الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - شهادة عَيان للتأريخ ما قاله "صدام حسين" للشيخ "سعد العبدالله الصباح" عام (١٩٧٨)

شهادة عَيان للتأريخ ما قاله "صدام حسين" للشيخ "سعد العبدالله الصباح" عام (١٩٧٨)

                                              

                       د. صبحي ناظم توفيق
           "عميد ركن متقاعد... دكتوراه في التأريخ"
                      10/شباط/2019


شهادة عَيان للتأريخ- ما قاله "صدام حسين" للشيخ "سعد العبدالله الصباح" عام (1978)

تمهيد

لم يدفعني لخوض هذا المعلومات المستقاة من مذكراتي الشخصية سوى ما تحدّث به الأستاذ "حسن العلوي" عمّا كان يدور في خاطر "صدام حسين" منذ عام (1975) لإحتلال "الكويت"... وفي الوقت الذي لا أعتبر ذاتي على معرفة بهذه الأمور بقدر 10% مما في مكامن الأستاذ "العلوي"، لكني وددتُ أن أسرد ما شاهدتُه وإطّلعتُ عليه بشأن الحدود مع "دولة الكويت" بحكم منصبي في حينه ليس إلاّ.
فمنذ (تموز/1977) ولأكثر من عام واحد شاء قَدَري أن أشغل منصب ((ضابط ركن قسم القضايا الحدودية)) لدى "شعبة إعداد الدولة للحرب" وسط إحدى أهمّ دوائر وزارة الدفاع حسّاسية وإطلاعاً على أمور الدولة، والمتمثّلة بمديرية الحركات العسكرية التابعة لدائرة العمليات.
فالعلاقات الحدودية بين "العراق" ودول جوارها الأربع "تركيا، سوريا، المملكة الأردنية، المملكة السعودية" لم تكن تَشُبها شائبة تُذكَر من حيث إستقرارها وخلوّها من أية مشكلات... ولكن معضلات عديدة تواصلت -منذ التأريخ القديم- وظلّت عالقة مع الجارة الشرقية "إيران" جراء عدم الإتفاق النهائي حول (ثلاثة) مواقع بعد إبرام "إتفاقية الجزائر" في (6/3/1975)، وكذلك كان الحال حيال "دولة الكويت" لعدم ترسيم حدودها بشكل واضح متّفقٌ عليه مع "العراق" بواقع (230) كلم، رغم إنقضاء (46) سنة على منح "بريطانيا" إستقلالها عام (1961) وإنبثاق دولتها الفتيّة وقبولها -بضغط بريطاني- عربي وتأييد دولي وعلى وجه السرعة - عضواً لدى الجامعة العربية في تلك السنة، وقبل إنضمامها رسمياً لمنظمة الأمم المتحدة سنة (1963).
متعلّقات حدودنا مع الكويت
كان عليّ سبق النظر وإستيعاب هذه المشكلات العالقة مع تلكما الدولتين بإستطلاع مواقعها ميدانياً وسيراً على قدَمَيَّ لإستهضام ملفّاتها الخاصة والمحتضنة لوثائق -معظمها سرية للغاية- ومكاتبات وتقارير ومحاضر وفود وإجتماعات بينيّة ومعلومات وحقائق في غاية الأهمية، أُعِدَّتها مراجع عليا أو وردت من وزارات عديدة ودوائر حسّاسة حتى أمسيتُ بصورة وافية وعلى إستعداد لحضور أي إجتماع طارئ تفرضه الظروف الآنية.
ورغم كون الشوائب مع "إيران" أكثر حساسية من الناحيتين السياسية والتأريخية، لكني أُرجئ خوضها بمقالة مفصّلة لاحقة كي أركّز في هذه المقالة على ما عشتُه بأحد أيام عام (1978) في ما يخصّ الحدود مع الجارة "الكويت" وقتما كان "الشيخ جابر السالم الصباح" قد جلس قبل أشهر على كرسيّ الإمارة عقب وفاة أخيه "الأمير صباح السالم الصباح" أواخر عام (1977).
ففي تلك الفترة أعلمتنا وزارة الخارجية العراقية أن سمو "الأمير جابر" عازم على إثارة موضوعة ترسيم الحدود في قادم الأيام، لذلك أمسيتُ أستعيد مراجعة الملفات الخاصة مع الخرائط، وعرضتُ آخر المستجدات على الخريطة بإجتماع مصغّر أمام السيد رئيس أركان الجيش "الفريق أوّل الركن عبدالجبار خليل شنشل" ومعاونه للعمليات "الفريق الركن عبدالجبار عبدالرحيم الأسدي"، وبحضور مدير الحركات العسكرية "اللواء الركن سعدالله يونس الطائي" ومدير شعبة إعداد الدولة للحرب "العقيد الركن طارق صادق عبدالحسين".

               

الرئيس "صدام حسين" مع "الشيخ جابر السالم الصباح" أمير دولة الكويت

الحضور بمبنى المجلس الوطني
كان منتصف نهار (الثلاثاء- 14/3/1978) وقتما فتح "العقيد الركن طارق صادق" باب مكتبي طالِباً الإسراع إلى مكتب "اللواء الركن سعدالله" لأجده واقفاً ومرتبكاً في الـمَمَر وهو يأمرني بإصطحاب خرائط الحدود مع "الكويت" والتوجّه فوراً إلى مكتب "الفريق شنشل"... وعلى الرغم من كون خرائطي مؤشرة وجاهزة من جميع الوجوه وإضطراري إلى الركض وسط ممرات الدوائر، فقد وجدتُ "الفريق شنشل" على أعصابه متجهّماً عبوساً -كعادته- خارج مبنى ديوان الوزارة مشيراً عليّ بالجلوس إلى جنبه في سيارته العسكرية التي أسرَعَتْ بنا في شوارع "بغداد" ومن دون أنْ يوضّح لي وجهتنا، حتى إجتزنا بوّابة "مبنى المجلس الوطني"، والذي كان معظم العراقيين يعلمون أنّ "صدّام حسين" -نائب رئيس مجلس قيادة الثورة- قد إتّخذه مكتباً له ولدوائره منذ (1968).

وكانت المفاجأة أكبر حين دخلتُ برفقة السيد رئيس الأركان قاعة إجتماع متوسطة المساحة وقد جلس في جانب منضدة طويلة وعريضة وفدٌ يرتدي -بمعظم شخوصه- زيّاً خليجيّاً والبعض منهم عسكريّون، والذين لولا قيافتهم الرسمية الموحّدة لما إنتبهتُ أنهم كويتيّون، وبالمقابل وفد عراقيّ رفيع المستوى يماثلهم بالعدد ويمثّلون وزارات "الخارجيّة، الداخليّة، الماليّة"، وأوانَئِذٍ فقط أيقنتُ سبب حضوري هذا الإجتماع، ومن دون أنْ أستطيع -بطبيعة الحال- التحدّث مع السيّد رئيس أركان الجيش حول عدم بَوْحِهِ لي بهذا السرّ لأتَهَيّأ نفسيّاً.
لم ننتظر طويلاً حتى أطلّ علينا "الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح" وليّ العهد -والذي يتولّى مناصب رئيس الوزراء ووزير الداخلية والخارجية في وقت واحد- إلى جانب النائب "صدّام حسين" يصاحبهما وزير خارجيتنا "الدكتور سعدون حمّادي" حيث نهضنا جميعاً إحتراماً لهم.

                   

الشيخ "سعد العبدالله السالم الصباح" ولي العهد الذي تبوّأ رئاسة وزراء دولة الكويت منذ (16/2/1978)

     

نائب رئيس مجلس قيادة الثورة "صدام حسين" مع "الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح" وليّ عهد دولة الكويت ورئيس وزرائها عام (1978)
وبعد الإطراء والترحاب والمجاملات -المُعتادة- بشأن صداقة الدولتين العربيّـتَين الجارتَين الشقيقتين واللّتان تربطهما علاقات حسن الجوار والتأريخ المشترك، فقد عَرَضَ "د.سعدون حمّادي" -بلباقته المعهودة ورصانته- عدداً من المشكلات القائمة -من وجهة النظر العراقيّة- وأسباب عدم التوصّل إلى إتّفاق نهائيّ لتخطيط حدودهما وفقاً للمواثيق الدوليّة المُتَعارَف عليها، وقبل أنْ يأتي دور "الشيخ سعد" ليتطرّق إلى المعضلات -حسب الرؤية الكويتيّة- بالشأن نفسه، مُبْدِياً رجاءَه بأنّ هذا الوفد الكبير لم يأتِ لزيارة العراق الشقيق لأنْ يُرَدّ على يد كُرَماء معروفين بمواقفهم العروبيّة والفروسيّة، بل أتى لينهي أو يضع حدّاً لهذه المُتعلّقات ويمهّد لإبرام إتّفاق يُرضي الطرفَين ويريح بالهم.

                                          

الدكتور سعدون حمادي وزير الخارجية العراقية عام (1978)

وبعد أنْ طُلِبَ منّي سرد تفاصيل مواقع المراكز الحدوديّة المُحَدّدة المُخْتَلَف عليها، فقد أوضحتُ على خريطة ذات مقياس كبير (1/25,000) أنّ القوات الحدودية التابعة لدولة الكويت قد تجاوزت على الأراضي العراقيّة -حسب رؤيتنا المُسْـتَنِدة على مستمسكات رسميّة للحدود الإداريّة لـ"قضاء الكويت" الذي كان تابعاً لـ"ولاية البصرة" في عهد الدولة العثمانيّة، قبل أنْ تتحوّل إلى "محميّة بريطانيّة" وفقاً لمعاهدة ثنائية -لم تُبرَم بين دولتين- وبعمق يتراوح بين (13-20) كلم في أقصى البقاع الجنوبيّة لـ"محافظة البصرة" حيث أنشَأت "الكويت" في ربوعها (8) مخافر حدوديّة تحيطها أعداد من المدرعات الخفيفة والرشاشات الثقيلة، بعضها وقتيّة وغالبيّتها مخافر كونكريتيّة محصّنة... وذلك قبل أنْ ينهض "عقيد ركن كويتي" ليُدافِع بوجهة نظر مُغايِرة عن صحّة المواقع الكويتيّة تلك وعدم تجاوزها أرض العراق.
حديث "صدام حسين"
فاجأ "صدام حسين" الجميع عند مقاطعته ضابط الركن الكويتيّ، على الرغم من لباقته المعهودة بالإعتذار -في حينه- فساد الوجوم وجوه الشيوخ والآخرين ونحن معهم، قبل أنْ ينتبهوا بعدئذٍ لعباراته باللهجة العراقية المطعّمة مع مفردات بدوية:-
((يا إخوان... لقد أطِلنا الحديث بشأن موضوع تافه أثّر سَلباً حتى على أعصابنا التي نتمنّاها "رائقة" ونحن نستقبل إخوةً أعزّاء على قلوبنا ونفوسنا، هم ليسوا ببلدهم الثاني بل في بلدهم الأوّل.
يا إخوان إسمعوني جيداً، نحن عرب أشقّاء أوّلاً وأخيراً، لا حدود بيننا من حيث الأساس كي نختلف عليها، فأرض العرب واحدة يجمعهم وطن عربي واحد نحن أوّل الداعين لوحدته، وما هذه الحدود الشكلية سوى صنيعة المستعمرين وتقسيمهم، بينما نتصرّف -في الواقع- وكأننا مُتَنازعون على إرث؟؟ لذلك إنْ كنتم قد إنتهيتم من شروحاتكم وخطاباتكم، فإني أُخَوّل نفسي بالقول لكم أنْ تعودوا إلى بلدكم وقتما تشاؤون براحة بال وطمأنينة، وسنزوّدكم نحن بخريطة فارغة أُوَقِّعُ شخصيّاً على بياضها، لتُخطّطوا عليها حدود "دولة الكويت" الشقيقة مثلما يروق لكم من دون تحفّظ ولو بلغتم حدود "بغداد" العزيزة، وأعِدكم بموافقتنا على كلّ تأشيراتكم مُسبَقاً من دون أن نتدارس تفاصيلها.
والآن فلنترحّم على روح فقيدنا الغالي "الشيخ صباح السالم" الطاهرة مع تمياتنا بالموفقية لخلفه "الشيخ جابر" الشقيق، ولنتوكّل على الله ونتناول طعام الغداء قبل أن نزور السيد الرئيس "أحمد البكر" للسلام عليه، فهو بإنتظارنا)).
الكويتيين يعمّهم الفرح
صَفَّقَ الوفد الكويتيّ فرِحاً، وتَحاضَنَ الشيوخ مع "صدام حسين" مُغتَبِطين بالنتيجة التي آلت إليها زيارتهم غير المعلنة وهذه الجلسة التأريخيّة، وأمرَني "الفريق شنشل" أنْ أُسلّم للعقيد الركن الكويتيّ خريطتي الخاصة على أن تكون فارغة من أية تأشيرات، فأخرجتها من المحفظة وأودعتُها بين يديه بعد أن وقّعتُ في زاويتها العليا وجعلتُه يوقّع كذلك إلى جانبي كي تعتبر الخريطة ذِمّةً تُعاد إلينا ذاتها لاحقاً.

    

الفريق أول الركن عبدالجبار خليل شنشل رئيس أركان الجيش العراقي عام (1978)
بعده توجّهنا لنتناول طعاماً لم أشهد له مثيلاً في صنوفه وأسلوب عرضه وفواكهه ولذائذ مرطّباته وحلويّاته منذ إنطلقتُ من رَحِم أمّي إلى هذه الحياة وإنقضاء (33) سنة حتى ذلك اليوم.
ما آلت إليه الخريطة
إنقضى (3) أشهر قبل أن إستلم الخريطة ذاتها من وزارة خارجيّتنا وقد خطّطَ عليها الكويتيّون الحدود الشمالية لدولتهم مع العراق -حسب رؤاهم وطموحاتهم- فصَوَّرتُ منها نُسَخاً لنحتفظ بها بمثابة وثيقة شبه رسميّة لدى شعبتنا، فتكاملت ملحوظاتنا الإيجابية وتحفّظاتنا السلبية بشأنها ورُفِعَت إلى وزارة الخارجية بتوقيع السيد وزير الدفاع "الفريق أول الركن عدنان خيرالله".
مساء (الأحد 25/6/1978) رأس الدكتور "سعدون حمادي" إجتماعاً إستغرقت (4) ساعات بديوان وزارته:-
• رئيس الدائرة العربية بوزارة الخارجية.
• مدير عام المساحة- ممثلاً عن وزارة المالية.
• العقيد الركن "ثامر حمد الحمود"- مدير شعبة الحركات في قيادة قوات الحدود- ممثلاً عن وزارة الداخلية.
• العقيد البحري الركن "عبد محمد الكعبي"- مدير شعبة العمليات لدى قيادة القوة البحرية- ممثلاً عن القيادة.
• المقدم الركن صبحي ناظم توفيق- ضابط قسم القضايا الحدودية لدى مديرية الحركات العسكرية- ممثلاً عن وزارة الدفاع.
آخر المطاف
وبعد تكامل الآراء والملحوظات والتحفّظات فقد رفعها السيد وزير الخارجية -مرفقة بتلك الخريطة وخرائط أخرى أكثر تفصيلاً- إلى مكتب "السيّد النائب" الذي يبدو أنه لم يبتّ فيها أو يُعَلّق عليها، حيث لم تُعَد إلينا لـِما يربو على (6) أشهر، ولربما كانت المنطقة في تلك الأشهر منشغلة بأخبار المظاهرات المتصاعدة في الشارع الإيراني والتي أدّت إلى إنهيار نظام الشاه "محمد رضا بهلوي" أوائل (شباط/1979)، وأُقْحِمَ الشرق الأوسط برُمّـته في خضمّ مواقف أنست "العراق والكويت" خلافات حدودهما، وتورّط "العراق وإيران" في حرب ضروس لثماني سنوات متتالية وعلى مقربة من سواحل الكويت وأرضها، ولذلك لَم تُثِرها الدولتان لغاية قرار النظام العراقيّ بغزوها يوم (2/8/1990) والذي لم يخطر على بال أحد وقوعه، وما زلنا نعاني من تبعاته وذيوله وإرهاصاته لحد يومنا الراهن.

الگاردينيا: الف الحمد لله عالسلامة دكتور.. سلامة عيونك

   

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

593 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع