أم كلثوم في ذكرى وفاتها .. الصوت الخالد

      


  أم كلثوم في ذكرى وفاتها ... الصوت الخالد

                   

         

    

        

أم كلثوم هو الاسم الفني لـ "فاطمة إبراهيم البلتاجي" وهي مطربة مصرية، اشتهرت في مصر وفي عموم العالم العربي والعالمي في القرن العشرين ولقبت بـ "كوكب الشرق" و"سيدة الغناء العربي".

توفيت عن عمر يناهز 71 عاما (حسب التاريخ الرسمي لميلادها). تاريخ الميلاد المعتمد لأم كلثوم هو 4 مايو 1904، بالرغم من أن البعض يرجح ان تكون من مواليد 20 ديسمبر 1898. ولدت في محافظة الدقهلية لإبراهيم البلتاجي مؤذن قرية طماي الزهايرة، مركز السنبلاوين، كانت تحفظ وتغني القصائد والتواشيح هي وأخاها خالد إبراهيم البلتاجي. وفي حدود سن العاشرة كانت قد أصبحت تغني أمام الجمهور في بيت شيخ البلد في قريتها.

                                          

البدايـــات الأولى:
كوكب الشرق أم كلثـــوم، هكذا عرفها الملايين في العالم العربى على مدى نصف قرن من العطاء المتواصل والنجاح الباهر بصوتها الجميل وأدائها الرائع وتعبيرها الأخاذ وبأحب ما تغنى به الناس من كلمات وألحان. من فلاحة بسيطة في إحدى القرى إلى كوكب الشرق، رحلة مليئة بالكفاح والإصرار على التفوق حتى آخر العمر، وفى وسط الحروب والصراعات والملوك والبسطاء غنت أم كلثوم لمجد الجميع ولرفعتهم وأنشدت ما اهتزت له مشاعر العرب شرقا وغربا على مدى عشرات السنين.

          
 
أم كلثوم مع والدها الشيخ البلتاجي عام 1901

قيل في أم كلثوم أنه لم يجتمع العرب على شيء مثلما اجتمعوا في صوت أم كلثوم، أضحى الغناء بصوتها رمزا للعروبة إذ أنها كانت تتأنى كثيرا في اختيار ما تغنيه، ولم تكن تقبل إلا شعر كبار الشعراء قديمهم وحديثهم، وقد غذت أم كلثوم بأغنياتها فرعا هاما من فروع القومية العربية باستطاعتها توحيد الوجدان العربى وتعبيرها عن المشاعر العربية الأصيلة كلاما ونغما وأداء.
وقد عرف عن أم كلثوم شخصيتها القوية واحترامها لنفسها ولفنها فاحترمها الملوك والزعماء كما احترمها عامة الشعب وأحبها الناس في كل مكان، وتفردت بمكانة عالية في الفن والمجتمع لم تصل إليها أية مطربة في الشرق.
ولا شك أن النموذج الذي قدمته أم كلثوم يصب في خدمة الفن من عدة أوجه:
•اختيارها للراقي من الكلمات وتفضيلها لشعر العربية الفصحى.
•اختيارها لأبرع الملحنين: وأهمهم محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب.
•حفاظها على الصورة المحترمة للفن.
•تطويعها للفن في خدمة قضايا أمتها العامة.
•إخلاصها لجمهورها بتقديم الجيد والجديد.

 

ومن أهم قصائدها ولد الهدى، سلوا قلبي، نهج البردة لأحمد شوقي، رباعيات الخيام ترجمة أحمد رامي، أراك عصى الدمع لأبى فراس الحمداني والأطلال لإبراهيم ناجى.
عام 1917 بدأت أم كلثوم الغناء وهي في الثالثة عشرة من عمرها مع فرقة أبيها متجولة في القرى والأرياف، غالبا سيرا على الأقدام، كمنشدة للتواشيح الدينية والقصائد، وكانت ترتدى الزي العربى متشحة بعقال على رأسها، وسرعان ما ظهرت موهبة أم كلثوم فأصبحت منشد الفرقة الأساسي،
وتقول أم كلثوم أن الأسرة بدت وكـأنها قد طافت بكل مكان في دلتا النيل قبل أن تضع قدما لها في القاهرة التي نصحها الكثيرون بالذهاب إليها.
ما بين 1916 و1919 التقت أم كلثوم باثنين من كبار الفنانين هما الشيخ أبو العلا محمد والشيخ زكريا أحمد، وقد استمع كلاهما إلى صوتها وامتدحا أداءها لكنها لم تتعامل معهما فنيا إلا عندما استقرت بالقاهرة.
عام 1920 غنت أم كلثوم في القاهرة لأول مرة ثم عادت إلى قريتها مبهورة بأضواء العاصمة وأملت في العودة إليها مرة أخرى.

    

 الحياة في العاصمة:
عام 1921 عادت أم كلثوم فعلا إلى القاهرة لتغنى مع فرقة والدها وسنحت لها الفرصة لكي يسمع صوتها جمهور العاصمة وفنانوها مثل الشيخ على محمود والشيخ على القصبجي والد محمد القصبجى والشيخ أبو العلا محمد، وقد أعجب بصوتها وأصبح معلمها الأول ثم غنت له بعض القصائد وشجعها على ارتياد مجالات جديدة في الغناء غير التواشيح.

   
 
ام كلثوم في بداية مشوارها
عام 1923 بدأت أم كلثوم في إحياء حفلات لبعض أعيان القاهرة التي تم ترتيبها بواسطة متعهدي الحفلات في العاصمة، وبدأ نجمها يسطع ودخلت في منافسة مع أشهر مطربات ذلك الوقت مثل نعيمة المصرية، منيرة المهدية، فاطمة سرى وفتحيه أحمد.
عام 1924 قدم الشيخ أبو العلا أم كلثوم إلى الشاعر أحمد رامي الذي تولى تعليمها أصول اللغة والشعر، وأظهرت استعدادا كبيرا للتعلم فتحسن مستواها وأضافت مهارات جديدة إلى مهاراتها الغنائية، ومع استعدادها الشخصي للتطور أتيحت لها فرصة اكتساب أسلوب حياة المدينة باختلاطها بسيدات الطبقة الراقية من خلال حفلاتها في العاصمة فغيرت من مظهرها وأسلوبها وأصبح لها كيان جديد.
البدايات الكبرى:
 عام 1924 كان عام البدايات الكبرى لأم كلثوم، وفى ذلك العام تعرفت على نخبة من صفوة الفنانين والشعراء كانوا لها أفضل معين على ارتياد الصحيح والجيد من آفاق الفن، ولم يكن هؤلاء مجرد معلمين لها بل ساهموا بشكل كبير في تشكيل شخصية أم كلثوم والانتقال بها من فتاة ريفية بسيطة إلى شخصية عامة، ومن هؤلاء من الملحنين الشيخ ابو العلا محمد والأستاذ محمد القصبجى ومن الشعراء أحمد رامي وأحمد شوقي.

      

زكريا أحمد وفريد الأطرش وأم كلثوم ورياض السنباطي ومحمد القصبجي

أم كلثوم تغنى للقصبجي:
في نفس العام - أي 1924 - سجلت أم كلثوم بصوتها لإحدى شركات الاسطوانات أحد ألحان الموسيقار محمد القصبجى قبل أن تتعرف إليه هو طقطوقة قال إيه حلف ما يكلمنيش مقام راست من كلمات أحمد رامي، وكمن عثر على كنز قرر صاحب الشركة تعريفها بالموسيقار صاحب اللحن فقدمها إليه ثم قام القصبجى بتدريبها بعد ذلك كما تولى تعليمها المقامات الموسيقية والعود كما بدأ يلحن لها أغنيات خاصة بها وحتى عام 1928 كان قد لحن لها 17 أغنية ما بين الطقطوقة والمونولوج منها ينوبك ايه من تعذيبي ، قلبك غدر بي ، تراعى غيرى ، أحبك وانت مش دارى ونشأت بينهما صداقة فنية استمرت حتى وفاة القصبجى عام 1966.
 
القصبجي مع أم كلثوم وعبد الوهاب
وقد يجدر بنا التوقف لحظة عند هذا الحدث قبل متابعة رحلة أم كلثوم، فإنه يظهر من متابعة أسلوب التعامل مع شركات الإنتاج في ذلك الوقت أنها كانت تقبل ألحانا من ملحنيها دون غنائها بواسطة مطرب معين، وتشترى من الملحن حق التصرف في اللحن بتسجيله وطبعه ونشره وإسناده أيضا إلى مطرب أو آخر ممن يتعاملون معها دون ضرورة للقاء الملحن والمطرب، وقد قام بهذا هذا محمد القصبجى وزكريا أحمد، كما قام به قبلهم سيد درويش، وهذا هو سر غناء أم كلثوم بل تسجيلها لأحد ألحان القصبجى قبل أن تلتقي به.


أم كلثوم تغنى أغنياتها الخاصة:
في نفس العام 1924 أيضا، تعرفت أم كلثوم إلى طبيب أسنان يهوى الموسيقى هو أحمد صبري النجريدي، وغنت من ألحانه 14 أغنية منها قصيدة مالي فتنت بلحظك الفتان مقام بيات من شعر على الجارم، أنا على كيفك مقام بيات من كلمات أحمد رامي، مونولوج الحب كان من سنين مقام جهاركاه، الفل والياسمين مقام نهاوند. والدكتور أحمد صبري هو أول ملحن يلحن لأم كلثوم ألحانا خاصة بها، إذ أنها قبل ذلك كانت تغنى إما ألحانا سبق غناؤها بواسطة مطربين آخرين أو كما حدث مع محمد القصبجى تغنى لصالح شركات الإنتاج ما يعرض عليها من ألحان.

                   

عام 1926 تكونت لأم كلثوم فرقتها الموسيقية بقيادة محمد القصبجى الذى اختار لها أمهر العازفين وبدأ يزودها بألحانه ، ومع ازدياد نشاطها بدأ صوتها يلفت الانتباه وظهر اسمها في بعض الصحف ودخلت بذلك في منافسة قوية مع أكبر مطربتين من ذوات الألقاب الرنانة وهما سلطانة الطرب منيرة المهدية وكانت لها فرقتها الغنائية والمسرحية الخاصة ، ومطربة القطرين (مصر وسوريا) فتحية أحمد وقد غنت كلاهما لكبار الملحنين بما فيهم سيد درويش نفسه، وبدأت مع الفرقة الحديثة تقديم حفلاتها على نفس الدور الكبرى التي شهدت حفلات المشاهير.
عام 1928 غنت أم كلثوم أول أغنية لها من قالب المونولوج من ألحان القصبجى هي (إن كنت اسامح)، وقد لاقت نجاحا كبيرا، وكانت حتى ذلك الوقت قد غنت له مجموعة كبيرة من الأغاني بدءا من عام 1924 معظمها من كلمات أحمد رامي، وشهد نفس العام منافسة كبرى بينها وبين محمد عبد الوهاب ليس فقط من حيث الغناء بل من حيث تقديم الجديد الحديث، ولمحمد القصبجى الفضل الأول في هذه المنافسة الجديدة بألحانه المتطورة. وفي نفس العام أيضا سجلت أم كلثوم 4 قصائد للشيخ أبو العلا أعقبتها 4 قصائد أخرى عام 1930 أشهرها (أفديه إن حفظ الهوى) لابن النبيه المصري، مقام بيات، (وحقك أنت المنى والطلب) لعبد الله الشعراوي، مقام هزام، (الصب تفضحه عيونه) لأحمد رامي، مقام بيات، و (أراك عصى الدمع) لأبى فراس الحمداني، مقام بيات، التي أعاد تلحينها رياض السنباطي لأم كلثوم من مقام الكرد عام 1964، وهي قصيدة غناها المطرب الشهير عبده الحامولى في القرن 19.

      
 
أم كلثوم في إحدى أغنياتها
ولنا وقفة قصيرة عند قصائد أبو العلا، فقصائد الشيخ قد سبق تقديمها قبل أم كلثوم ولم تكن ألحانا خاصة بها ، وقد كان شائعا في أوائل القرن العشرين أن يقدم المطربون قصائد بعينها بصرف النظر عن تفرد أحدهم بها ، وكانت المباراة بين المطربين تكمن في كيفية أداء نفس القصيدة وهنا تظهر موهبة وإمكانيات كل صوت ، أما ما استجد بعد ذلك من تخصيص أغنيات معينة لكل مطرب لا يغنى سواها فقد أدى إلى انعدام هذا النوع من المنافسة القوية وظهور مطربين لا يجيدون غناء أي شيء إلا ما تم وضعه تحديدا لهم حسب إمكانيات أصواتهم ، وإلى أن وصل الحال مع نهاية القرن العشرين إلى دخول غير الموهوبين ميدان الغناء مما أحدث كثيرا من الفوضى الغنائية.
عام 1930 شهد بداية طفرة كبيرة استمرت حتى عام 1932 في إنتاج أم كلثوم من حيث كم الأغاني وعدد الملحنين ، فقد قدمت في تلك الفترة القصيرة أكثر من 50 أغنية جديدة ، وغنت في نفس الوقت لأربعة ملحنين هم محمد القصبجى داود حسنى والشيخ ابو العلا وزكريا أحمد ، ولم يستمر هذا الوضع طويلا فقد فضلت أم كلثوم بعد ذلك الاقتصار على ملحن واحد لفترة زمنية طويلة تنتقل بعده إلى ملحن آخر لفترة أخرى ، ماعدا فترة الأربعينات حيث كانت تغنى للثلاثة الكبار معا ، القصبجى وزكريا والسنباطي، والستينات التي شهدت تنافسا كبيرا بين ثلاثة أيضا هم محمد عبد الوهاب والسنباطي وبليغ حمدي.

                        

أم كلثوم تغنى لداود حسنى:
في نفس العام 1930 بدأت أم كلثوم التعامل مع الموسيقار داود حسنى الذي لحن لها عشرة ألحان من قالب الدور، منها (شرف حبيب القلب) مقام حجاز كار، (البعد علمني السهر) مقام بيات، (يوم الحنة) مقام راحة أرواح، (قلبي عرف معنى الأشواق) مقام صبا، (كنت خالي) مقام بيات، وطقطوقة واحدة هي (جنة نعيمي) مقام حجاز كار، وداود حسنى وهو أحد اثنين من أساتذة الموسيقى الأكاديميين الكبار ثانيهما هو كامل الخلعى، ظهرا قبل عصر سيد درويش واستمرا بعده.

             


الشيخ زكريا يلحن لأم كلثوم:

عام 1931 غنت أم كلثوم لأول مرة من ألحان الشيخ زكريا أحمد اللي حبك يا هناه وهي طقطوقة من مقام الرست من كلمات أحمد رامي، وفى خلال عامي 1931 و1932غنت من ألحانه 15 أغنية منها خمسة أدوار من الأدوار التسعة التي لحنها زكريا لأم كلثوم أشهرها (ياقلبى كان مالك) مقام رست، (هوة ده يخلص من الله) مقام زنجران وإمتى الهوى مقام راحة أرواح.
أم كلثوم تجرب التلحين:
عام 1932 أضافت إلى قائمة ملحنيها ملحن جديد هو أم كلثوم نفسها، فقد قامت بوضع أول لحن لها في طقطوقة (على عيني الهجر)، مقام رست، وكررت تجربة التلحين مرة أخرى في مونولوج (يا نسيم الفجر) عام 1934 لكنها توقفت عن التلحين تماما بعد ذلك، وربما أدركت من تلك التجربة أنها لن تصل في التلحين إلى قمة ما، وتعلمت أن التلحين موضوع مختلف تماما ومن ثم اقتصر نشاطها على الغناء.
 
أم كلثوم ومحاولات متعثرة في التلحين
عصر الإذاعة:
عام 1934 دعت الإذاعة المصرية أم كلثوم للمشاركة في افتتاح الإذاعة بصوتها. وفى نفس العام بدأت إقامة حفلات شهرية استمرت كتقليد منتظم لمدة 40 عاما حتى عام 1973، وفى تلك الحفلات كانت تقدم أغنياتها الجديدة، ولاقت تلك الحفلات نجاحا استقطب الجمهور من جميع البلاد العربية. وكان فضل الإذاعة كبيرا على أم كلثوم حيث ظلت تنقل حفلاتها الشهرية مباشرة على الهواء في الخميس الأول من كل شهر فسمعها الملايين في كل مكان.

       


ظهور السنباطي:
عام 1935 غنت أم كلثوم لرياض السنباطي لأول مرة من كلمات أحمد رامي على بلد المحبوب مقام بيات، وقد أدى ظهور السنباطي في حياة أم كلثوم الفنية إلى مرحلة جديدة في فن أم كلثوم تقودها ألحانه استمرت لأربعة عقود حتى عام 1973، وهو الملحن الوحيد الذي استمر يلحن لها بانتظام دون خلاف أو انقطاع أو مقاطعة، وكاد طوال الخمسينات أن يكون ملحن أم كلثوم الوحيد.

  


ام كلثوم في السينما:
عام 1936 ظهرت أم كلثوم في أول فيلم سينمائي بعنوان وداد قصة أحمد رامي قامت ببطولته تمثيلا وغناء، تلته خمسة أفلام أخرى قدمت فيها العديد من الأغاني لكبار الملحنين كان آخرها فيلم فاطمة 1947 وهو آخر ظهور لها في السينما.
كوكب الشرق في بلاد الرافدين:
زيارتين قامت بهما أم كلثوم للعراق منذ زمن بعيد، ويبدو واضحا أن للعراق مكانة خاصة في روح أم كلثوم ـ رحمها الله -كانت الزيارة الأولى في بدايات شهرتها، وكانت الثانية في قمة مجدها. كانت الزيارتان إبان العهد الملكي في العراق، وكانت كل من الزيارتين تشكل ظاهرة تاريخية عراقية. كانت الأولى في عام1932م وكان قد حضر بغداد من قبلها الموسيقار محمد عبد الوهاب، وغنى للشاعر أحمد شوقي «يا شراعا فوق دجلة يجرى» مادحا فيها ملك العراق فيصل الأول.. ثم وصلت أم كلثوم برا إلى بغدد برفقة فرقتها التي فيها الموسيقار محمد القصبجى، فاستقبلت استقبالا حافلا لا يمكن تخيله. وغنّت أجمل أغنياتها من القصائد التي كان قد لحنـــها لهــا الموسيقار الشـــيخ أبو العلا محمد.. والملحن الطبيب أحمد صبري النجريدى، والتقت في العراق بعدد من كبار الموسيقيين والمطربين وقراء المقام القدماء. كما غنّت لأول وآخر مرة في حياتها أغنية عراقية صعبة على إيقاع الجورجينة العراقي، يقول مطلعها: «قلبك صخر جلمود ما حنّ عليّا.. وأنا بقهر وبضيم والبيّا بيّا» التي كانت تغنيها المطربة العراقية الشهيرة سليمة باشا مراد، فأبدعت أم كلثوم فيها.
عدّت زيارتها الأولى، ظاهرة فنية واجتماعية وثقافية معا، إذ إنها أثارت قرائح الشعراء العراقيين، فنظموا القصائد، وكتبت المقالات في مدحها، وبقيت حديث المجتمع البغدادي لفترة طويلة، وهي تشّنف الآذان من خلال الكرامافون الذي كان قد انتشر في المقاهي والبيوتات البغدادية. ولعل من أشهر الشعراء والأدباء الذين مدحوها: محمد رضا الشبيبى وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي ومحمد بهجة الأثري وإبراهيم أدهم وغيرهم.. لقد حياها الزهاوي بقصيدة على مسرح الهلال يوم 15 نوفمبر 1932 بقوله: لفن روض أنيق غير مسؤوم وأنت بلبله يا أم كلثوم. لقد حملت أم كلثوم معها ذكريات عطرة عن العراق الذي احتفى بها احتفاء لا يضاهى حكومة ونخبة وشعبا، كما وتوثقت علاقتها برجالات العراق، وكان في مقدمتهم الأستاذ أرشد العمري أمين العاصمة ووصلت شهرة أم كلثوم إلى ذروتها على المستوى الشعبي العراقي.

            


 أم كلثوم في زيارتها الأولى الى بلاد الرافدين في العام 1932

وفى العام 1946، وجهّت إليها دعوة خاصة من الحكومة العراقية، وبالذات من قبل الوصي على العرش الأمير عبد الإله الذي كان يكن لأم كلثوم تقديرا كبيرا، كتب محرر مجلة الراديو المصرية قائلا: " استقلت نفحة الله للشرق أم كلثوم متن الطائرة في صباح 2 مايو / أيار قاصدة أرض ليلى لإحياء ليلة عيد ميلاد الملك الحبيب فيصل الثاني صاحب عرش العراق الشقيق. وقد كانت الحفاوة بأم كلثوم في العراق احتفاء بمصر وبسيدة الفن في مصر، كما كان سفر أم كلثوم لإحياء عيد مليك العراق رسالة عاطفية من القاهرة إلى بغداد حملتها أكرم سفيرة للفن المصري. وقد نزلت الطائرة بأم كلثوم في مطار الحبانية قبيل الظهر فوجدت في استقبالها ياور الوصي على عرش العراق الذي حياها باسم سموه الكريم ورافقها إلى العاصمة في إحدى السيارات الملكية حيث قصدت رأسا إلى القصر الملكي تقيد اسمها بدفتر التشريفات وهناك تشرفت بمقابلة جلالة الملكة الوالدة «عالية» وصاحبات السمو شقيقاتها الأميرات وشقيقها الأمير عبد الإله الوصي على العرش الذين غمروها بعطفهم ورعايتهم " .. ثم ذهبت أم كلثوم إلى فندق ريجنت الذي نزلت فيه ضيفة على الحكومة العراقية، وفى المساء ذهبت إلى الحفلة الساهرة الكبرى التي أقيمت بحديقة قصر الرحاب احتفاء بعيد ميلاد الملك الطفل فيصل الثاني، وكان أصغر ملك في العالم، إذا تجاوز عشر سنوات من عمره تلك الليلة «ولد 2 مايو 1935 وقتل 14 يونيو 1958». وقد حضره الملك الطفل برفقة خاله الوصي وكل الوزراء والوجهاء والأعيان والسفراء والقواد العسكريين والكل يلبسون الملابس الفورمال السوداء.. كانت أم كلثوم تجلس على الكرسي، وأخذ بعض المدعوين يقدم لها إعجابه الشديد بصوتها وأدائها وحفلاتها الشهيرة. وعندما بدت أم كلثوم على المسرح، استقبلت بالتصفيق الحار، وبدأت الفرقة الموسيقية تعزف موسيقى «يا ليلة العيد» التي أنشدتها في فيلم «دنانير» والذي عرض عام 1940 وهي من كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي، وحين ذكرت اسم فيصل الثاني قوبلت بعاصفة من التصفيق. كانت الحديقة قد لبست حللا زاهرة من الزينات ونسقت المصابيح الكهربائية حتى بدت كما تصفها أم كلثوم كأنها قطوف دانية من فاكهة الربيع. تفضل سمو الأمير عبد الإله بتقديم الآنسة أم كلثوم بنفسه إلى كبار المدعوين، ثم غنت أم كلثوم. فأرهفت لها الأسماع. غنت فسهر العراق كله ليسمعها إذ كانت الحفلة مذاعة في أرجاء العراق. كما أشارت الى ذلك التقارير.

  

   أم كلثوم مع الوصي ونوري السعيد في زيارتها الثانية للعراق

بعد استراحة قصيرة غنت «سلوا كؤوس الطلا» على مدى ساعتين، وغنت «غنيلى شوى شوى»، وأغنية «وكل الأحبة اتنين اتنين» لقد صدحت ما ينوف على الثلاث ساعات، وهي تغنى أجمل وأصعب القصائد والأغاني وتقود الفرقة الموسيقية وتتنقل في عالم الأنغام من دون أي خطأ أو تحريف. وامتدت الحفلة حتى الساعة الثالثة صباحا.. وكانت الست وحدها نجمة الحفل حتى آخر الليل، وقد لوحظ أن الملك الطفل وخاله الوصي على عرشه قد تأخرا قليلا، إذ خرجا يطوفان أرجاء بغداد ليشهدا فرحة الناس بأم كـلثوم، فلـما عـادا قــال الأمــير عبد الإله: لو أنى وزعت على كل عراقي كيسا مملوءاً بالذهب، لما استطعت أن أدخل هذا السرور على قلوب أهل العراق

              
 
أم كلثوم وهي تحمل وسام الرافدين عام 1946
أصبح الصباح، فإذا بأم كلثوم في ريجنت بالاس، مليكة الفن وجموع الشعب والهيئات الفنية والمعاهد بأعلامها تهتف لها ولمصر في طرقات بغداد والكبراء والعظماء ورجال الصحافة يتوافدون على الفندق لتحيتها. وقبيل الظهر اتصل بها القصر الملكي «تلفونيا»، لتجد الطفل فيصل الثاني على الخط يثنى عليها قائلا: " سّتي نحن في انتظارك على الغداء"! وتناولت طعام الغداء على المائدة الملكية، حيث قال لها جلالة الملك: أنت كنت الليلة زينة أكثر مما سمعتك في الإسكندرية. وبعد ظهر اليوم نفسه، حضرت أم كلثوم حفل استقبال من قبل السيدة حرم الباشا نوري السعيد في دارها، حضرتها صفوة سيدات العراق، فما أن دخلت عليهن حتى قوبلت بعاصفة من التصفيق واحتفى بأم كلثوم.. حتى أذن ببدء الحفلة الساهرة التي أقامها وزير مصر المفوض في العراق بدار المفوضية المصرية، وشرفها الأمير والوزراء ورجال السلك السياسي ووجوه القوم، وقد أعد بدار المفوضية جناح خاص لجلالة الملكة الوالدة وصاحبات السمو أميرات العراق وكرائم العقيلات. ذهبت أم كلثوم إلى دار المفوضية المصرية، وظلت تنتقل بين جناحي الرجال والسيدات ثم غنت لهم «سلوا قلبي» ثم «أهل الهوى» فأبدعت ما شاء لها الإبداع. وفى ختام الحفلة قلدها الأمير عبد الإله وسام الرافدين كما قدم لها باسم الملكة عالية عقدا فاخرا من اللؤلؤ بين تصفيق الحاضرين فتقبلتهما شاكرة وداعية للعراق وملكه وأهله. لقد أحيت أم كلثوم عدة حفلات خاصة لأعيان بغداد، واستمرت علاقة العراقيين قوية بأم كلثوم، إذ كانوا ينتظرون حفلتها الشهرية ليسهروا معها من خلال الراديو.

                   

انت عمري... لقاء السحاب:
تظل انت عمري أكثر أغنية لأم كلثوم حظيت بالاهتمام من الجماهير وترقب مولدها ملايين العرب وذلك بالمقارنة بما سبقها وتلاها من أغنيات ..كانت اللقاء الكبير بين أم كلثوم وعبد الوهاب بعد انتظار دام ثلاثين سنة وأكثر ..وبعد أن أحاطاه العملاقان بالسرية التامة والتحفظ والكتمان ظهر ذلك العمل الفني في السادس من فبراير 1964. الحفل الأول لهذه الأغنية رويت عنه حكايات عديدة ونسجت حوله الأساطير ومازال عشاق أم كلثوم ينتظرون سماع التسجيل الكامل لذلك الحفل الذي لا يذاع في الإذاعة وتسجيله المتداول بين الهواة إما ناقص أو بجودة رديئة للغاية. لقاء العملاقين هذا استحق عمل بحث عنه أقدمه هنا للجميع بمناسبة احتفالنا بذكرى كوكب الشرق التي مازال فنها يستهوي الصغير والكبير بالرغم من رحيلها عن عالمنا في الثالث من فبراير 1975.

    
 
أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب في بوستر الأغنية
ما قبل اللقاء:
لهذا اللقاء قصة طويلة تبدأ من خمسة أعوام سبقت ظهوره للجماهير ..فذات يوم دق جرس التليفون في بيت عبد الوهاب ..وكان المتحدث أحمد شفيق كامل. بدأ أحمد شفيق كامل يقرأ كلمات أغنية جديدة لعبد الوهاب ليبدي رأيه فيها، وأحس عبد الوهاب بكلمات الأغنية وطلب من أحمد شفيق كامل أن يأتيه بالكلمات كاملة لأنه قرر تلحينها لنفسه. في ذلك الوقت كان عبد الوهاب يفكر في عمل مشترك بينه وبين أم كلثوم وعرض فكرته على أحمد الحفناوي عازف الكمان في فرقة أم كلثوم ورجاه أن يجس نبضها في ذلك الموضوع، فعاد إليه بعد أيام يعلن الموافقة المبدئية لأم كلثوم على هذا المشروع. وحدث أن أصيب عبد الوهاب في الحادث المشهور حينما اعتدى عليه " مجنون عبد الوهاب " ونقل إلى المستشفى ..و زارته أم كلثوم وقتها وكان عبد الحليم موجوداً وفتح الكلام في الموضوع القديم – موضوع تلحين عبد الوهاب أغنية لأم كلثوم – وأبدت أم كلثوم استعدادها ..وعندما خرج عبد الوهاب من المستشفى كانت فكرة التعاون الفني بينهما قد استقرت في ذهن الاثنين وأخذ عبد الحليم يلح بها على رأس عبد الوهاب بين الحين والآخر وبعدها عرض عبد الوهاب مجموعة من الأغاني على أم كلثوم ومنها أغنية أحمد شفيق كامل التي أعجبت بكلماتها فاختارتها في منزل أم كلثوم اجتمع كل من أم كلثوم وعبد الوهاب وأحمد شفيق كامل لقراءة الأغنية من جديد ..واعترضت أم كلثوم على بعض الكلمات ..وكانت الأغنية تبدأ بـ ...
“شوقوني عينيك لأيامي اللي راحوا"
فغيرتها إلى
“رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا"
وفي مقطع آخر ..
“من حنان قلبي اللي بيشابي لحنانك"
إلى
“من حنان قلبي اللي طال شوقه لحنانك"
وقد اعترضت أم كلثوم على كلمة بيشابي ..لأنها كلمة عامية تستعمل في مصر فقط ..مع أنها تغني لكل الملايين العربية، ودافع أحمد شفيق كامل عن الكلمة بحرارة وقال أنها تشبيه لعواطف الطفل الذي يريد أن " يطول " شيئاً طالت لهفته عليه ..ولكن أم كلثوم أصرت على أن اللغة العربية مليئة بالكلمات السهلة التي تؤدي إلى نفس المعنى ..!
أما عبد الوهاب فقد اعترض على الكلمات التالية
"قد إيه من عمري قبلك راح وعدى
راح كأن العمر قبلك ليلة واحدة
ليلة من دمعي ومن نار الجراح "
فاستبدلها الشاعر بـ “قد إيه من عمري قبلك راح وعدى ياحبيبي
ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة
ولا داق في الدنيا غير طعم الجراح "

  

جهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في لقاء السحاب:
كان الرئيس الراحل عبد الناصر معجباً بأم كلثوم باعتبارها ثروة قومية ليس لها مثيل في التاريخ الحديث على مستوى العالم العربي، كما كان معجباً أيضاً بمحمد عبد الوهاب وكان أحد أحلامه الذي تحقق أخيراً في 1964 أن يجتمع هذان القطبان في عمل مشترك يجسد الأصالة والعظمة للفن المصري والعربي. وكانت البداية في “انت عمري”. وقد كانت لها قصة أخذت من الوقت والجهد والإصرار من جانب عبد الناصر، حتى يتحقق هذا الحلم. قام بمفاتحتهما هو وأم كلثوم في عيد العلم سنة 1963 وقال لهما: “إمتى حانسمع لك لحن تغنّيه الست؟” ..

وكان ردّ عبد الوهاب: “حاضر يا سيادة الريس”.

كما كان ردّ أم كلثوم: “يا ريس أنا مستعدة وجاهزة أغني أي لحن لمحمد”.

 

   

           أثناء الأستراحة في الأستوديو

 

وكانت “انت عمري”، والتي تبعها بعد ذلك لمدة عشر سنوات روائع أخرى أسهم فيها هذان العملاقان. ولقد كان تعليق عبد الناصر على لقاء العملاقين: “لقد استطاع فن محمد عبد الوهاب وفن أم كلثوم ان يجمع العرب من المحيط الى الخليج”.

              

الرئيس عبد الناصر يسلم عبد الوهاب وأم كلثوم وشاح الفن
المؤثرات السياسية في حياة أم كلثوم:
بعد ثورة يوليو التي اجتاحت مصرتم التعامل بعدوانية شديدة مع كل ما يخص عهد الملك السابق، فتم منع إذاعة أغاني أم كلثوم من الاذاعة نهائيا وطردها من منصب (نقيب الموسيقيين) باعتبارها (مطربة العهد البائد). لم يكن هذا قرارا من مجلس قيادة الثورة لكنه كان قراراً فردياً تم اتخاذه من قبل الضابط المشرف على الإذاعة الرائد أحمد الكيلاني، برغم أن أم كلثوم غنت للجيش المحاصر في الفالوجة أثناء حرب فلسطين أغنية (غلبت أصالح في روحي)، ذلك الجيش الذي كان بين أفراده عبد الناصر وأنور السادات إلا أنها اعتبرت من مخلفات العهد الملكي بسبب حصولها على قلادة صاحبه العصمة وغنائها للملك أكثر من مره منها أغنية عام 1932 في حضور الملك فؤاد:
أفديه إن حفظ الهوى أوضيعا         ملك الفؤاد فما عسى أن أضعا
 وقد وصل الموضوع إلى جمال عبد الناصر شخصيا، الذي ألغى هذا القرار، ويذكر أن الذي أوصل إليه الموضوع هو مصطفى أمين في سبتمبر 1952.
وعلى إثر نزاع على منصب النقيب يتم إلغاء انتخابات النقابة، وتم تعيين محمد عبد الوهاب نقيبا للموسيقيين. على إثر هذا الموقف وما تردد عن مساندة بعض الضباط الأحرار لعبد الوهاب، تُبَلِغ أم كلثوم قرار اعتزالها إلى الصاغ أحمد شفيق الذي نقله إلى مجلس قيادة الثورة، فذهب إليها وفد مكون من جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم لإقناعها بالعدول عن رأيها، وقد أثرت هذه اللحظة فيها كثيرا جدا كما ظهر فيما بعد من أغانٍ لها ومواقف، وحملت إعجابا جارفا بعبد النـاصر وبمواقفه ككل الشعب آنذاك، ويتجلى ذلك في أغانٍ مثل:
(بعد الصبر ما طال نهض الشرق وقال، حققنا الآمال برياستك يا جمال) أو (يا جمال يا مثال الوطنية) و (أجمل أعيادنا المصرية برياستك للجمهورية).
كما لوحظ أن أغانيها السياسية التي غنتها آبان العدوان الثلاثي على مصرعام 1956 وعدوان عام1967 قد وحدت الشباب العربي تحت يافطة المقاومة ضد الاستعمار، وجهر ذلك الجيل بالمواطنة وبحبه لوطنه ولقضاياه القومية، فأمست السيدة أم كلثوم بحق موجدة الشعوب العربية تحت راية القومية العربية ومالكة قلوب الجماهير العربية من المحيط الى الخليج.

        

وفاتها:
توفيت أم كلثوم في 3 فبراير 1975 في القاهرة بعد حياة حافلة. فبعد يومين من وفاتها بمستشفى المعادي في القاهرة، فتم تشييعها في جنازة شعبية ورسمية من النوع المهيب، وكانت ضخمة بوضوح إلى درجة أن من شارك فيها كان أكثر من 4 ملايين، فيما وصل بعض ممن كتب بوصف جنازتها، إلى جعلهم 5 ملايين "في واحدة من أعظم 8 جنازات بالعالم". وبعد 32 سنة مازلنا نسمع ونطرب لسماعها ومازالت باقية الي الان متربعة على عرش الاغنية العربية النظيفة فعندما تريد ان تستحم من سماع الاغاني القذرة استمع لام كلثوم ترتاح وتحس بمعني الحب والفن والطرب والكلمات الجميلة.



إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

507 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع