الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - العوم في بحور المجهول ...

العوم في بحور المجهول ...

  

             العوم في بحور المجهول.....

        

           

         

الحرب التي أشتعل سعيرها على أطراف الخليج تعيد الامل للسيد فائز بتحقيق حلمه في الهروب الى المجهول، يتخيل المجهول وطناً بلا حزب يقتل أبناءه، ولا رئيساً يتفيأ بظل الاله، طائرات الحلفاء تغطي أرجاء الوطن الجريح، يئن من وجع التأثير فتزداد شدة الدافع في داخله على المغادرة بأي حال من الأحوال، يقلل الطيارون ارتفاعات تحليقهم بالتدريج لتصبح مرئية بوضوح، ترسم بعوادمها عبارات النصر باللغة الانجليزية إمعاناً في الاذلال، ثم تنسحب بتشكيل النسق كأنها حمام زاجل يروح ويأتي دون عناء في التعرف على المكان.

      

يصل البيت نصف أوصاله مقطعة من الداخل، ونصفه الآخر مشغول بهموم الطريق الى ذاك المجهول، يتكلم بصوت عال تعوَّده في اللحظة التي دق فيها السجان جاسب قلم الرصاص في اذنيه امعانا بتمزيق الطبلة يوم كان سجين الرفقة في أبو غريب، يعاوده ألم التمزيق، يتحسس أرنبة أذنيه كأنه يشم رائحة الدم الذي لم يسمح جاسب بمسحه حتى يتفرج عليه الرفاق في ذهابهم الى حمامات الصباح، يلعن اياماً لم تفارقه كوابيسها، يكرر عبارة لم يفهمها سواه (لقد بلع الطعم).
يلتفت الى من حوله، يجد أم أشواق التي شاركته مر الايام وحلوها مع أربعة بنات في ريعان الشباب وطفلتين، كأنهن جميعا يرغبن الاستفسار عن مجريات الحال، يغلق باب الاستفسار بالالتفات اليها طالبا التهيؤ والبنات (سنخرج من بغداد التي تنعق في سمائها الغربان). تدرك بذكائها الفطري حلول وقت الرحيل، تمسح دمعة نزلت غصبا قبل أكتشافها، لا تريد تبيان الضعف أمام البنات، فالمشوار طويل ومليئ بالمفاجئات. يتابع من جانبه أَخبار العراق في صوت أمريكا، ينتقل منها الى الاذاعة البريطانية، ثم مونتكارلو، يراها متفقة في الرأي على أن العراق دخل أتون الفوضى، ولن يخرج منها سالما. فيعاود تكرار عبارته السابقة (لقد بلع الطعم).
يضع في مخيلته رسم الحدود مع ايران ومعلومات جمعها عن انتقال غالبية القطعات المدافعة عنها قبل أشهر الى الكويت، يظن عبورها سهل، والمجازفة ليست عالية، آخذا في الاعتبار وضع يزداد ارتباكاً باصدار الرئيس أوامره للقطعات المدافعة بالانسحاب بما يناقض تلك السابقة بعدم الانسحاب، الامر الذي زيَّدَ من وتائر الفوضى وأنكسار المدافعين، وأوقف العسكر على أطلال حدودهم يذرفون الدمع من وجع الانكسار. يذرف الدمع معهم حسرةً على العراق، ينعصر ألما من شدة الانكسار كأنه يجتاز وإياهم خط الحدود وخزا بحراب العدو، فيصيح من وجع النفس (لعنة الله عليه). لم يفهمه الموجودون.
يتذكر تفاصيل اتهامه بالاشتراك في مؤامرة لا يعرف عنها شيئا، شريط سينمائي مملوء بالصور المتحركة، يظهر في مقدمتها مشهد الرفيق فالح، جسد عاطل يحمله الرفاق المسجونين، يقذفونه أعلى بإيعاز من السجان جمال، يتركونه يهوى على الأرض الاسمنتية فتتهشم الفقرات. تظهر صورة الرفيق زيد في الشريط يحاول ابقاء يده ماسكة طرف القميص المتهرء لتخفيف أثر السقطة على الجسد العاطل، فيكشف تمزق القميص أمره سببا لكسر يده بضربة عصا من جمال.
يأخذها جانباً يهمس بملائمة الظرف السائد للمغادرة الآن، يعيد السؤال عن رأيها في تحقيق الحلم الذي سرّها به من قبل، تجيبه بذات الثقة أنها والبنات معه الى الموت.
الاخبار التي تتناقلها وكالات الانباء والاذاعات المذكورة تؤكد استمرار انتفاضة الجنوب قادمة من البصرة يوم أمتلأت شوارعها بالجنود المهزومين والوحل الأسود وسخام الدخان القادم من آبار النفط المحروقة في الكويت، وتؤكد أيضا أمتدادها الى العمارة والناصرية، ورسو قدماتها في اليوم الخامس عند مدينة الحلة التي تسكنها العائلة في الاصل.   
يترك البيت وسط الحيرة النافرة، لا تفارقه صورة فالح بفقرات عموده الفقري المهشمة وطريقة زحفه الى حمامات الصباح على ظهر مكسور والعودة منها ممرغا ببقايا غائط يطوف على مياه غطت أرضيتها القذرة، واستجداءه الموت علنا من سجان يغرس العصا بفمه المفتوح وجعا أثناء العودة زحفا بعد غمسها في القاذورات، ورده على الاستجداء بسيل من السباب واشارة موت لم يحن بعد.
يغيب نصف ساعة يقصد فيها الدائرة التي غادرها معظم المنتسبين، يلملم أوراقه المهمة يختم هوية أعدها بنفسه لنفسه خبيرا في الكهرباء لتسهيل المرور وسط أرتال المنكسرين، يعود مسرعاً، ينظر في عينيها السوداوين يجد فيهما تصميا على المضي الى آخر المشوار، يعطيها إشارة فهمتها بداية الشروع، دفعتها للاستعجال بوضع كل الاحتياجات من ملابس ولوازم ضرورية في شنطة واحدة، وأقتسام المبلغ المكنوز خمسة وثلاثين الف دينار بينها وبينه، تضع حصتها في حزام خاص بحجاج بيت الله الحرام، تخفيه تحت ملابسها العادية، تومئ لأشواق الابنة البكر بالتوجه سريعا الى المطبخ، وتهيئة الطعام الذي تحسه وجبتهم الأخيرة في هذا البيت الحكومي القريب من الدائرة.

  

تتقدم نسرين الابنة الثانية لمساعدته في نقل البنزين من السيارة الحكومية الى سيارته الخاصة، يستعجلان اتمام المهمة، يجدان صعوبة في مد الانبوب المطاطي (الصوندة) الى حوض السيارة اليابانية، فيلجآن الى نقله بواسطة قدر يفرغان فيه الوقود أولا ثم يعيدان أفراغه في حوض السيارة الماليبو لاحقا.
يمتلئ حوض الماليبو بالوقود، وتمتلئ البطون بالطعام، ويتم الجميع ارتداء ملابس أعدت لسفر وكأن أصحابه يتجهون الى أقاربهم خارج بغداد مثل غيرهم من العوائل التي غادرتها خشية معاودة القصف من جديد. يذهب بالسيارة الحكومية الى المؤسسة، تتبعه أشواق وباقي العائلة في السيارة الماليبو، يتعجب حارس المرآب من الرغبة في اعادة السيارة الحكومية في هذا اليوم العصيب، يردُ أنها شرهة في صرف الوقود الذي يفترض الاحتفاظ به للحاجة الاهم، يؤشر الحارس على خزين الوقود والحق في الاخذ منه متى يشاء، يعيد التأكيد على الأهم في دعم المجهود الحربي ضد الأعداء، ورغبته في استخدام سيارته الخاصة أقتصادا بالوقود، يودع هذا الحارس الملتزم بحركة سدت عليه مساعي الاسترسال في الكلام تعويضاً عن وحشة المكان الذي يعيشه وحيداً وسط السيارات والوقود.
يأخذ مكانه خلف المقود، يلتفت الى البيت والمؤسسة، يبدأ الخطوة الاولى من المشوار وما زالت صورة فالح بانتفاخ بطنه وعجزه لليوم الثالث عن الذهاب الى الحمام وعذاب الاحتفاظ بالفضلات داخل أمعاءه التي تمزقت في اليوم الرابع وقتلته افرازاتها السامة قبل أنتصاف الليل.  
تصل السيارة منطقة العامرية محطتها الثانية، لتبدأ الثالثة مع السيد سامي خال البنات باتجاه مدينة بابل لاستبدالها بسيارة فولفو تعود الى الشقيق الاصغر باعتبارها الاحدث والأكثر أمانا على الطريق، وتنتهي الرابعة مساءً في الديوانية عند المهندس جابر كاتم الاسرار، وضعه في الحسبان محطة على الطريق، أما هو فيقضي ليلته مع المحامي مزهر في العامرية، ليلةٌ مرت ساعاتها نقاش وتخطيط وتمنيات، وصباح لاحق يتجهان فيه الى الدبوني حيث الحاج عاشور، كبير العائلة ذو التأثير الواسع على الباقين، والسيد مزعل المعروف بحنقه على الرئيس، يجتمعون عنده على العشاء، يفصح عن حلمه بالتفصيل، وعن إيران خيارا هو الأول، يقدم مزعل فكرة عن طريق البصرة الذي تتبادل فيه قوات الحكومة والمنتفضين السيطرة على أجزاءه، وكذلك الحال بالنسبة الى الناصرية. يجلسون بعد العشاء حول موقد نار من أغصان الطرفة يغطي بعض أجزاءه الدخان، يأمر كاظم كبير أولاده بتهيأة السيارة المعدة للحمل، وباصطحاب أخوته الى المزرعة في الحال لملئها بنصف طن من محصول الخس، والتوجه بها الى مدينة بدرة الحدودية قبل أذان الفجر. يستمر في اصدار التوجيهات مثل ضابط في الميدان (عليك بيع المحصول بأي ثمن، وإن لم تفلح فوزعه على الناس العاديين، لا تبق في المدينة أكثر من نصف ساعة، توجه الى الحدود، هناك مزرعة على حافاتها تتبع عمك الفريق عياد، خصصها له الرئيس مكرمة حرب، دقق في تفاصيل العبور من خلالها بسلام).
يصل كاظم وحمولة الخس الى بدرة بالساعة السابعة صباحا، يبيعه بنصف سعر البيع السائد في السوق، يتجه صوب الحدود، ينعطف الى اليسار، يسأل الفلاح الوحيد في المزرعة بعد تجواله فيها عن السيد الفريق فلم يحصل على اجابة واضحة عن مكانه الصحيح، يعود الى البيت مساءً، يبين إمكانية العبور من خلال المزرعة التي تحاذي الحدود، فيما اذا تم التمكن من اجتياز المياه التي تغمر جهتها المنخفضة من ايران لمسافة تزيد عن ألف متر، مشيا وتحديدا في الليل الذي يخفي النوايا وأصحابها عن الانظار. يُسقط المجتمعون هذا الخيار، بسبب مصاعب الخوض في مستنقع غير مؤشر لعائلة جلها بنات في ليل بارد، غائم، عصي على تحديد الاتجاهات بلا أدوات.
يبرز الخيار الثاني باتجاه البصرة أو الناصرية، النقطة الاهم في موضوعه كيفية النفاذ من قوات الحكومة الى خارج الحدود؟. تستمر مناقشتها معظم ساعات الليل، يقص عليهم تفاصيل الاتهام بالمؤامرة جزافا، وكذلك وقائع الموت الاسود للزميل فالح بظهره المكسور، بعد الامتناع عن الاكل وشرب الماء لثلاث أيام بقصد التخفيف من ألم الضغط الذي تسببه الفضلات وعذاب الزحف الى الحمامات خوضا في برك القاذورات، يتذكر إشارته الى زيد قبل تسليم الروح بساعات، ورفضه تناول التفاحة المسروقة من ارزاق الحراس التي أرادها زيد غذاءاً لإطالة أمده في البقاء، وكلماته الأخيرة قبل فقدان الوعي (فائز أحق مني بها، وجسمه أحوج من جسمي، أنا ثمرة نضجت وحال أوان سقوطها، إدعوا من اجل سقوطها في الحال)، يتذكر آيات القرآن التي قرأها زيد عند رأسه همساً خشية سماعها من الحراس الذين يشتهون العقاب، وتمنياته في وقتها اللحاق به سريعا للتخلص من وقع العذاب.
يحل الصباح يذهب ومزهر في سيارته التويوتا الى الديوانية يجلبون العائلة، يبقونها في حالة التهيؤ داخل بيت الشيخ عاشور، تزداد حيرة البنات الكبار في هذا التنقل المستعجل، يسألن فلم يحصلن على جواب يخفف شكوكهن فيما يحصل.

  

تومض في ذاكرته فجأة هيئة العريف شمخي ساكنا في سوق الشيوخ وخدمته سائقا لسيارته الحكومية عشر سنين، يقترح الذهاب الى هذه المدينة التي تحاذي الهور والصحراء في آن معا، لاستطلاع الطريق واستمزاج رأيه بما يستطيع تقديمه لتنفيذ الحلم الموعود، يرافقانه الشيخ عاشور والمحامي مزهر، يشقان الطريق وسط أرتال مكسورة، تنسحب طوال الطريق، سيطرات يقيمها الجيش، تطلب الهويات، يبادرهم عاشور بسؤال بات يتكرر بعد إتيان أُكله: الا يكفي هذا العقال هوية للنشامى؟. فيبادرونه بالترحيب (تفضلوا، يا أهلا بالعمام).
يحل المساء في ناحية النصر لتكون محطتهم الاخيرة لهذا اليوم، يطرقون الباب على السيد موسى يناديه مزهر بالخال، يعيدون الطرق بالحاح، يتأخر الرد فالظلام قد أمسى والثوار يجوبون المنطقة، ورجال أمن الحكومة المندسين وعملائها يجوبونها أيضا. تُفتح الباب بعد عدة محاولات، تأتي كلمات الترحاب متوالية لتخفف من ذنب التأخير. لمزهر مكانته الخاصة، وللضيوف حقوق. تُنحر الذبيحة مادة للعشاء، توقد النار يَجهزُ الاكل قريبا من الساعة الرابعة صباحا فيكون عشاءً وفطوراً في ذات الوقت، يخرجون بعد اتمامه وشرب الشاي بقيادة موسى الى سوق الشيوخ، يؤكد لهم ان نقطة السيطرة التي وصلوها عند مدخل المدينة هي الأخيرة بالنسبة الى الدولة، وما بعدها بات محكوما من قبل الثوار، يكتفون بما وصلو اليه، يعودون الى الدبوني لترتيب الاعتماد على الذات في اكمال المشوار.
يخبر الجميع أنه سيخرج والعائلة في الرحلة الموعودة عند الصباح.
يأتي الصباح يودعونه والايادي مرفوعة الى السماء تدعو بسلامة العوم في بحور المجهول.  

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

650 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع