الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - هل يحتار الفرد المسيحي بين المنهجيتين

هل يحتار الفرد المسيحي بين المنهجيتين

                                                         

                            القس لوسيان جميل

هل يحتار الفرد المسيحي بين المنهجيتين

هل يحتار الفرد المسيحي حقا: بما ان هذا المقال تابع لما قبله، فإننا نضع عنوان فقرتنا هذه من دون اية مقدمة.ففي المقال السابق قد وجدنا نوعا من حيرة الفرد المؤمن بين ممارسة روحانيته ضمن منهجية سلفية غيبية كاذبة لا تسمح بالتساؤل كثيرا وبين منهجية انثروبولوجية تكون بمستوى عقل الانسان وخصوصيته الانسانية، لذلك راينا من واجبنا ان نضع تساؤلنا في الفقرة اعلاه يقول: هل يحتار الفرد المسيحي حقا بين المنهجية اللاهوتية الغيبية والمنهجية الأنثروبولوجية العلمية وبين الروحية المقدسة. اما الجواب فيأتي ادناه. 

نجيب من جانبنا: اما من جانبنا فنجيب للفرد المسيحي ان لا تحتار ابدا. فقد قيل: اذا رأيت رقبة طويلة "عارية" فاطرقها ولا تخف. فاليوم بدأنا نعرف ان رقبة السلفية الدينية الطويلة صارت عارية، وقد حان الوقت لطرقها، او للطرق عليها، بمعنى لتجاوزها والتشهير بها، ليس من خلال التشهير بالإيمان المسيحي الحقيقي، ولا بالتشهير بالأشخاص السلفيين الفردية، بل حان الوقت للتشهير بالأساطير التي يحملها السلفيون وبالامتيازات الفارغة التي يتمسكون بها، مثل امتيازات العكاز والصولجان والتيجان البراقة والصلبان الذهبية التي يهزها حاملها يمينا ويسارا في مناسبة وفي غير مناسبة. فهذه الاكسسوارات المادية هي في الحقيقة رموز ترمز الى معاني، ربما كان لها ما يبررها، في زمن الأباطرة المسيحيين وشركائهم الأساقفة في السلطة الثيوقراطية،اما اليوم فلم تعد تنفع شيئا سوى لمجد صاحبها الفارغ، وكذلك لإقناع المؤمنين بأن يقبلوا الايمان المصطنع الذي يفرض عليهم، بحسن رضاهم. يعني من خلال تخديرهم بما سمته الماركسية: افيون الشعوب.
الطرق على الرقبة الطويلة العارية: من هذه الأمور التي ترفض الايمان الأعمى نسرد مثلا، فرض وجود الله عن طريق الايمان،في حين ان اثبات وجود الله يعود الى العقل وحده:العقل العلمي او حتى العقل الفلسفي. وهكذا القول فيما يخص الوهية يسوع وكونه ابن الله الأقنوم الثاني القادم من السماء.وفرض مسألة بتولية مريم ام يسوع عن طريق الايمان، مع ان الطريق الشرعي الاعتيادي العقلاني مسدود بشكل كامل في هذه المسألة،كما هناك استحالة لم تعد خافية على احد. اما استخدام قدرة الله من اجل قبول ما هو مستحيل، فذلك لا يحل المشكلة ابدا، وانما يحول المشكلة الى اسطورة غيبية هي في اساس جميع مشاكلنا الايمانية. ثم لا ننسى مسألة قيامة يسوع الجسدية الحياتية التي هي مثال آخر صارخ لا يمكن اثباته بالإيمان، في وقت يرفض العقل مثل هذه القيامة الجسدية. اما اثبات الجنة والنار ( جهنم ) عن طريق العقل، فهو تحد آخر للعقل الانساني لا يمكن تحمل صيغته الاسطورية لتناقضاته الكثيرة. وماذا نقول! ماذا بقي لنا من الايمان المسيحي الانساني المعروف ولم تأسطره الكنيسة في عقائد، تجعل من هذا الايمان ايمانا اعمى عوضا عن ان تشرحه وتوضحه للناس بشكل علمي، وكأن الايمان مقدس سحري Tabou لا يجوز مسه.
حقيقة الايمان: ينتج مما اسلفنا اعلاه ان الايمان لا يستطيع ان يبت في قضايا موضوعية عقلية لأن هذه القضايا، سواء كانت منظورة ام غير منظورة، لا يستطيع غير العقل الموضوعي ان يبت فيها، هذا العقل المعرفي الذي يبدأ بالحواس اولا. اما البديل الممكن استخدامه في مثل هذه القضايا الموضوعية فليس هو الايمان، وانما هو العقل الفلسفي، على الرغم من ان كفاءة هذا البديل غير اكيدة وغير موثوق بها في اغلب القضايا الموضوعية.علما اننا هنا لا نتكلم عن النظريات والتخمينات لأن عملها الحقيقي هو عمل عقلاني هي الأخرى، عندما تنقص هذا العقل نفسه بعض الشروط الموضوعية للحكم الموضوعي العقلي السليم، في حين يبقى الايمان وتبقى المشاعر عاجزة عن عمل اي شيء في هذا المجال المعرفي.
اعتماد العمل الايماني: غير انه صار من الثابت ان البرهان الايماني يعتمد على المشاعر الذاتية التي يمكنها ان تتعرف على ابعاد ومعاني الأمور الموضوعية، وليس على ماديتها وتتفهم طبيعة هذه المعاني الروحية، اي تؤمن بها من غير دليل سوى المشاعر الذاتية ومحبة هذه المعاني.فيكون الايمان هنا المعرفة الذاتية الوجدانية التي تتعلق بالشاعر ومحبة هذه المشاعر الذاتية والثقة بها وأمل الحصول على ما يشعر به الانسان، لكي يبني هذا الانسان على مشاعره وعلى ثقتـه بها وايمانه بها كثيرا من خياراته الحياتية. غير اننا هنا نتساءل ونقول:اذا كانت الأمور حاجة ذاتية واضحة امام الانسان، لأنها لا تأتيه معرفة حاجته من الخارج بل من داخله، فلماذا تحتاج هذه الحاجة الى الايمان ايضا؟ نقول بسهولة انها تحتاج الى الايمان والى التصديق الايماني، لأن المشاعر لا يمكنها وحدها ان تبت في مثل هذه الأمور بتا اكيدا،لأن المشاعر بحد ذاتها غير واضحة بكفاية، بعكس ما هو العقل تماما. فالانسان بالحقيقة يشعر بحاجته الانسانية شعورا داخليا، لكن هذا الشعور غير قادر لوحده على توصيله الى القناعة الكاملة. وهنا يصبح الانسان وكأنه امام ظاهرة او امام رمز يبان ظاهره، ولكن تبقى حقيقته غير معروفة، حتى يتم تحليل هذا الرمز ومعرفة حقيقة ابعاده الروحية.
مثال على ذلك:فنحن مثلا اذا قدم لأحدنا وردة جميلة، فان هذا الانسان يشعر لأول وهلة بجمال هذه الوردة وبرائحتها الذكية. لكنه ولاسيما اذا لم تكن له تجربة كافية بهذه الطقوس الرمزية،فربما لن يشعر مباشرة بالحقيقة الكاملة لتلك الهدية. ولهذا نحتاج الى ايمان مسبق لكي نقرر ونستلم الوردة ممن اهداها لنا. ولهذا نسأل: ترى من يكون المرجع في هذه الهدية؟ ونجيب ان الوردة وما تفعله من مفعول في مشاعر الانسان الداخلية هي البعد الذي يتحمل قسطا كبيرا من العمل، ثم يأتي التخمين والتقييم الداخلي المشاعري والعقلاني ايضا، لكي يعلمنا قيمة هذه الوردة الحقيقية في المناسبة الراهنة، وليس في جميع المناسبات،وهذا العمل يقوم به ما نسميه الايمان، في المسائل الانسانية الاعتيادية الحبية وفي المناسبات المقدسة التي تعود الى مقدسات الانسان، ونشعر مثلا ان الله هو ابونا، أي يشعر الانسان الفرد ان الله هو ابوه ويسعد بسبب لقب الله هذا ويفرح هذا الانسان ببنوته لله. وعليه يمكننا ان نؤكد بأن هناك مشاركة بين البشرى وبين تحسس الانسان الحبي بالبشرى الموجهة اليه، وهو الأمر الذي يعود الى الايمان ايضا.
معرفة الحاجة الأنثروبولوجية المطلقة: فالفرد الانساني مدعو اذن الى معرفة حاجته الانسانية الأنثروبولوجية المطلقة،لكي يعمل من هذه الحاجة هدفه Oméga الحياتي الروحي ويسير حياته الانسانية باتجاه هذا الهدف.ولكن هنا نسأل ونقول:ترى هل ان هدف الانسان الفرد يختلف عن الهدف الحضاري الذي ظهر للمسيحيين في حقبة ظهور يسوع الحضارية؟ وهل ان اله الفرد ويسوع هذا الفرد وما يعنيان في وجههما الرمزي الايماني من ابوة وبنوة وأخوة بشرية وكرامة انسانية مطلقة لا يكفيان ليصيرا هدف الانسان الفرد، في ايامنا ايضا؟
اما نحن فنقول نعم ان موضوعات الايمان الذي ظهر لنا مع ظهور يسوع، وفي حقبته الحضارية تكفي نظريا لتصير هدفا حياتيا انسانيا ايمانيا للانسان المعاصر، غير ان الانسان بحاجة الى قناعة داخلية حبية في نفسه ليقول في ذاته: نعم اقبل وأؤمن اني بحاجة الى البشرى الفلانية المقدمة لي، حتى وان لم استطع ان اثبت ذلك بعقلي. بمعنى ان الايمان هنا كاف ليأخذ دور العقل في عملية اقناع الانسان بمواضيع تعود الى المشاعر وليس الى العقل، حتى وان كان المؤمن هنا لا يستغني عن شيء من عقله لتأطير ايمانه وجعله مقبولا عقليا ايضا.هذا،ونظرا لوجود قدرتين متماثلتين في عملهما المعرفي التقييمي نرى ان الطبيعة (العلة الثانية ) قد زودت الانسان بهاتين القدرتين، لكي تغطيا وجهي وجود الانسان:الوجود المادي الموضوعي الذي تغطيه القدرة العقلية الموضوعية والوجود الذاتي Subjective الوجداني المشاعري الذي تغطيه القدرة الوجدانية الايمانية المشاعرية.اما في الحقيقة الراهنة، فان هذه القيم المسيحية الأساسية لم تعد كافية لتصير هدفا لحياة انساننا الروحية.لماذا؟ ونجيب بثقة عالية ونقول:ان ايمان الكنيسة الأولى حين مارسه الرسل، لم يمارسوه بشكل نظري عام، وانما مارسوه مجزئا الى حالات يشترك كل منها كثيرا او قليلا في الايمان النظري العام،او الحاجة المطلقة المطلوبة نظريا.وهنا يكمن الفارق الأساسي بين النظري المطلق الشمولي، وبين العملي المقسم الى اجزاء، اي الى قيم جزئية تشترك كلها انسانيا في الكل الشامل النظري والمطلق. وبكلام آخر نحن اليوم نتعامل مع النسبي آملين ان يعود هذا النسبي بنا الى ما هو عام ومطلق. فبعض الاهداف الانسانية لم تعد كما كانت في زمن يسوع.
كيف بشر الرسل: وهنا علينا ان نعرف بأن الرسل انفسهم لم يبشروا الناس بنظريات الا قليلا،لكن بشروهم بحاجات مرحلية مشتقة من الحاجة النظرية الأنثروبولوجية.ولذلك علينا ان نعلم بأن الحاجات الجزئية او المجزأة تشترك Participe في الحاجة العامة،لا بل بالحقيقة الانسانية المقدسة،حتى في زمن يسوع وفي اي زمن وفي اي مكان آخر، وفي زمن اي ايمان آخر،لا يبشر المبشرون بأية حاجة نظرية متكاملة ومطلقة، وانما يبشرون بأجزاء هذه الحاجة حسب، لأن الناس العاديين لا يفهمون الحاجات النظرية العامة،بل يفهمونها مجزأة ويفهمونها على اساس ما هم محرومون منه في زمنهم الخاص بهم. اما حاجة الانسان بمعناها النظري الشمولي فهي ناتجة عن المنظرين الفلاسفة واللاهوتيين وعلماء الحياة في زمننا وعلماء الاجتماع وعلماء النفس الخ... ومن هنا فان ما نجده في اناجيلنا وفي كنيستنا هو حديث عن جزئيات حدثت في حضارة معينة ومكان معين وزمن معين، اما ان نأتي نحن ونطبق حرفيا ما حدث في الماضي فذاكك لعمري هو ما يسمى بالمفارقة الزمنية او المفارقة الحضارية Anachronisme .
فيا عزيزي القارئ، عليك ان لا تخف،اذا كنت من الذين لم يعودوا يفهمون البشرى المسيحية بالقوالب الانطولوجية الغيبية التي جاءت بها هذه البشرى. فانت في عدم فهمك هذا لست الوحيد من دون ادنى شك ولست مخطئا بالتأكيد، ذلك ان المخطئ هو التعبير الحضاري عن الأمور التي لا تقع تحت الحواس بشكل مباشر، وهو اللاهوت السلفي الذي يعود الى حضارة قد ولت ومضت منذ فترة طويلة، في حين لا زالت المؤسسة الكنسية متمسكة بهذا التعبير الغيبي البدائي، الذي لا يمت الى الحقيقة الايمانية والى اله الانسان في مرحلتنا الراهنة منذ ظهور يسوع وإعلان بشارته، بأية صلة.
كما يجب ان لا تتشكك اذا علمت ان امورا كانت تقدسها الكنيسة الأولى وكتبها المقدسة، لم تعد لها في ايامنا عين قيمتها الأولى،وذلك لأن الانسان، كما قلنا، يتعامل مع الجزئيات، والجزئيات التي يمكن ان تختلف قيمتها الانسانية من وقت لآخر. فما كان سابقا قائما قد لا يكون اليوم كذلك، لأن ما كان قائما لم يعد متوافقا مع البشارة المسيحية العامة، سواء لآن القيمة الفلانية لم تعد في ايامنا قيمة حقيقية مهمة وجذابة، او ان لاهوت ( وليس ايمان ) القدماء لم يعد اللاهوت الذي يمكن ان يفيدنا اليوم ويعطينا الحقائق الايمانية كما هي في ذاتها،وليس كما تريدها السلفية الكنسية. طبعا هنا يمكننا ان نضيف بأن الزمن يسير ولا احد يمكنه ان يوقف عجلة سيره وصيرورته Le devenir التي تفاجئ الانسان وتأخذه على حين غفلة.
مثال حي توضيحي: قبل اكثر من شهرين من الآن، كنت مدعوا الى حفلة تخرج طلاب دورة او معهد الثقيف المسيحي، لم اعد اذكر. وكان ذلك في فناء كنيسة مار ايث آلاها في دهوك. نظرت الى ورقة برنامج الاحتفال وقرأت شعاره المستعار من الانجيل والذي يقول:على كلمتك القي شبكتي. اما هذا الشعار فهو شعار مألوف في مثل هذه المناسبات التي لها علاقة بالعمل الكنسي في كثير من ابعاده الخاصة بالرسالة الكنسية بكل ابعادها الاكليريكية والعلمانية.اما قصة هذا الشعار فتقول ان الرسل كانوا يوما يصطادون السمك فتعبوا النهار كله ولم يصطادوا شيئا. وتقول القصة الشبيهة بالتاريخ Para historique ان يسوع ظهر لرسله وطلب منهم شيئا من السمك ليأكل فقال له الرسل:لقد تعبنا النهار كله ولم نصطد شيئا.فقال لهم يسوع:القوا شبكتكم الى الجهة اليمنى من السفينة فتجدوا.فقال له بطرس،على كلمتك يا سيدي القي شبكتي.فالقوا الشبكة وامتلأت تلك الشبكة من السمك كبيرها وصغيرها. اما اليوم فنعرف ان هذه القصة لم تكن تاريخا، والا لما كانت قد كتبت في الانجيل بهذا التفصيل،ولكنها كانت قصة رمزية تعليمية شبيهة بالتاريخ التي تعني اصطياد الناس الى الايمان بالعهد الجديد وبمواعيده حيث كان يسوع قد قال لرسله: سوف اجعلكم صيادي البشر. مغزى القصة: هذا ويبدوا من هذه القصة ان الرسل كانوا قد فهموا دعوتهم الرسولية هذه فهما جيدا.غير ان القصة كانت تشير بوضوح الى نوع من احباط ومن خوف ومن تعب وربما من يأس في عملية تبشير الرسل الايمانية الجديدة،لكنها كانت تشير ايضا الى ان الرسل كانوا قد آمنوا بيسوع،وانه طالما كانوا مع يسوع،فكانوا يؤمنون بأن يسوع سيكون معهم وسينجحون حتما في رسالتهم التي كلفتهم كثيرا من الألم والمضايقات وكلفتهم في النهاية حياتهم.هذا مع العلم ان هذه القصة الانجيلية مكتوبة بعد الأحداث التي جرت ليسوع بسنوات عديدة.
حالنا نحن اليوم:وهنا قد يعرف القارئ شيئا عني ككاتب لهذا المقال وللقصة المذكورة، ويمكـن ان يفهم القارئ ايضا لماذا التفت الى القسيس الذي كان بجانبي وقلت له بحزن: ولكن يا ابونا ( فلان ) نحن على كلمة من نلقي شباك صيدنا الرسولية؟! فما كان من الأب المذكور سوى ان ابتسم قليلا،لأنه فهم للحال ما كان كلامي ذلك يعني تماما. هذا وكان بودي ايضا ان اقول له:ترى هل ان شباكنا اليوم هي افضل من شباك الرسل، ام انها ام انها شباك ممزقة لم تعد صالحة للصيد؟ كما اضيف هنا كلاما يقول: ترى هل ان مهارتنا في صيد البشر هي افضل من مهارة الرسل؟ اما الجواب فهو واضح للقارئ، بكل تأكيد.كما هو واضح ان المياه التي يصيد فيها رسل اليوم ليست اصلح للصيد من المياه التي كانت موجودة في زمن الرسل؟. وبما اني كنت متأثرا بما فهمت من عبارة القاء الشبكة على كلمة يسوع، اخرجت من حقيبتي ورقة وقلما،ودونت الأفكار الرئيسية لمشاعري تجاه ذلك الشعار الذي قد صار علكة بفم كثير من رجال الدين الذين يتكلمون عن الرسالة المسيحية وعن رسلها في الوقت الحاضر، حيث صار شعار القاء الشبكة على كلمة يسوع شعارا بروتوكوليا لا يعني بالحقيقة شيئا كثيرا لأحد، مع تأكيدي على ان وجود اي تحرك باتجاه الرسالة، خير من لا شيء في كل الأحوال.ولكن والحالة هذه على رسل اليوم ان يكونوا اكثر تواضعا من رسل ايام زمان وان يصلحوا حالهم وحال شباكهم لكي ينجحوا في رسالتهم. وبما اني اعمل في مجال اللاهوت العلمي الأنثروبولوجي منذ زمن بعيد، فقد يفهم القارئ رد فعلي الشخصي على شعار القاء الشبكة اتكالا على بركة يسوع وعلى كلمته التي وضعها الرسل في اناجيلهم. ولكن السؤال الملح هنا هو: يا ترى على كلمة اي يسوع نلقي شبكتنا اليوم؟ فهل رؤساؤنا واكليروسنا يمثلون حقا رسالة يسوع الحقيقية اليوم ولا يعيشون على بديل تافه انتمائي وعبثي لا يمكن ان يغري احدا؟ فنحن نعرف ان هذا البديل لم يعد حاجة حقيقية انثروبولوجية لأحد،مثل بديل العقائد الغيبية الطلسمية، وبديل آلوهية يسوع وبديل السماء او الجنة التي أخذت مكان الكرامة الانسانية والأخوة البشرية وقيمة الانسان، كل انسان، والتي لا يمكن التنازل عنها. وهنا نسأل ايضا ونقول:ترى الم تتحول المسيحية وأهدافها الأولى الانسانية الأنثروبولوجية العظيمة الى شيء يستحق وصف الماركسية القائلة بان الدين افيون الشعوب؟
بناء على ما جاء اعلاه: وبناء على ما جاء اعلاه اتساءل واقول:ترى عند اي من رجال ديننا المسيحي ومن اساقتنا الأجلاء يمكن ان نجد ما يماثل رسالة يسوع ورسالة التاريخ الجدلي الانقلابي التي ظهرت على يديه وعلى ايدي رسله الأطهار قبل اكثر من الفي سنة،او حتى قريبا منها؟ ونتساءل ايضا ونقول: ترى الم تتحول رسالة يسوع الى عقائد اسطورية والى شرائع شبيهة بشرائع العهد القديم، والى طقوس لم تعد تعني شيئا لأحد؟ اما الكلام عن محبة يسوع لنا ومحبتنا الواجبة له، فقد تحولت الى نكتة تافهة لا تضحك ابدا، بعد ان صار يسوع الها وبعد ان لم يعد المؤمن يرى عنده اي شيء آخر،هذا اذا كان هذا المسيحي يؤمن بإلوهية يسوع حقا، وبحضور يسوع الاله في القربان حقا، ونضيف، اذا كانت قراءة الكنيسة للانجيل قراءة موضوعية سليمة،وإذا لم تكن قراءة سلفية تحول الانجيل الى مجموعة من اشباه الأساطير والى شرائع متطورة، لذر الرماد في العيون.
اعتراض: هذا وقد يقال لي نحن يجب ان نلقي شبكتنا على يسوع الانجيل. طيب ما اختلفنا:ولكن اي من مسئولي كنائسنا يملك اليوم قراءة انجيل قراءة حقيقية لم تأطرها العقائد السقيمة. ترى الم تختطف كنيسة ما بعد البروتستانتية الانجيل نفسه، وألم تجعل رؤيتها الواهية بديلا لرؤية الانجيل الخلاصية.نعم ايها القارئ العزيز، هذا هو وضعنا المؤسف الذي يريد بعض من رؤساء الكنيسة،من خلال كلام اجوف مضلل ان تدافع عنه، وتقنعنا بأن كلامها المعصوم هو كلام يسوع بعينه.غير ان الماء هو الذي يجرب الغطاس اليس كذلك؟ نقول هذا، مع علمنا وتأكيدنا بوجود كثيرين في الكنيسة: رجال دين وعلمانيون يملكون بذور الحقيقة المسيحية الواعدة. وهنا لا ننسى ما تعد به شخصية ابينا البابا فرنسيس، كثر الله من امثاله، وان كان ما عنده هو البداية فقط. وهنا فقط اريد ان اسأل المعترض الكريم واقول له: لو كانت بشارة الكنيسة الجامعة بشكل عام، ورسالة كنيستنا المشرقية رسالة حقيقية فهل كان يعقل ان يحدث لمسيحيينا ما حدث لهم من ضياع وفقدان الايمان وفقدان هوية كالذي نجده عند الكثيرين اليوم؟علما بأن ما حدث للمسيحيين لم يكن كله نتيجة ضعف المسيحيين الايماني،ولكن كان لايمان المسيحيين السطحي ولايمان الاكليروس العقائدي دور حقيقي في مأساتنا الايمانية.
ما حدث في الكنيسة: فما حدث في الكنيسة بالحقيقة، بعد انتصار قسطنطين الملك، وتأسيس امبراطوريته المسيحية،هو ان هذه الامبراطورية استلبت وعطلت دور الرسالة المسيحية وصار صالح الامبراطورية ورغبتها الخاصة اهم من الحقيقة المسيحية ومن مبادئها.هذا، ومن يومها جاءت العقائد لتثبت هذا الاستلاب وتعمل على ضياع الرسالة المسيحية الخلاصية.انه قضاء وقدر جدلي ما كان بالمستطاع التخلص منه بسهولة. لذلك صارت الانشقاقات من يومها امرا محتوما، حتى جاءت الثورة الفرنسية وقوضت كل النظام الامبراطوري الاقطاعي ومعه النظام الكنسي المتهرئ. اما خلاصة كلامنا كله والذي جاء اعلاه فهو ان التاريخ وغباره جعل الكنيسة تضيع دعوتها في ان تكون القطيع الصغير، حسب دعوة الأناجيل، والباقي القليل Le petit reste والخميرة التي يمكن ان تخمر العجينة كلها، حيث يبدأ الجدل من جديد يعمل فعله السحري الانقلابي ابتداءا من هذا القطيع الصغير.
كيف يصل الفرد الى حقيقة مقدساتنا: ولكن كيف يستطيع الانسان الفرد هو وحده ان يجد الهدف، او الـــ Oméga الذي يسير حياته؟ او ليس ما نكشفه الآن لهذا الفرد دافعا له على الانزواء في فرديته والتخبط في حياته الروحية؟ ونجيب اذا كان الفرد قد حسب اننا ندعوه الى هذه الفردية Individualisme فحتما هو مخطئ ويخاطر بحياته الروحية. فالفرد المسيحي الذي نتكلم عنه هو ابن مجتمع مدني ومجتمع كنسي ولا يمكن ان ندعوه يوما الى الانفصال عن هذين المجتمعين، اللهم الا اذا كان هذا الانفصال انفصالا روحيا فقط. قال يسوع لرسله: انتم في العالم، لكنكم لستم من العالم، اي لستم من عالم العهد القديم الذي كان آيلا الى السقوط.
اخي الفرد المؤمن: اذا كنتَ ممن يتوق الى الخلاص من الروحانية العبثية الموجودة في ايامنا وقبلها،فاقبل نصيحة يسوع الذي يقول لك ايضا:انت في العالم ولكنك لست من العالم، اي لست جزءا من هذا العالم البائد الشرير الذي تعيش فيه اليوم، والذي فيه اضاعت الكنيسة رسالتها الحقيقية المتميزة، مع كل الأسف. ولكن، وعلى الرغم من اننا هنا نتكلم مع الانسان المؤمن الفرد، فإننا بالحقيقة نوجه كلامنا لكل انسان سواء كان في القمة او القاعدة المدنية او الكنسية، وسواء كان في الدول الغنية القوية او كان في الدول الفقيرة المحتاجة اكثر من غيرها الى الانقلاب العالمي والكنسي التجديدي، تماثلا مع الحداثة التي كان فيها عالم كنيسة يسوع الأولى، خلال ثلاثة مائة سنة تقريبا، دون ان ندعوا الى التطابق التام مع ذلك العالم الانقلابي الرائع، ولكن ندعوا الى تطابق تماثلي حسب. فزمن حداثة يسوع وزمن حداثة الرسل، وزمن حداثة " كنيسة الدياميس " لن يكون زمننا سوى بشكل تماثلي، في احسن الأحوال، حيث سيكون هناك اختلاف في التفاصيل وفي بعض الأمور التي كنا نعدها اساسية،شئنا ام ابينا، علما أن الشيطان ليس بالتفاصيل دائما، على الرغم مما يقوله المثل الدارج.فنحن اذن ومهما فعلنا فاننا لن نصير من اجيال الكنيسة الأولى، ولا من الجيل الذي عاصر يسوع وعاصر الرسل.فهؤلاء الذين تكلمنا عنهم كانت لهم حضارتهم الخاصة، وكانت لهم حاجاتهم الانسانية الخاصة، وكان لهم زمنهم الذي يختلف عن زمننا، كما يختلف مكان حضارتهم المدنية والروحية عن مكان حضارة اي واحد منا، كما كانت لهم مشاكلهم الخاصة بهم وحدهم ايضا، مثلما كانوا متمسكين بأمور جذرية انسانية مقدسة قد تكون موجودة لدى بعضنا اليوم ايضا.
المجتمع آنية مستطرقة: ومع ذلك، وبما ان المجتمع آنية مستطرقة وليس جزرا معزولة، فان الفرد الانساني الساعي الى الانفصال بالروح وليس بالجسد عن مجتمعه الانساني والكنسي سيجد له هنا وهناك رفاقا وإخوة يماثلونه في تطلعاتهم الروحية المتحررة من روح السلفية.اما هؤلاء الرفاق والإخوة فقد يجدهم هنا في العراق، في الكنيسة الفلانية او الفلانية، وفي الأبرشية الفلانية او في اخرى، او في الخورنة الفلانية او في اخرى. كما ان هذا الأخ قد يجد ما يبحث عنه في احدى الدول الأوربية مثلا، او في احدى الدول الافريقية،او في احدى دول امريكا الجنوبية او في اي مكان آخر من العالم.اما اذا لم يجد هذا الأخ الروحاني ضالته اليوم فقد يجدها غدا،عندما يتحرر العالم من ماديته القاتلة لأي تقدم وارتقاء روحي،على مستويات كثيرة،ولكن ما يهمنا هو ان تبقى عيون هذا الأخ مفتوحة وأذانه ضاغية وايمانه ثابتا،لكي يستطيع ان يستنير بأي شعاع من نور مهما كان خافتا. وان يلتقط اية كلمة تجديد تدعوا الى الحياة مهما كان صوتها واطئا.
تجربتي الخاصة: عندما اقدم تجربتي الخاصة كنموذج للتقدم الروحي خارج الدين والطقوس السلفية البائدة، فلا ادعي القداسة ولا عمل المعجزات. فزمن المعجزات قد ولى منذ فترة طويلة ليحل محله زمن الركود والرتابة الذي لا يبدو فيه للعيان اي نشاط ايماني حقيقي،او يحل محله زمن الأنثروبولوجيا التي يمكن ان نجد فيها امورا عظيمة وجليلة، لكننا لا نجد فيها اي شيء يخالف الطبيعة ويتجاوزه. فما عملته اذن كان كمـا تعمله بعض نقاط الماء عندما تسقط باستمرار على صخرة.غير اني بهذا العمل،وبمؤازرة حقيقية من القسس الذين كانوا يعملون معي،وأحيانا احسن مني، ولاسيما في الأمور العملية،احس اليوم عندما انظر الى الوراء،بأن اجيالا كثيرة،كهولا وشباب،قد نالوا خميرة ايمانية حقيقية افادتهم في حياتهم الاجتماعية والفردية الروحية،على الرغم من ضياع بعضهم في عاصفة التيارات السياسية.
وهنا لربما يسألني احدهم ويقول: ترى كم حققتَ من نسبة نجاح في خورتك تلكيف. اجيب لا اعرف. ذلك ان اغلب الشابات والشباب لمدة تقرب من خمسين سنة قد سافروا الى خارج تلكيف، وكثرتهم الى خارج العراق. اما الباقون في تلكيف، وعلى الرغم من كبر سن بعضهم، كانت بينهم نخبة تفاعلت مع ما كنت اعطيهم وألح عليه باستمرار، حتى ان احدى النساء صرحت لي يوما بأنها تأتي الى القداس خاصة لتستمع الى وعظي، مثلما كان قد صرح لي احد شباب الدورة اللاهوتية بقوله:انني بالحقيقة اتي الى الدورة اللاهوتية من اجل محاضراتك الفلسفية واللاهوتية. ولذلك مهما كانت نسبة الروحانية التي اخذها هؤلاء الناس فتعد شيئا كثيرا من حيث المردود الانساني والروحي غير التقليدي مثلا 5 % او 10 % ففي تخميني المتواضع ان هذه النسبة كانت كافية ومهمة لأقول انني استطعت ان اضع اهالي تلكيف على الطريق الذي يؤدي الى مزيد من الحياة الروحية الايمانية الحقيقية،والى المزيد من استقلالية الأهالي واستقلالية كنيستهم من الضغوط السياسية والضغوط الكنسية الفارغة من الايمان.غير ان السلفية الدينية الباهتة،ما ان احلت نفسي على التقاعد،حتى قلبت كل شيء رأسا على عقب،وألغت كل التجارب الروحية التي كنت قد وضعتها بإرادة سلطوية مشبوهة،ومن ذلك التوبة الجماعية والتعامل مع التوجيهات الأخلاقية السلفية والتركيز على اهمية المحبة والعدل والتضامن الأخوي،من اجل هذا العالم ومن اجل القيم المذكورة نفسها بغض النظر عن مردودها النفعي المادي.علما بأن شعار المطران الجديد وقسه كان اعادة تلكيف الى مثل حالة كل الخورنات الأخرى في الأبرشية، كما كانا قد صرحا يوما.
الفرد الواحد لا يكون مسيرة:هذا من جهة، واما من جهة اخرى، فان المدعو الى الانفتاح، لا يجب ان يكون الأفراد وحدهم، مهما كانت اهميتهم عظيمة،بل يجب ان يتعدى ذلك الى المؤسسات الدينية مثل الخورنات والأبرشيات والبطريركيات، كما يجب ان نذكر ايضا المعاهد الاكليريكية والأديرة النسائية والرجالية وكثيرا من الحلقات الدراسية الموجودة في امكنة كثيرة في بعض الكنائس. هذا، مع العلم ان الرغبة في التجديد والحوار مع من يطلب مثلنا التجديد الروحي، يكون السبيل الى الاندماج الروحي مع العالم الجديد الذي لا يمكن ان يصنعه الا المجددون. كما يجب ان يصل هذا الروح التجديدي الى الشعب المسيحي كله، وربما الى الشعوب غير المسيحية،من باب التلاقي والتلاقح الانساني، ومن باب المسيرة الانسانية التي غالبا ما لا تستثني احدا، بكونها مسيرة انسانية حضارية وروحية.
سبيل الحوار افضل سبيل: فسبيل الحوار افضل سبيل لأي فرد يريد ان يصل الى روحانية انسانية انثروبولوجية راقية تتميز بالقدسية،هذه الروحانية التي يمكنها ان تصون حياة الفرد من التدمير الذاتي ولا تجعله عبدا لقوى تحب استعباد الآخرين، مهما كلف الأمر،ولا تجعله غريبا عن عالمه الحقيقي وعن طبيعته الانسانية،كمـا لا تجعل منه فردا ينطق بامور غيبية غير مفهومة مدعيا انه ينطق بالإلهيات.اما بالمقابل فان انتماء المرء الروحي الى العالم الجديد، يجعل منه شخصا متمكنا من معرفة حقيقة الانسان وحقيقة الهه ومقدساته، بشكل يكاد لا يُخطئ علميا، كما تجعل هذه المسيرة معقولة ومحبوبة ومفيدة له ولغيره انسانيا وروحيا.
القس لوسيان جميل
2017
التنقيح الأخير في ايار 2019

 

 

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

499 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع