
قاسم محمد داود
عندما يلتقي المال بالسياسة: كيف تحوّل خفض قيمة الدينار العراقي إلى أداة لإعادة توزيع الثروة
في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2026، دخل حيز التنفيذ قرار مجلس الوزراء العراقي الصادر في جلسته المنعقدة في السادس من الشهر نفسه، والقاضي بتعديل سعر صرف الدينار مقابل الدولار. حدّد البنك المركزي السعر الجديد على ثلاث درجات: شراء الدولار من وزارة المالية عند 1500 دينار، وبيعه إلى المصارف عند 1510 دنانير، وبيعه إلى الجمهور عند 1520 ديناراً، بعدما كان السعر الرسمي للمستفيد النهائي مثبتاً عند 1320 ديناراً منذ شباط/فبراير 2023. الفارق 200 دينار للدولار الواحد، أي خفض بنحو 15 في المئة من قيمة العملة المحلية. وُصف القرار رسمياً بأنه «إجراء يلبي المتطلبات المالية والاقتصادية والنقدية». غير أن السؤال الذي يتجاوز الصياغة التقنية يبقى معلّقاً: من يدفع كلفة هذا الخفض، ومن يقبض عائده؟
الرواية الرسمية: صدمة النفط وحدود الدفاع عن السعر التفسير الحكومي يستند إلى صدمة حقيقية. فالعراق يعتمد على النفط في نحو 90 في المئة من إيراداته المالية، ويبيع خامَه بالدولار ويدفع معظم إنفاقه الداخلي بالدينار. ومع اضطراب الصادرات عبر مضيق هرمز جراء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، هبطت الصادرات من أكثر من 3.6 ملايين برميل يومياً قبل الحرب إلى نحو 2.2–2.3 مليون برميل في آب/أغسطس، قبل أن تتعافى جزئياً في أيلول/سبتمبر إلى ما يقارب 2.6 مليون برميل. وفي موازاة ذلك، تراجعت الاحتياطيات الأجنبية من نحو 106 مليارات دولار قبل الحرب إلى قرابة 80 ملياراً في أواخر آب/أغسطس، بحسب تقديرات نقلتها وكالات أنباء، فيما تتحدث قراءات أخرى عن مستويات أدنى إذا استُبعدت الأصول الأقل سيولة.
ومع مشروع موازنة يقارب إنفاقه 217 تريليون دينار وعجز يتجاوز 40 تريليوناً، اختارت الحكومة أن تحصل على دنانير أكثر مقابل كل دولار نفطي، بدل الاستمرار في استنزاف الاحتياطي دفاعاً عن سعر 1320.هذا التفسير يصف الآلية، لكنه لا يجيب عن توزيع الكلفة. فالخبير محمد الصفار لخّص المعادلة بدقة في تصريح لرويترز: الخفض «يمنح الحكومة دنانير أكثر مقابل كل دولار من عائدات النفط، لكنه يرفع كلفة الاستيراد ويضعف القدرة الشرائية للأسر». والأهم أن البنك المركزي كان قد نفى، قبل أقل من أربعة أشهر، وجود توجّه لتغيير السعر. القرار إذن لم يكن تصحيحاً فنياً متدرجاً، بل انعطافه سياسية تحت ضغط العجز.
من نافذة المزاد إلى فجوة السعر: طبقة تتشكّل عند حافة العملة لفهم من يربح، لا يكفي النظر إلى قرار تشرين الأول. فبعد 2003 تحوّل «مزاد الدولار» الذي يديره البنك المركزي إلى أوسع قناة ريعية بعد النفط نفسه: تُباع الدولارات بالسعر الرسمي لمصارف وصيارفة وشركات ذات صلات، ثم يُعاد بيعها في السوق الموازية أو تُستخدم في الاستيراد بهامش مضمون. أنهى العراق هذا النظام رسمياً مطلع 2025 تحت ضغط أميركي لكبح تسرّب الدولار إلى جهات خاضعة للعقوبات، ولا سيما إيران. لكن الشبكة التي نمت حول المزاد لم تُفكَّك؛ تكيّفت. القيود على المعروض الرسمي عمّقت السوق الموازية، والفجوة بين السعرين صارت هي الربح. القرار الجديد لم يُغلق هذه الفجوة، بل أعاد تموضعها. فبعد ساعات من الإعلان قفز الدولار في السوق الموازية في بغداد إلى نحو 1780–1800 دينار، وفي أربيل إلى مستويات مقاربة، قبل أن يستقر في اليوم التالي قرب 1660، بعدما كان يتداول قبل الخفض في نطاق 1420–1490، وفي روايات أخرى قرب 1600–1650. من يستطيع النفاذ إلى الدولار الرسمي عند 1510–1520، ثم يلبي طلباً في سوق تتسع فوق ذلك، يقبض فرقاً بلا مخاطرة إنتاجية. ومن يحدد أهلية هذا النفاذ؟ ليس المستورد الأكفأ، بل الأقرب إلى الجهاز المصرفي وقرار الترخيص والنافذة السياسية. هكذا تستمر الدائرة: النفوذ يفتح باب الدولار، والدولار يراكم رأس المال، ورأس المال يعيد إنتاج النفوذ. وعند هذا التقاطع تمّحي الحدود بين "رجل الأعمال" و"صاحب القرار".
ضريبة تنازلية بلا قانون
الأثر على المواطن العادي مباشر. العراق يستورد سنوياً سلعاً بعشرات مليارات الدولارات، من الغذاء والدواء إلى السلع الاستهلاكية ومدخلات الصناعة، ويعتمد اعتماداً مرتفعاً على الخارج في الحبوب الأساسية، ولا سيما الأرز والقمح. خفض العملة بنسبة تقارب 15 في المئة يعني ضغطاً تضخمياً على كل سلعة مستوردة، غالباً بما يفوق نسبة الخفض نفسها حين تُضاف هوامش التجار وتكاليف التمويل والتخزين. وقد أُغلقت محال وصرافات في بغداد ومدن أخرى يوم الإعلان، في إشارة إلى أن السوق قرأت القرار بوصفه صدمة أسعار لا بوصفه «توحيداً» للصرف. الحكومة قد تلجأ إلى دعم انتقائي أو تثبيت نسبي لبعض السلع، لكن الخفض في ذاته ضريبة تنازلية خفية: يرفع الأسعار المقومة بالدينار على الجميع بالنسبة نفسها، بينما يستطيع من يملك أصولاً دولارية، أو حوّل مدخراته مسبقاً، أن يتحوّط.
مدخرات الأجر والراتب التقاعدي وقوت الطبقة العاملة تُؤكل بصمت. وفي بلد تشكّل فيه الرواتب العامة كتلة الإنفاق الأكبر، فإن ما تربحه الخزينة من دنانير إضافية مقابل برميل النفط، تخسره الأسرة في سلة الغذاء والدواء والإيجار. لهذا طالب نواب بإلغاء الجلسة الاعتيادية لمناقشة القرار، محذّرين من تحميل الكلفة للمواطن. الاعتراض البرلماني موجود؛ لكن ميزان القوة الذي أنتج السعر ليس في قاعة المجلس.
الدولة بوصفها آلية تراكم
هنا تظهر الحجة الأعمق. المشكلة ليست في «تدخل رجال الأعمال في السياسة»، وهي صياغة تُبقي الدولة بريئة، بل في أن الدولة نفسها صارت، في قطاعات واسعة، آلية لتراكم رأس المال الخاص. حين يحدث ذلك، لا تُقاس سياسة الصرف بمعيار استقرار الأسعار أو حماية الأجر، بل بميزانية الدائرة الضيقة داخل الشبكة: كم ديناراً إضافياً يدخل الموازنة لتمرير الرواتب من دون مساس ببنية الإنفاق الريعي، وكم هامشاً يبقى متاحاً لمن يملك بوابة الدولار. الخفض، بهذا المعنى، ليس خطأ نقدياً معزولاً ولا مجرد استجابة لـ«إغلاق هرمز». هو فصل جديد في منطق قائم منذ عقدين: تحويل المورد العام إلى ثروة خاصة، ودمج الولاء السياسي في شروط الربح. في 2020 خُفض الدينار من نحو 1182 إلى 1450 تحت صدمة أسعار النفط، ثم رُفع لاحقاً إلى 1320. كل دورة تُقدَّم بوصفها اضطراراً، وكل دورة تعيد رسم من يملك القدرة على العبور بين السعرين. وعندما تعجز السلطة، أو لا ترغب، في استخدام الاحتياطي للدفاع عن السعر، وتختار «تفريغ الضغط» بخفض واسع، فإنها تنقل كلفة التعديل من ميزانيتها إلى جيوب من لا يملكون سوى الدينار. الرقم الذي ظهر على شاشات الصرافين، 1520، لا يقيس قيمة عملة فقط. هو يقيس، في هذه اللحظة، قيمة العقد بين دولة ريعية ومجتمع يعيش على أجر مقوّم بعملة تُدار سياسياً. ومن يتحرك بطلاقة بين السعر القديم والجديد، وبين النافذة الرسمية والسوق الموازية، لا يرى في تراجع هذا العقد خسارة، بل شرطاً لارتفاع قيمة ما راكمه.

1079 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع