جوانب من المدينة العراقية القديمة

                 

                                                        حامد خيري الحيدر


جوانب من المدينة العراقية القديمة

كان ظهور المدن في جنوب وادي الرافدين خلال الألف الرابع ق.م وتشييدها على أنقاض القرى الزراعية القديمة ثم أنتشارها السريع فيما بعد، بمثابة ثورة هائلة ونتيجة حتمية للتطور الحضاري والاقتصادي الكبير الذي طرأ على المجتمع العراقي القديم، مُحدثاً ثورة جديدة في حياة الأنسان عرفت بثورة الاستيطان المدني، حدثت بواكيرها في مدينة الوركاء السومرية في حدود 3500 ق.م.
الأحياء السكنية
كانت العشوائية وعدم التخطيط المسبق هي الطابع الذي ميّز شكل الأحياء السكنية لعامة الناس في المدن العراقية القديمة، فبعدما يتم تشييد مركز المدينة الرئيسي (الزقورة، المعبد الكبير، قصورالعائلة الحاكمة وحاشيتهم من كبار الكهنة والموظفين وقادة الجيش) الذي يكون أما في الوسط أو في أحد أركان أو جوانب المدينة، يتم تحصينه بسور كبير لغرض عزله حمايته عن باقي أقسامها، لكنه يزود بعدة بوابات منها ما تؤدي الى  داخل المدينة ومنها ما تؤدي الى خارجها، تأخذ بعدها الأحياء السكنية بالانتشار حوله بشكل عفوي تقطعها الطرق والازقة بشكل شبكة غير منتظمة النسيج.
لقد أثبتت التنقيبات الأثرية في مختلف مدن العراق القديم، أن الأحياء السكنية وبيوتها  تشابه بشكل كبير المحلات البغدادية القديمة بأزقتها ودروبها المتباينة الطول والسعة. حيث احتوت كل مدينة على عدد من الأحياء تفصل الواحد عن الاخر طرق واسعة بعرض (7_ 10م)، مستقيمة نوعاً ما  تمتد من حتى مركز المدينة الرئيسي حتى ضواحيها، تتوزع على جانبيها الأسواق والحوانيت التجارية ومرافق الخدمة العامة.. وللدلالة والاستدلال كانت هذه الطرق تسمى في الغالب بأسماء أحد الالهة. كما كان يلاحظ عند طارف كل حي سكني وجود مكب  للنفايات ومقبرة تخص سكان الحي، في حين كانت الأزقة التي تقطع الحي السكني الواحد، تمتد بشكل ملتوي أو متعرج وبعرض (2_4 م) تتوسطها ساقية لتصريف مياه الأمطار، تتوزع على جانبيها أبواب البيوت السكنية، التي شيدت في معظم الحالات بحيث لا تواجه أحداها الأخرى بشكل مباشر، آخذين بالاعتبار حرمة البيت المقابل.
بيوت السكن
كان تصميم البيت العراقي القديم  يتكون من الساحة أو الفناء المكشوف الذي يتوسط البيت، تحيطه الغرف والمرافق الخدمية الاخرى التي تطل بأبوابها على الفناء، يتقدمها ممشى أو رواق يمتد موازياً لحافته. وتعود جذور هذا التصميم الى بيوت القرى الاولى خلال فترة العصر الحجري الحديث في شمال العراق وتحديداً الى الدور المعروف باسم (حسونة) خلال الالف السابع ق.م. لقد شيدت معظم البيوت العراقية القديمة بطابقين وبعض منها بثلاثة طوابق، وسميت غرف المعيشة فيها بالاكدية (بيتانو)، تكون هذه الغرف مختلفة المساحة تحوي أبواب بعرض 70_80سم وبارتفاع 170_190سم تعلوها سقيفة تمتد فوق الرواق المحيط بالفناء، تشيد من جذوع الاشجار أو النخيل وتغطى بالحصير أو الاخشاب أو سعف النخيل. كما تطل من الغرف أيضاً على الفناء شبابيك متوسطة السعة مربعة الشكل بقياس 50×50 أو 70×70سم، تُدعم بكتائب من الخشب أو أغصان الأشجار كي لا تسمح بالمرور من خلالها. وكان يتم ربط المدخل الرئيسي للدار بالفناء الوسطي مباشرة عبر غرفة طولية (مجاز) يختلف طولها وشكلها حسب حجم البناء وتصميمه، سميت بالاكدية (بابانو). وكانت البيوت في الغالب تشيد بـ(اللِبن) وتسّيع بملاط من الطين يتم تجديده كل بضعة سنوات، في حين شيدت بيوت الطبقات الفقيرة بكتل الطين المرصوفة فوق بعضها (الطوف). أما أرضيات الغرف والفناء والرواق فكانت ترصف أما بطبقة خفيفة من الحصى الممزوج بالطين أو بالطابوق المربع (الفرشي). وكانت تسقف الغرف بجذوع النخيل ثم تغطى بطبقة من الحصران وتسّيع بعدها بطبقة سميكة من ملاط الطين.
وقد خصصت غرف الطابق الارضي غالباً كغرف خدمة كمطابخ وحمامات ومخازن مؤونة وبيوت راحة (مرافق صحية)، وكذلك غرف سكنى العبيد (في حال وجودهم)، أما غرف الطوابق العليا فقد خصصت لأفراد العائلة، وكان الارتقاء اليها يتم عبر سلالم مشيدة باللبن ومدعمة بجذوع النخيل لتقويتها، يتم تشييدها في الغالب عند أحد أركان الفناء المكشوف. كما احتوت بعض البيوت على سراديب تحت الارض، استخدمت غالباً كمخازن لجرار الزيوت والنبيذ وباقي أنواع المؤونة الاخرى من حبوب وأطعمة مجففة أخرى. وفي بيوت عصر فجر السلالات السومرية (3000_2370ق.م) كانت تخصص السراديب بالأساس لدفن المتوفين من أفراد العائلة، والسبب في ذلك هو أتباع فكرة قديمة لأثبات وراثة ملكية البيت، حيث وردت في العديد من عقود بيع البيوت عبارة (البيت مع قبوره). لقد احتوت البيوت العراقية القديمة أيضاً على أنابيب فخارية بأقطار متباينة مُدت تحت الارضيات لغرض تصريف المياه الثقيلة ومياه الاستخدام اليومي، كما زودت بعض غرف البيوت الكبيرة بملاقف هواء (بادگير) لتلطيف هوائها.
أن استمرار العراقيين القدماء بتصميم بيوتهم وأبنيتهم المختلفة الاخرى (المعابد، المزارات، القصور) بهذا الشكل وحتى فترة قريبة، أملتها الظروف المناخية والاجتماعية للإنسان العراقي، ومدى ملائمة هذا التصميم لتلك الظروف.
الحوانيت التجارية
انتشرت الحوانيت التجارية بشكل واسع في جميع المدن العراقية وأعطتها ميزتها البارزة الدالة على تطور المستوى الاقتصادي للمجتمع، حيث غدت التجارة العامل الثاني بعد الزراعة في نموه وازدهاره. لقد اختلفت أحجام الحوانيت وتصميمها ومدى سعتها تبعاً لنوع البضاعة التي تروجها، فكانت الكبيرة منها والمتوسطة تقع على الطرق الرئيسية للمدينة، بينما توزعت الصغيرة ذات البضاعة البسيطة والمحدودة بين بيوت السكن.
كانت أماكن الحوانيت فيها شيء من التنظيم حيث أخذت حوانيت كل بضاعة جانب معين من المدينة وحسب أهميتها وحاجتها من قبل الزبائن. فقد كانت حوانيت المواد الغذائية مثل الخضروات والقصابة والحبوب، وكذلك حوانيت المستلزمات البيتية مثل الاواني الفخارية والسلال والاقمشة وغيرها تقع قريبة من بيوت السكن، بينما كانت مكاتب الصيرفة وحوانيت الحلي والمصوغات والمواد الثمينة قريبة من مركز المدينة. أما حوانيت الدباغة والسراجة والمشاغل الحرفية كالحدادة والنجارة والادوات الزراعية، فكانت في الغالب تقع عند أطراف المدينة وضواحيها لتكون قريبة من الاراضي الزراعية، حيث حاجة المزارعين اليها هناك بالدرجة الأساس. وكان يراعى في تصميم الحانوت ما يلائم نوع بضاعته، مثل عوامل التهوية ومواجهته للريح واتجاه الشمس، وكذلك عدم تأثيره على مرافق المدينة الاخرى من نواحي التلوث والضجيج وانتشار الروائح.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

672 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع