعام أم بعد أن يذوب الثلج في الثلاجة؟
لقد تعلّم المواطن أن يخطط لحياته وفق جدول الكهرباء، لا وفق الساعة. فإذا انقطعت، توقفت معها المكيّفات والمراوح والثلاجات، وربما توقفت معها أعصاب رب الأسرة أيضًا. أما الأطفال، فقد أصبحوا خبراء في التمييز بين صوت المولدة وصوت المكيّف، وبين انقطاع الكهرباء الوطنية وانقطاع أملهم في ليلة هادئة.
مليارات تُصرف… والظلام لا يتقاعد!
والعجيبة الكبرى أن الكهرباء ليست اكتشافًا جديدًا، ولا اختراعًا ينتظر بلاد العجائب أن يستورده من كوكب آخر. إنها خدمة تعتمد على محطات إنتاج، وشبكات نقل وتوزيع، ووقود، وصيانة، وإدارة كفؤه. ومع ذلك، يبدو أن توفيرها بصورة مستقرة أصعب من حل لغز تاريخي!
تُعلن الخطط، وتُرصد الأموال، وتُفتتح المشاريع، وتُطلق التصريحات المبشرة بمستقبل كهربائي مشرق. لكن المواطن، الذي لا يفهم كثيرًا في لغة الأرقام والخطط الاستراتيجية، يريد أن يعرف شيئًا واحدًا: أين هي الكهرباء التي وُعد بها؟
فالمواطن لا يستطيع أن يضع تصريحًا صحفيًا داخل الثلاجة بدلًا من التيار الكهربائي، ولا أن يشغّل المروحة ببيان رسمي، ولا أن يطفئ حرارة الصيف بعبارة نعمل على تحسين المنظومة الكهربائية.
في بلاد العجائب، قد تكون المليارات قد أنفقت، لكن المواطن ما زال يبحث عن النور، وكأن الكهرباء مشروعٌ اكتُشف حديثًا ولم تُحسم بعدُ طريقة تشغيله!
ولكي نكون منصفين، فإن قطاع الكهرباء ليس مسألة زرّ يُضغط فتضيء البلاد؛ إنه منظومة معقدة تتطلب إنتاجًا كافيًا، ووقودًا، وشبكات قادرة على نقل الطاقة، وصيانة مستمرة، وإدارة سليمة. لكن هذه الصعوبات لا تلغي حق المواطن في السؤال عن الأموال التي أُنفقت، والمشاريع التي أُنجزت، والنتائج التي تحققت.
فإذا كانت المشكلة معقدة، وجب أن تكون الحلول بمستوى تعقيدها، لا أن يتحول التعقيد إلى عذر دائم!
المولدة الأهلية… وزارة ظلّ!
ومن عجائب بلادنا أن المواطن يدفع فاتورة الكهرباء الوطنية، ثم يدفع فاتورة المولدة الأهلية، ثم يشتري الوقود أحيانًا، ثم يدفع ثمن صيانة جهاز التبريد الذي أتعبته تقلبات التيار.
وهكذا يجد نفسه موظفًا لدى ثلاث جهات: يعمل ليحصل على راتب، ويدفع جزءًا منه للكهرباء، ثم يعمل مجددًا ليسدد تكاليف الحصول على الكهرباء التي يفترض أن تكون خدمة أساسية!
أما صاحب المولدة الأهلية، فقد أصبح شخصية مألوفة في حياة المواطنين، يعرف مواعيدها، وأعطالها، وتسعيرتها، وربما يعرف عن ساعات الكهرباء أكثر مما يعرف عن مواعيد بعض المسؤولين!
وإذا انقطعت الكهرباء الوطنية، ارتفعت مكانة المولدة في قلوب المواطنين، وإذا تعطلت المولدة أيضًا، دخل الجميع في حالة طوارئ وطنية، حتى لو لم تعلن الحكومة ذلك.
ولعلنا نحتاج يومًا إلى إقامة نصب تذكاري للمولدة الأهلية في إحدى الساحات، تقديرًا لخدماتها الطويلة في بلدٍ لم تستطع فيه الكهرباء الوطنية أن تنهي اعتماد المواطن على البديل.
لكن قبل أن نرفع النصب، لنسأل أنفسنا: لماذا أصبح البديل المؤقت جزءًا دائمًا من حياة الناس؟ ومن يتحمل كلفة هذا الواقع على الأسر وأصحاب الأعمال والاقتصاد؟
وزير جديد… ووعود تتجدد!
وفي بلاد العجائب، تتجدد الوجوه والخطط، وتتغير التصريحات، لكن المواطن يريد أن يرى تغييرًا في حياته اليومية.
لسنا ضد تعيين وزير جديد، ولا ضد إطلاق خطة جديدة، بل نريد أن تكون المناصب مسؤوليات حقيقية، وأن تكون الخطط قابلة للقياس، وأن يعرف المواطن ما الذي تحقق وما الذي بقي على الورق.
إن إدارة قطاع الكهرباء تحتاج إلى خبرة فنية وإدارية، وإلى تخطيط طويل الأمد، ومحاسبة واضحة، ومتابعة دقيقة للمشاريع والعقود. ولا يكفي أن يجلس المسؤول في مكتبه المكيّف ويتحدث عن معاناة المواطن؛ المطلوب أن تتحول تلك المعاناة إلى أرقام في خطة عمل، ثم إلى نتائج يلمسها الناس.
ومن حق المواطن أن يسأل: كم تبلغ ساعات التجهيز الفعلية؟ ما أسباب النقص؟ أين وصلت مشاريع الإنتاج والنقل والتوزيع؟ وما مقدار الخسائر في الشبكات؟ وما الإجراءات المتخذة لمعالجة التجاوزات والهدر؟
هذه ليست أسئلة معارضة، بل أسئلة مواطن يريد أن يعرف أين تذهب أموال بلاده، ولماذا لا يحصل مقابلها على خدمة مستقرة.
بلد الثروات… فلماذا يعيش مواطنه في الظلام؟
هنا نصل إلى جوهر الحكاية.
بلاد العجائب ليس بلدًا بلا موارد، ولا شعبًا بلا كفاءات. وقد أثبت مواطنين بلاد العجائب في دول عديدة قدرتهم على العمل في مجالات الهندسة والطاقة والبحث العلمي وإدارة المشاريع. فلماذا لا تُستثمر هذه الخبرات بالشكل الذي يليق ببلدهم؟
لماذا لا تكون الكفاءة أساس الاختيار، والنتائج معيار التقييم، والمصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة؟
إن الدول لا تُبنى بكثرة التصريحات، بل بحسن الإدارة. ولا تُقاس قوة المؤسسات بعدد مكاتبها، بل بقدرتها على حل مشكلات الناس. أما الأموال، مهما كثرت، فلن تتحول وحدها إلى إنجاز إذا غابت الرقابة والتخطيط والمحاسبة.
ولا نريد أن نظلم كل من عمل في قطاع الكهرباء؛ ففيه مهندسون وفنيون وموظفون يعملون في ظروف صعبة، ويستحق المجتهد منهم التقدير. لكن احترام جهود العاملين لا يعني إعفاء المسؤولين عن القرارات والنتائج من المساءلة.
خاتمة: أضيئوا البلاد قبل أن تضيئوا التصريحات!
يا سادة بلاد العجائب، نحن لا نطلب كهرباء تشغّل مصابيح الشوارع وحدها، بل كهرباء تساعد المستشفيات على أداء واجبها، والمدارس على توفير بيئة مناسبة، والمصانع على الإنتاج، والطلاب على الدراسة، والأسر على العيش بكرامة.
نريد أن يأتي الصيف فلا يتحول إلى موسم للطوارئ، وأن ينام الأطفال دون أن توقظهم حرارة الغرف، وأن يحفظ المواطن طعامه دون أن يحسب حساب كل انقطاع، وأن تصبح المولدة الأهلية خيارًا احتياطيًا لا شريكًا دائمًا في ميزانية الأسرة.
نريد أن نرى أثر المليارات في محطات تعمل بكفاءة، وشبكات مستقرة، وخدمات موثوقة، لا في سلسلة من الوعود التي تتكرر مع كل موسم.
فبلاد العجائب لا تنقصه الشمس، ولا تنقصه الأموال وحدها، ولا تنقصه العقول؛ ما يحتاج إليه هو إدارة تجعل الثروة خدمة، والخطة إنجازًا، والمسؤولية التزامًا أمام المواطن.
وفي بلاد العجائب، سنبقى نكتب عن الكهرباء حتى يأتي يوم لا نحتاج فيه إلى الكتابة عنها!
فحينها فقط، سنستطيع أن نطفئ مصابيح السخرية، ونشعل مصابيح بيوتنا.
وإلى أن يأتي ذلك اليوم، يبقى السؤال معلّقًا في سماء بلاد العجائب: إذا كانت المليارات قد أُنفقت من أجل النور، فلماذا ما زال المواطن يحسب حساب الظلام؟

575 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع