الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - فلسفة الثورة في الفكر العراقي القديم القسم الثاني والأخير

فلسفة الثورة في الفكر العراقي القديم القسم الثاني والأخير

                                                                 

                              حامد خيري الحيدر

              
 
فلسفة الثورة في الفكر العراقي القديم
القسم الثاني والأخير

عرفنا من ما تقدم في القسم الأول بأن  المجتمع العراقي القديم كان قد شُيّد على أساس الصراع، أبتدأ بالصراع مع البيئة، ثم الصراع بين المدن أي بين المجتمعات الصغيرة المشّيدة على الأسس القبلية الزراعية من أجل الأراضي الخصبة ومصادر المياه، ليأتي بعدها الصراعات فيما بين تلك المجتمعات أنفسها بسبب التمايز الطبقي والاجتماعي... أن نظرة دقيقة للنصوص الاقتصادية والقانونية المتأتية من الألفين الثالث والثاني ق.م تشير الى المجتمع الرافديني كان بالغ التعقيد، تجاوز أطاره العام كونه مجتمع أحرار وعبيد، أذ يبقى ذلك نسبياً حسب تذبذب الظروف الاقتصادية وتبدل المناخات السياسية القائمة، حيث أن كل من هاتين الفئتين لها تفاصيلها ودرجاتها... فهناك أحراراً دون مستوى العبيد، كما كان هناك عبيداً وصلوا الى درجة من الرخاء الاقتصادي بعد تمكنهم من امتلاك وسائل الانتاج أوصلتهم الى درجة عالية من الرخاء الاقتصادي جعلتهم يمتلكون حتى العبيد رغم عبوديتهم... وحتى الحكام والملوك قد تدور بهم الدنيا فيكونوا يوماً تحت سلطة ورحمة أباطرة يحملون في مخيلاتهم فكرة جنون التوسع التي بدأت بعد تأسيس أول امبراطورية في التاريخ، تلك التي أسسها سرجون الأكدي عام 2370 ق.م على أنقاض المجتمعات الزراعية المتناحرة... ولامجال هنا لتفصيل أكثر في بنية المجتمع الرافديني، لكن من المهم ذكره بهذا الصدد أن الفلسفة الدينية التي وضعها كهنة المعابد لأسباب سبق التطرق اليها، وضحّت أن مجتمع وواقع الأنسان الارضي ما هو إلا صورة مصّغرة لمجتمع الآلهة وواقعه في السماء، بكل تفاصيله وتناقضاته وصراعات طبقاته ومكوناته... فالآلهة بدرجات ومستويات تباينت حسب نتائج الصراعات بين المدن التي كانت تتزعمها تلك الآلهة، فهناك آلهة للخدمة والكدح وهناك آلهة للقيادة والحكم، كما أن هناك آلهة للثقافة والالهام الفني والفكري، بل أن هناك آلهة أبيح قتلها من أجل تنفيذ رغبات كبار الآلهة، كما حدث مع الإله المسكين (كنكًو) الذي ذُبح وعُجن دمه مع الطين في أسطورة الخليقة البابلية من أجل خلق الانسان... وما يُهمنا من كل ذلك ووفق هذا الترابط  أن تلك الفلسفة قد جعلت من الملك مُمثلاً لكبير الآلهة ونائباً عنه في قيادة الناس، عليه يتم تسليمه شارات الملوكية من السماء بشكل دوري كل عام وفق مراسيم طقوسية خاصة مع احتفالات رأس السنة (الأول من نيسان)، دلالة على ان الملك مُعّين من قبل الالهة وله حقاً إلاهياً لا يجوز لاحد المساس به سوى الالهة نفسها، وبالتالي  فان جميع الاوامر والتشريعات التي يُصدرها انما تتم بوحي من الالهة، لذا فهي واجبة التنفيذ من قبل جميع أبناء المجتمع دون نقاش... ويتضح ذلك من احدى التراتيل الدينية السومرية (الرجل ظِل الإله، والعبد ظِل الرجل، لكن الملك صورة الإله)... أن تلك التراكمات الهائلة التي تم طرحها بما حوته من قهر للفئات والطبقات المعدمة، جعلت النُظم السياسية الحاكمة موضع التساؤل وبالتالي الرفض من قبل عموم المجتمع بعد وصول تلك التناقضات القاسية بين حاجات وتطلعات الناس بالعيش بكرامة وبين رغبات تلك النُظم المُستقوية بشرعية الآلهة المسيطرة على مُقدرات الكون حد السخط العام، ليحدث الصِدام العنيف بينهما بعد ذلك، خاصة بعد أن ترسّخت في ذهنية الانسان الرافديني وقناعته بأنه عنصراً أساسياً فاعلاً في بناء الحياة وازدهارها وليس جزءً مكملاً أو ثانوياً لها... وهنا يبرز الدور الخلاّق للفكر الرافديني في تبرير التمرد والثورة على تلك النظم الباغية، موجداً الشرعية في جواز الثورة، وذلك بإعطائها بُعداً إلهياً الهمته الآلهة للناس، مانحاً اياها بذلك وضعاً دينياً مقدساً أسوة بسلطة الحكام المناطة بهم من قبل الآلهة، والمُتمثلة بإحلال الرخاء والنماء في الأرض ورعاية مصالح المجتمع، ليكون بسلطته السياسية عنصر توازن بين رغبات الآلهة وحاجات عموم الناس، أي أن يحول دون ان تؤدي التناقضات ما بين الطبقات الاجتماعية الى انهاكه عن طريق النزاعات العقيمة بين أفرادها... فاذا ما أخّل هذا الطرف بواجباته وغدا لا يمثل (الإحسان) الإلهي، بل أخذ يمارس الجَور والظلم والقهر لمصلحته الخاصة، عندها يصبح فاقداً لتلك الشرعية الممنوحة له من قبل الآلهة وبالتالي يمكن أن تسترجعها منه، كونه في كل الأحوال مخلوقاً بشرياً مصيره الفناء (كما سبق ذكره في القسم الاول)، لذا يصح الخروج عن طاعته ومن ثم الاطاحة به عن طريق الثورة... وقد أرجع الفكر الرافديني أساس فكرة الثورة الى الرغبة الإلهية نفسها، حيث أنها أوضحت بشكل صارخ أن الآلهة نفسها أول من قام بتلك الثورات ولنفس الأسباب الانسانية التي أشير اليها من ظلمٍ وحَيف... أن ما ورد في قصة الطوفان البابلية (قصة أتراحاسيس) المدونة في حدود 1650 ق.م، بقسمها الأول المتعلق بموضوع خلق الأنسان وما حَوته من تفاصيل دقيقة عن الثورة التي قامت بها الآلهة الصغار المُستضعفة (الأيكيكي)، وأسبابها وكيفية نشوبها ثم تتابع أحداثها وتهديدهم  سلطة كبير الآلهة (أنليل) ومحاولة قتله، كذلك ترويع مَجمع الآلهة السبع العظام (الأنوناكي)، ثم انتصارها الكبير واستردادها لحقوقها، من المؤكد أنها تشير بوضح الى أحداث واقعية حدثت في حِقب  قديمة سابقة، لاسيما أن أهم ما كان يميّز الأدب البابلي (النص الأول من الألف الثاني ق.م) أنه أعادة صياغة وتجميع للأدب السومري القديم لكن برؤيا ونظرة جديدة... ولأهمية هذا النص الأدبي، نقتبس بعض من ما جاء فيه... (عندما كانت آلهة (الأيكيكي) مثل البشر تنوء بمشقة العمل وتعاني من التعب.. لقد كان التعب عظيماً والعمل شاقاً والعناء كبير)، (كان (الأيكيكي) يتذمرون ويشكون بينما (الأنوناكي) نائمون مسترخون.. أننا نعمل هنا منذ أربعين سنة، لقد قتلنا التعب.. دعونا نواجه (أنليل) كي يريحنا من عملنا الشاق.. دعونا نحطم النير ونقتله أو نثير الهلع في قلبه وهو بيته)، (أشعلوا النار في (مَساحيهم) وفؤوسهم ليجعلوا منها مشاعلاً.. ساروا الى بيت (أنليل) وأحاطوا به)، (أيقظ (نِسكو) وزير (أنليل) سيده.. أن بيتك محاصر.. وأن ثورة (الأيكيكي) وصلت الى بوابتك)، (أن كل واحداً منا مُصمم على اعلان الثورة، لقد هدّ أجسادنا تعب العمل، ولن نتوقف حتى نسترجع كرامتنا والوهيتنا)... ليعلن حينذاك انتصار هذه الثورة الإلهية بعد أن خضعت الآلهة الكبار مُرغمة لمطالب الثوار، بعد أن وقفت الأرض متمثلة بإلهها الحكيم (أينكي) الى جانبهم، في عبرة رمزية بالغة الروعة مفادها أن الأرض لأهلها، وهي دوماً في صف الكادحين والمُتعبين، موجدة الحل المناسب، المتمثل بخلق الأنسان ليحمل عن تلك الآلهة الثائرة مشقة العمل... هنا ترتبط هذه الأسطورة مع أسطورة الخليقة البابلية في نتيجة واحدة مفادها أن خلق الأنسان ما هو إلا نتاج عمل ثوري بامتياز، أو أنه بعد الثورة لابد أن يأتي الأنسان الجديد... ولو انتقلنا للبحث بين الكتابات والنصوص الأدبية المعروفة عن أمثلة تتضمن تجسيداً حياً لثورة الشعوب على السطلة الحاكمة في العالم الأرضي البحت سوف لن نجد أبلغ من ما ورد في (ملحمة كًلكًامش)، والاقتتال العنيف الذي حصل بين (أنكيدو) و(كًلكًامش)، الاول باعتباره رمزاً للشعوب التي أخذت مجتمعاتها تسلك مَنحاً تصاعدياً في رقيها يعكس طريقها المنطقي في عملية التطور، والثاني باعتباره الحاكم المستبد الظالم.. (ما فتئ يضطهد الناس بمظالمه.. لم يترك عذراء طليقة لأمها ولا أبناً طليقاً لأبيه)... كما توضح العبارة الواردة في الملحمة (ما أن رأى الناس (أنكيدو) يدخل المدينة، حتى تجمهروا حوله) صورة التجمع الجماهيري والتفاف الشعب حول رمز الثورة وقائدها من أجل الوقوف سوية بوجه الطغمة الغاشمة... ورغم أن تلك المواجهة في نهاية المطاف لم تكن في صالح الشعب (أنكيدو)، لكنها انتهت بعقد صلح متين مع السلطة القائمة (كًلكًامش)، بعد أن قوّم الشعب حالها وأبدلت منهج تعاملها مع الشعب باتجاه الخير... أن هذين المثالين الثوريين (سماوي وأرضي) ربما يسلطان الضوء على الكثير من الحقائق عن واقع الصراع القائم في المجتمع الرافديني المترابط مع نموه الاقتصادي... ففي المثال الأول (ثورة الآلهة الصغار) نجد أن الثورة كانت نتيجة صراع طبقي بامتياز، على اعتبار أنه يتم بين فئتين متساويتين في الصفة الاجتماعية (الألوهية)، لكن الفارق هو التمايز الاقتصادي الذي أعطى نظرة فوقية للآلهة الكبار على الآلهة المُستضعفة، في إشارة الى تحول كبير في الفكر الرافديني من قضية الصراعات القبلية المناطقية من أجل الاراضي ومصادر المياه الى الصراع داخل المؤسسة الاجتماعية الواحدة، من أجل ازاحة الاستغلال الطبقي الذي تمارسه الطبقة المستغِلة... أما في المثال الآخر (ثورة أنكيدو) نرى أن الثورة الجماهيرية لا يمكن ان تندلع أو يُكتب لها النجاح إلا اذا وصل الانسان الى مرحلة متطورة من الرقي الفكري والاجتماعي تنقله من مرحلة التبعية المطلقة للطبيعة (شرعية الآلهة) الى مرحلة الاستقلال الذاتي والحضاري، كي يستطيع استقطاب عموم الجماهير المضطهدة المظلومة ويكون نداً مماثلاً في القوة للسلطة الحاكمة المستبدة... ولو نعود الى الوقائع والاحداث التاريخية الفعلية بما كشفت عنه الكتابات التذكارية والقوانين والمرثيات وحوليات الملوك خلال مختلف الفترات، لوجدنا اشارات واضحة  الى العديد من الثورات والانتفاضات الشعبية على أنظمتها الحاكمة، لكن يمكن اعتبار الثورة التي اندلعت في دويلة (لكًش) السومرية عام 2400 ق.م بما حوته من تفاصيل وتسلسل احداث تعتبر الأبرز من بينها، ويمكن اعتبارها تلخيص لكل ما سبق ذكره... فقد اصبحت لمؤسسة الاقطاع ممثلة بسلطة المعبد السطوة العليا في هذه الدويلة العريقة فاقت سلطتها السياسية ممثلة بالأمير (لوكًال لندا)، لتمارس  شتى أنواع القهر والظلم بحق الفلاحين والطبقات الفقيرة من المجتمع، واقترفت بحقها الكثير من المساوئ فأبدلت الكثير من الاعراف الأخلاقية والاجتماعية السائدة بشكل يخدم مصالحها، ليصلوا بشعب الدويلة الى أدنى درجات الفقر... كما ورد في أحد النصوص.. (أن الفلاحين والعمال والشغيلة صاروا يستجدون من البيوت، ويأكلون فضلات الطعام من أبواب المدينة، بينما مخازن الكهنة والحكام وحاشيتهم مليئة بالحبوب)، (كان الكهنة ينهبون الثمر من بستان أم الولد الفقير)، (كان الشعير والملابس والأقمشة والماعز والطيور يستولي عليها الكهنة ورجال الأمير كضرائب)...  لتنقلب هذه الاوضاع بغضبة جماهيرية عارمة أسقطت هذا النظام التعسفي بسلطتيه السياسة والدينية. لقد جسّدت هذه الثورة بشكل واضح عمق الصراع الاجتماعي والطبقي في المجتمع، بين الشعب وما حمله من كمٍ هائل من المظالم والسلطة الحاكمة بما مارسته من جَور واضطهاد... كما تكمن أهمية هذه الثورة أيضاً أنه رغم أن الثقل الأكبر في اندلاعها قد وقع على عاتق عموم الجماهير (فلاحين، شغيلة، عمال التحميل، الجنود وصغار ضباط الجيش)، لكن قيادتها كانت من الطبقة الوسطى (الفئة المثقفة) المُنبثقة من الطبقات الفقيرة من الشعب، والتي ظهرت نتيجة طموحات الطبقات المُعدمة آنذاك واصرارها بحصول أبنائها على العلم رغم عَوزها، كونه الطريق الوحيد المتاح لديها لنيل قدر من المساواة الاجتماعية بعد تعذر ازدهارها الاقتصادي، وهذا ما يمكن تلمسه من النص التالي الذي يعود الى أواسط الألف الثالث ق.م.. (من أجل أن يتعلم ولدي سأقود الثور للحراثة، من أجل أن يتعلم ولدي سأخرج لجمع الحطب من البرية)... وقد تمثلت هذه القيادة بالمُصلح الاجتماعي (أوروأنمكًينا)، الذي كان آنذاك أحد كتبة المعابد، لذا جمع قائد الثورة هذا بين خلفيته الثقافية العالية وانتمائه الطبقي لعامة الناس الذي جعله يحس بمعاناة أبناء شعبه ويستشعر آلامهم... وقد وضع هذا المُصلح بعد انتصار الثورة وتوليه الحكم اصلاحات اجتماعية تعتبر بواكير التشريعات القانونية في التاريخ، ذكر في مقدمتها.. ( منذ الآن لن يطأ الكاهن أرض البستان.. منذ الآن لن يقتلع الكاهن شجرة الفلاح أو ينهب ثمارها)، (منذ الآن لن يُسلم الارملة واليتيم والضعيف الى الحاكم والقوي، والفقير الى الغني والكاهن)، (سيكون بيت الفقير بجانب بيت الغني)، كما ذكر هذا المصلح لأول مرة في التاريخ كلمة (الحرية) التي تقرأ في السومرية (أماركًي) حيث ورد (أن الحرية ستكون لكل فرد في لكًش)... ويكاد يُجزم أن كاتب أسطورة ثورة الآلهة الصغار السابقة، قد أستند في كتابته بشكل كامل على تفاصيل ثورة (لكًش) بعد أن أصبحت من ضمن التاريخ، حيث أن الفارق الزمني بين تلك الاحداث وزمن تدوين الاسطورة أكثر من ثمانية قرون... ورغم أن انتصار هذه الثورة لم يدم أكثر من ثمانية أعوام، حيث سقطت (لكًش) بتجربتها الثورية وقُتل قائدها (أوروأنمكًينا) على يد جيوش مدينة (أوما) المناوئة لأسباب عديدة يطول شرحها، لكنها هزّت بعنف نظام الأقطاع المُتخلف المُتمثل بسلطة المعبد، ممهدة الطريق لتحجيمه ثم زواله نهائياً، لتُشيد على أنقاضه بدايات الدولة الاستبدادية بعد سيطرة السلطة الدنيوية بالكامل على مجريات الأمور، وذلك بقيام أول امبراطورية في التاريخ وهي الامبراطورية الأكدية 2371_2230 ق.م التي أسسها الملك (سرجون الأكدي)... ولإكمال الاجهاز على ما تبقى من قوة للسلطة الدينية وبطريقة غاية في الخبث والذكاء معاً، أبتدع عدد من ملوك العراق القديم فكرة جديدة بل وغريبة على السياق العام للمعتقدات الرافدينية، ألا وهو ادعائهم الألوهية، وكان أبرز من سار بهذا الأسلوب الملك (نرام سين) 2291_2255 ق.م وهو الملك الرابع في الامبراطورية الأكدية، و(شولكًي) 2195_2047 ق.م الملك الثاني في امبراطورية أور الثالثة، والغرض من هذه (البدعة) هو سحب البساط من تحت أقدام السلطة الدينية التي أدّعت وروّجت طيلة الحِقب الماضية بأن جميع أراضي البلاد هي مُلكاً صرفاً للإله، لتنتقل تلك الاراضي وفق هذا الادعاء تلقائياً الى مُلكية الملك (المؤله)... ويحق لنا القول في ذلك أن هذه الحركة أنها كانت البدايات الأولى لثورات التأميم في العالم، لتدق السلطة السياسية بذلك آخر مسمار في نعش سلطة الدين الاقتصادية، ليأخذ الصراع بعد ذلك منحاً آخر أطاره المصالح المحلية والاقليمية... وما ساعد على ذلك هو التطور الكبير الذي طرأ على وسائل الانتاج وزيادة القدرة على التحكم بعوامل الطبيعة، مما ساعد على التحرر من هيمنة الآلهة التي تمثل قوى الطبيعة تلك، لدرجة جعلت ببعض الكتاب يسخرون من تلك الآلهة بشكل سافر (لا تقدم القرابين للآلهة من تلقاء نفسك، أن الإله هو الذي سيركض خلفك كالكلب عندما يحتاج اليك)... ونتيجة لذلك فأن المعبد بعد خسارته لامتيازاته القديمة وسلطته المستمدة قوتها من الاعتماد على الزراعة والارض بشكل رئيسي ويأسه من استردادها، ولغرض الحفاظ على كيانه أصبح دوره تملقياً انتهازياً بدعمه الكامل للسلطة الدنيوية، وفق قاعدة (الجدار الذي لا تستطيع أن تقفز فوقه سر بجانبه) مغيّراً بذلك توجهاته وفق تقلّب موازين القوى، مؤيداً هذا ونابذاً ذاك حسب توافقه مع مصالحها، مُستعيناً بأسلوبه القديم البغيض بترويجه أفكاراً تصب في هذا الاتجاه، خصوصاً في عمليات قمع الثورات والانتفاضات في داخل البلاد، وكذلك لقبر محاولات أرادات شعوب الاقاليم البعيدة المحتلة في الانفصال والتحرر من استبداد السلطة المركزية... فمن ضمن التراتيل التي كانت تقرأ عند تجديد تنصيب الملك في عيد رأس السنة، يرد هذا النص.. (الإله سيكون عون الملك.. سيرافقه كظله.. سَيعينه عند التمرد والثورة والعصيان)... وهنا يظهر لاعب جديد لكنه أكثر خبثاً على الواقع الاجتماعي لكن بصورة مغايرة ليملئ ذلك الفراغ الذي خلفه المعبد، الا وهو طبقة التجار وأصحاب رؤوس الاموال والاحتكاريون والمُرابون. وهذه الفئة رغم أن وجودها كان مرافقاً لتأسيس المدن خلال الألفين الرابع والثالث ق.م، لكنها كانت مقيدة بسلطة المعبد الاقطاعية، لكنها أخذت تنمي نفسها بهدوء وبشكل تدريجي منتظرة فرصة ظهورها وتسلطها، لتعلن عن نفسها كقوة مؤثرة في المجتمع، مُكشّرة عن أنيابها في أواخر عهد سلالة أور الثالثة، بعد أن ساهمت بشكل فاعل في أسقاط هذ الامبراطورية... لتغدوا هذه الفئة مع العهد الجديد أي العصر البابلي القديم (الألف الثاني ق.م) السند القوي للسلطة الحاكمة، طالما كانت تلك السلطة ترعى مصالحها وتساهم في انتفاخها الاقتصادي، مما ساعد الملوك في زيادة سطوتهم على الشعب، خصوصاً بعد أن تشكّل فيما بعد ذلك الثالوث البغيض المؤلف من الملك والمعبد والتجار (القوة+الدين+المال)، والذي غدا أداة قهر رهيبة ضد تطلعات الجماهير، ولعل مقولة (عصفور بين النسور) الواردة من تلك الفترة تعبر بشكل واضح عن حجم الفارق بين امكانيات المواطن البسيط وذلك التحالف المتنامي على حساب بؤس الناس... لكن رغم ذلك يبدو أن الشعب الرافديني قد وصل الى درجة متقدمة من الوعي الطبقي والاجتماعي والفكري، جعلته يرفض كل أنواع الاستغلال أو المساس بهويته الانسانية، كاسراً بذلك حاجز الخوف الذي كبّله طيلة ماضيه السابق، لتصبح الاشارات في الكتابات عن قيام الثورات والانتفاضات في أرض الرافدين والأقاليم التي الحقت بشكل قسري بجسد الدولة الرافدينية، شيئاً اعتيادياً بل من ضمن تقاليدها الشعبية العامة المتوارثة، ومرافقة لتتابع الحقب واشكال الدول، منذ قيام الدولة الاستبدادية وحتى انهيار آخر رموزها امبراطورية أور الثالثة عام 2006 ق.م، ثم قيام الكيانات السياسية الجديدة المعتمدة في اقتصادها على النشاط الحر في فترة العصر البابلي القديم خلال الألف الثاني ق.م، ثم الدولة الآشورية، وحتى سقوط مدينة بابل على يد الفرس الأخمينين عام 539 ق.م... ولعل أبرز هذه الثورات، الثورة التي كادت تطيح بالملك (سرجون الأكدي)، والثورات العديدة في أرجاء (امبراطورية أور الثالثة) التي أدت تدريجياً الى انهيارها اقتصادياً ثم سقوطها السريع على يد العيلاميين عام 2006 ق.م، وثورة مدينة (ماري) ضد الملك (حمورابي) 1792_ 1750 ق.م  التي سعت للاستقلال عن سلطته، وكذلك الثورة التي حدثت في القسم الجنوبي من أرض الرافدين المتاخم للخليج ومناطق الاهوار، والتي قادها الثائر (أيلوما أيلو) عام 1470 ق.م، وأدت الى انفصال تلك المناطق عن الجسد البابلي، ليؤسس ذلك الثائر سلالة جديدة عرفت باسم (القطر البحري) وفي السومرية (أورو كوكي)، وسميت كذلك (سلالة بابل الثانية)، والتي أستمرت حتى عام 1500 ق.م... والحديث يطول ولا يقصر عن الثورات التي اندلعت ضد الامبراطوريات الكشّية والآشورية والبابلية الحديثة في الداخل والخارج والتي يَصعب احصائها، لكن نتائجها كانت واحدة بانها نخرت كيانات تلك الدول من الداخل بشكل كبير مما أدى الى سقوطها بشكل دراماتيكي سريع فيما بعد... في مقابل تلك التحركات الجماهرية الثورية فأن السلطات الحاكمة كان لها حساباتها بشأن ذلك، بعد شعورها بقوة خصمها وخطورته، ومن من أجل وقاية كياناتها والحفاظ على ديمومته سارت في أتجاهين.. الاول هو أنشاء جهازها القمعي المُتمثل بحرس المدن أو بالأحرى (حرس الأنظمة الحاكمة) الذي تأسس بمهمته التخصصية مع تأسيس الدولة الاستبدادية، وواجبه هو مراقبة التجمعات الساخطة، وضرب وثبات الجماهير، والاقتصاص من القيادات الشعبية، للحيلولة دون وصول تحركات الشعب الى درجة الانفجار الذي لا يمكن السيطرة عليه، وكذلك تقوية الجيوش وتدريبها  وتطويرها عدة وعدداً، لتكون جاهزة ومستعدة للتحرك في أي وقت واتجاه تظهر فيه بوادر تمرد أو عصيان في الأقاليم المُستعمرة، لقبر تلك المحاولات وهي في مهدها... أما الثاني فهي المجابهة الفكرية التي تتمثل بالكثير من الكتابات الادبية والدعائية لغرض تخويف وترويع عموم الناس من مَغبة الوقوف بوجه السلطة الحاكمة، موظِفة في ذلك العديد من الكتّاب المأجورين الذي غدوا أبواقاً لتلك السلطة، لتظهر الكثير من الكتابات الموجهة في هذا الجانب، منها هاتين المقولتين الواردين من فترة سلالة أور الثالثة... (الدار التي ثارت ضد الملك.. الدار التي لا تستلم للملك.. الفأس ستجعلها تركع للملك)، (أذا ثارت المدينة فأن الفأس هي التي ستحمي العرش).. كذلك في مثال آخر يعود الى فترة العصر الآشوري الحديث (مطلع الألف الاول ق.م)، وهو جزء من محاورة بين سيد وعبده.. (السيد/ عزمت أن أقوم بثورة... العبد/ أفعل يا سيدي ذلك، فاذا لم تفعل ماذا سيتبقى من شخصيتك (كرامتك)..... السيد/ لا، لن أقوم بثورة... العبد/ لا تفعل ذلك، فأن من يقوم بثورة يُعذب ويُكوى جسده بالنار ويودع السجن أو يُقتل)... ومن باب الترويع النفسي وابراز مدى سطوة السلطة الحاكمة، ملئ الملوك الآشوريين قصورهم بمنحوتات ضخمة، تزرع الرهبة والخوف في قلوب ناظريها، وبجداريات بانورامية صورّت مشاهد تنكيل الملوك بمعارضيهم الثوار، من تعذيب وتكبيل وجلد وقطع رؤوس وصلب على الخوازيق، كذلك صورّت الانتصارات واساليب الانتقام من المدن المتمردة، وما لحقها من دمار وحرق وخراب وتهجير لسكانها جزاء مغامرة عصيانها... بالمقابل فأن للشعب كان له رده على ذلك وأن كان بشكل أقل عنفاً، يتمثل أما بتحذير وتنبأ بمستقبل أسود ينتظر كل حاكم طاغ لا يرعى مصالح شعبه، وذلك بشكل أقوال وحكم كانت بمثابة نصائح لأولئك الحكام، نذكر بعضاً منها والتي تعود الى العصر الاشوري الأخير (القرن السابع ق.م)... (أذا لم يعبأ الملك بإقامة العدل في بلاده فستعّم الفوضى شعبه وتُخرب بلاده)، (أذا لم يُلبي الملك رغبات شعبه فأن بلاده سوف تثور عليه وحياته ستكون قصيرة)، (اذا حكم الملك على مواطن من شعبه ظلماً بالسجن، واذا سلب أموال البلاد وأختزنها في خزائنه وفرض الغرامات على الناس اعتباطاً، فأن شعبه سيثور عليه وتُخرب بلاده وتستبيحها جيوش الأعداء)... وأما أن يكون ذلك الرد بشكل أدعية، هي في حقيقتها زفرات غضب تُعبر بشكل صريح عن مدى مظلومية عموم الناس وكرههم لهؤلاء الحكام، منها هذا الدعاء الذي يعود الى أواسط الألف الثاني ق.م (عسى أن تلعن الإلهة (عشتار) سلطته (أي الملك)، وأن تبعد عنه أولاده، وتثير في مملكته الثورات التي لا يمكن اخمادها، وتسلط عليه جيوش الأعداء، ويبقى يسير ما تبقى له من عمر هائماً كالمجنون في البرية).
المصادر (القسمين الأول والثاني)..
1_ طه باقر ... مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ... الجزء الأول
2_ طه باقر ... مقدمة في أدب العراق القديم
3_ طه باقر ... ملحمة كًلكًامش
4_ فاضل عبد الواحد علي ... الطوفان في المراجع المسمارية
5_ فاضل عبد الواحد علي ... سومر أسطورة وملحمة
6_ فاضل عبد الواحد علي ... عشتار ومأساة تُموز
7_ رضا جواد الهاشمي ... نظام العائلة في العصر البابلي القديم
8_ فوزي رشيد ... الشرائع العراقية القديمة
9_ كًوردن تشايلد ... التطور الاجتماعي ... ترجمة/ لطفي فطيم
10_ فردريك أنجلز ... أصل العائلة والمُلكية الخاصة والدولة ... ترجمة/ أديب يوسف
11_ صموئيل نوح كريمر ... من الواح سومر ... ترجمة/ طه باقر

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

377 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع