الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - دولة بلا وَهَمْ

دولة بلا وَهَمْ

                                                

                                 د.سعد العبيدي

دولة بلا وَهَمْ

توهم نوري السعيد أن دار السيد مأمونه فوجد صبيحة الرابع عشر من تموز ١٩٥٨ أن جيشه يخونه ويهد سقف الدار على سيدها ومن معه يعيش.
وتوهم عبد الكريم قاسم، المتمرد على الدولة وسيدها أن الشعب تخيل صورته في القمر فعلاً، ويحبه حقاً، وسيقف سداً منيعاً أمام أي استهداف لشخصه، وان سياسة عفى الله عما سلف كفيلة بمد حكمه سنين، فوجد نفسه صبيحة الثامن من شباط ١٩٦٣ بمواجهة الخيانة من ضباط في ثكنة وزارته الدفاع تحولوا صوب الانقلابين مصلحةً، وان جزءً كبيراً من الشعب الذي رفع صوره في غرف النوم وحمامات الراحة يهتف ضده ووجد نفسه مأسوراً بإذلال في مدرعة عسكرية اشتراها حديثاً لتقوية جيشه وضباط خرجهم بنفسه وعسكراً له يعدمه دون محاكمة.
وتوهم البعثيون في انقلابهم على قاسم في العام المذكور أن ابادتهم للشيوعيين ستقربهم من الغرب صاحب المشروع، وستزيح عن طريقهم أقوى الأحزاب جماهيرية، وستكفل تأييد عالم النفوذ لمشروعهم في البقاء على رأس السلطة، وان عبد السلام الذي نصبوه قائدا لانقلابهم رئيساً لدولتهم سيلبي رغباتهم وان لم يكن بعثياً، فوجدوا أنفسهم قبل مضيّ سنة في الحكم أنهم بمواجهة عبد السلام وضباط من حزبهم وشعب صفق لهم فتواروا عن المشهد عدة سنين.
وتوهم عبد السلام بتوجهه صوب جمال عبد الناصر وتغييره بعض سياقات الجيش، وتقريبه ضباط من أهل الأنبار أنه سيقوي نظام حكمه فوجد نفسه في حادثة طائرة يهوى ووجد من بعده أخيه عبد الرحمن أن الطيبة وحدها لا تكفي لحماية نظام الحكم.
وتوهم البعثيون ثانية عام ١٩٦٨ أنهم وباجتثاث أعدائهم من الجيش وتبعيثه وتغيير بنيته وزيادة حجمه سيكون جيشاً عقائدياً يحميهم ويرسي قواعد حكم لهم الى أبد الآبدين، وكان من بينهم صدام أكبر الواهمين، يوم سيطر عمداً على الحزب والدولة وسلم الى أقاربه والعشيره مقاليد الدولة، وحارب وغزا وتدخل ودس واندس وخلط أهدافه الشخصية بأهداف الحزب في تحقيق وحدة الأمة العربية، فوجد وقبل شنقه أن العراق الذي قاده ردحاً من الزمن قد تخلف قروناً وان العرب قد تتفرقوا وأهداف الوحدة قد تبخرت الى الأبد.
إن الوهمَ داء في بلادنا وأمة العرب لم يتوقف أصحابه من الساسة والناس العاديين، فعاودوا بعد غياب أكبر الواهمين في عام التغيير والسقوط ٢٠٠٣، ليتوهموا بديمقراطية لم يفهموا معطياتها ودستور ساهموا بتعقيداته، وتحركات أحزاب تكوّن مليشيات وتقوي جماعات واجتثاث أعداء ومنافسين ومناطق يتنازع عليها وحولها وفرض سياسات أمر واقع واستقواء وبيع نفط وتهريب، لتجد أطراف في الدولة قريباً من انتهاء داعش أن الدستور لا ينفع، وان التفرد لا يجدي، والتمدد على حقوق الغير لا يدوم.
وسيكتشفون في يوم ليس بعيد عن اليوم أن الحل يكمن في الحكمة وفي دولة بلا وَهمٍ وفي دستور لابد وأن يكتب من جديد.              

٢٨/١٠/٢٠١٧

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

597 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع