الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - الاحتراف

الاحتراف

                                      

                      المهندس / احمد فخري

انت تعلم عزيزي القارئ ان من الضروري ان تكون محترفاً إذا اردت ان تكون ناجحاً في عملك. ولكن ماذا تعني لك كلمة احتراف وكيف تصبح محترفاً؟
البعض يقول بان الاحتراف يعني ان تكون حسن الهندام اثناء ساعات العمل، وان تعمل عمل جيداً.

والبعض يعتقد بان المحترف يجب ان يحمل شهادة عالية تعلق في اطار جميل على حائط مكتبه. الاحتراف يحتوي جميع هذه الصفات لكنه يحتوي على الكثير الكثير.
إذاً ما هو الاحتراف؟ وما هي اهميته؟  وكيف تستطيع ان تكون محترفاً بكل معنى الكلمة في حياتك العملية؟ في هذا المجال ساقوم بتغطية جميع النقاط التي تقدم الاحتراف بالمفهوم العملي.
تعريف الاحتراف
يعرف الاحتراف على انه السلوك والاهداف والمزايا التي تجسد الحرفة او الشخص المحترف. انها تعرف المهنة على انها تتطلب علم خاص وعادة ما تكون اعدادات لدراسات اكاديمية معمقة. هذه التعريفات تشير الى ان الاحتراف يحتوي على الكثير من المزايا بالاضافة الى تلك المزايا التي تجسد الشخص المحترف.
إذا ما هذه المزايا؟
المعرفة المتخصصة
بادئ ذي بدئ المحترفون يعرفون من معرفتهم التخصصية. فقد سخروا جهودهم المعرفية لتطوير مهاراتهم وحصلوا على الشهادات العليا التي تشكل اللبنة الاساس في معرفتهم. ليست جميع المجالات العملية لديها المعرفة الاساسية والشهادة العلمية التي تدعمها. لذا فان البعض يتطلب خبرة عملية تعزز تلك المهارة بذلك المجال. المهم هنا ان هؤلاء المحترفون يعملون باعمال جدية تعزز الخبرات العملية المكتسبة من جراء خدمتهم وخدمة مجالهم التخصصي. والابقاء على معلوماتهم محدثة حتى بعد التخرج كي يتمكنوا من مسايرة التقنيات الحديثة المبتكرة.
الكفائة
المحترفون ينفذون اعمالهم بشكل متكامل وصحيح غير قابل للشك او التأويل. وبامكانك الاعتماد عليهم والاعتماد على وعودهم إن وعدوا. وإذا شائت الضروف أن يُمنعوا من تنفيذ وعودهم فانهم سيقوموا بقدر المستطاع على اصلاح الخلل الذي نتج عن تلك التغييرات. لذا فان المحترفون لا يخلقون الاعذار ولكن يركزون على ايجاد الحلول.
الامانة
المحترفون يتصفون بصفات خاصة ومميزة كالامانة والشرف، والابقاء على وعودهم وبالامكان الوثوق بهم تماماً لتلك الاسباب. هم لا يعرضون قيمهم لحلول وسط. ويعملون الاصح حتى لو كان ذلك على حساب اتخاذ مسالك صعبة. والاكثر من هذا وذاك فالمحترف يتسم بالتواضع. إذا ما وقعت امور خارج نطاق خبرته فانه لا يخاف من ان يعترف بذلك، ويقوم مباشرة بطلب المعونة عند الحاجة والتعلم منها ولا يبالي بـ (الكرامة المهنية).
الشعور بالمسؤولية
المحترفون يُحمّلون انفسهم المسؤولية الكاملة لافكارهم وكلامهم وافعالهم، خصوصاً عند ارتكاب الخطأ. هذه المسؤولية الشخصية مرتبطة بشكل وثيق مع الامانة والشعور بالمسؤولية هي اللبنة الاساس للاحتراف.
دعنا الآن ننظر الى اشكال من الاحتراف وكيفية التمييز بينها وبين روتين العمل.
قبل بضعة شهور وصلني فلم قصير على هاتفي المحمول يصور بائعاً للشاي باحد المقاهي (ﭼايـﭼي) وهو يعزف انغام جميلة من خلال طرقعة فناجين الشاي بصحونها وملاعقها، فهل يعتبر هذا الشخص محترفاً؟
إذا ركبت سيارة تكسي واعجبت بسائق التكسي وهو يقود مركبته بين شوارع وازقة المدينة كي يوصلك الى مقصدك بوقت قياسي متجنباً كل اكتضاض وازدحام، فهل يعتبر هذا الشخص محترفاً؟
إذا جلست بجانب احد الموظفين الحكوميين ممن قضى سنين طويلة في وظيفته ولاحظت كيف يتعامل مع الاوراق وهو يثنيها ويثقبها ويدرجها بداخل الاضبارات بشكل منسق وبسرعة متناهية، فهل يعتبر هذا الشخص محترفاً؟
إذا وقفت بفرن وراقبت الخباز وهو يعجن العجين ويفرشه ثم يحوله الى قرص متكامل ثم يضعه فوق مخدة من قماش ويلصق تلك العجينة في الفرن، فهل يعتبر هذا الشخص محترفاً؟
إذا كنت راكباً بطائرة ركاب، وكان الجوي رديئاً جداً والطائرة تتمايل يمين شمال. لكن الطيار يهبط بالطائرة على ارض المطار وكأنها لعبة صغيرة،  فهل يعتبر هذا الشخص محترفاً؟
إذا دخل مريض الى غرفة العمليات بمرض مستعصي. لكن الجراح يخرج من غرفة العمليات بعد اربع ساعات ليقول بان العملية ناجحة وان المريض سيكتب له النجاة، فهل يعتبر هذا الجراح محترفاً؟
الجواب على كل هذه الاسئلة هو نعم، نعم ثم نعم. إذاً علينا ان نحدد نوع الاحتراف وكيفية تقييمه.
الاحتراف نوعان لا ثالث لهما. الاول هو الاحتراف من جراء التكرار والروتين العملي وعلى فترات طويلة من الزمن باداء شيء معين تحت وتيرة واحدة يجعل من الفرد محترفاً بعمله ودقيقاً في التعامل مع ادوات رزقه كما هو الحال مع بائع الشاي والموظف والفران وسائق التاكسي. كل هؤلاء المحترفون تلقوا تدريباً عملياً من قبل مهنيين محترفين قاموا بتلقينهم اسلوب تنفيذ العمل على وتيرة احترافية. ولم يتقن هؤلاء الاشخاص حرفهم الا بعد محاولات كثيرة وارتكاب اخطاء جسيمة ادت الى دقتهم ووصولهم الى تلك الدرجة الرفيعة من الاحتراف.
اما الاحتراف من النوع الثاني فهو الاحتراف من جراء تكرار العمل بعد الحصول على شهادة اكاديمية. مثل حالة الطيار والجراح والمهندس وغيره. فهذه الفئة من المحترفين لن يبدأوا باسلوب تدريبهم الا بعد حيازهم على شهادات اكاديمية وضعت فيهم لبنة الاساس في قاعدة معلوماتهم مما اعطتهم مرجعاً يستندون عليه اثناء تأدية مهامهم. فهم محترفون اكاديميون.
وليس بالامكان الخلط بين الاثنين. اي انك إذا ما جئت ببائع الشاي وادخلته غرفة العمليات لمدة عشرون سنة فهو لن يصبح جراحاً حتى لو تمكن من تنفيذ جراحته بشكل صحيح. وهذا ما كان يفعله الحلاقون قبل مئات السنين. فقد كانوا يقومون باجراء عمليات خلع الاسنان كما يفعل طبيب الاسنان اليوم. ولكنهم نفذوا هذه العمليات دون معرفة اكاديمية. ولم يكونوا يعلمون تشريح السن ولا سبل تغذيته من قبل الشرايين والاوردة ولم يعرفوا كيف يتعاملوا مع الاعصاب المؤدية الى ذلك السن. لذا كانت عملياتهم مصحوبة بالآم شديدة واحيانا تتسبب في التهابات قد تصل الى الموت.
المحترف لا يرتكب خطأ
هناك اعتقاد سائد مفاده ان المحترف لا يرتكب خطأ. والحقيقة ان بازدياد خبرة المحترف فان احتمالية وقوعه في الخطأ اقل بكثير من نظيره الذي حصل على خبرة اقل. لذا ترى أن الاطباء في الدول التي يكون تعداد سكانها قليلاً تجد اطبائها يفتقرون الى الخبرة وذلك لقلة توارد المرضى عليهم. والعكس صحيح، فاطباء الدول ذات الكثافة السكانية العالية مثل الهند والصين فان اطبائهم يمتازون بخبرة عالية ومهارة فائقة لانهم يعالجون كماً كبيراً من المرضى كل يوم. لذا يكون احتمال وقوعهم بالخطأ اقل بكثير من غيرهم.
كيف اصبح الغرب غرباً والشرق شرقاً؟
هذا السؤال لا يحيرني انا وحدي فحسب بل يحير جميع الذين يقطنون معي في الغرب وهم من اصول عربية او من العالم الثالث.
فهناك اعتقاد سائد ببلداننا ان اي انسان بامكانه ان يحترف جميع الحرف ونطلق عليه اسماء اخترعناها له تصفه بالذكاء المفرط مثل (لوتي ، امزحج، بتاع كلو، فهلوي، سبع صنايع، اسطة، امفتح باللبن) هذه الصفات كلها تطلق على من يقحم نفسه في مهنة لم يحصل فيها على تدريب اكاديمي او مهني. فنجد بعض العشابين الذين يصفون اعشاباً تشفي من جميع الامراض. الا اننا نصاب بصدمة قوية عندما لا نشفى من المرض بالرغم من تعاطينا تلك الاعشاب. وبآخر المطاف نجر ساقينا خلفنا ونتجه نحو عيادة الطبيب. واللوتي الذي يدعي انه كهربائي ماهر، يقوم بربط اسلاك بيتك بشكل خاطيء فيسبب كوارث لا تحمد عقباها.
انظروا الى السينما العربية عموماً والمصرية بالخصوص. فالممثل المصري قد يكون كرصوناً او شوفير تكسي او خياطاً للملابس ثم يقرر ان يصبح ممثلاً، والممثلات اللواتي كن راقصات او مغنيات وبين ليلة وضحاها تنقلب الى ممثلة من الدرجة العاشرة. وهذا هو سبب تأخر السينما العربية وتصنيفها في مؤخرة الركب.
في الشرق لا نحترم الاناس الذين يستحقون ان يطلق عليهم لقب خبراء حقاً. لذا عندما يصاب الخبير باليأس ببلده، يبحث عن سبيل كي يتجه الى الغرب حيث تقدر هناك كفائته وعلمه.
في الغرب يجب ان يكون كل محترف خبيراً. فالمهندس والطبيب والطاهي والنادل والنجار والدهان والكهربائي وسائق التاكسي ووو....  كلهم حصلوا على شهادات خبرة مكنتهم من تأدية مهامهم بشكل احترافي. وهذا بيت القصيد.
ان المحترف بالغرب عندما يبلغ تلك الدرجة الرفيعة فانه يستلم معها شهادة من جهة معتمدة تؤكد احترافيته وتضع نفسها مسؤولة عن امكانياته العلمية او المهنية او كلاهما معاً. فالجامعة لا تمنح لقب المهندس او الطبيب او المحامي او الدراسات العليا كالدكتوراة او الماجستير لشخص معين الا بعد ان تنطبق فيه كل الشروط والمعايير حسب اختبارات مكثفة لانها تكون مسؤولة امام القانون إذا ما اخطأ في تقييمه. والكثير من الشهادات الرفيعة لا تكون كافية لمزاولة مهنة ما. فاغلب الاحيان تسطحبها فترة اختبار مع مزاولة فعلية لتلك المهنة قبل ان يطلق عليه اللقب المهني.

(مع شديد الاسف ظهرت اليوم جامعات تمنح الشهادات عن طريق المراسلة. صارت تمنح الشهادات الجامعية يمين شمال والغاية منها جمع المال فحسب. علماً بان هذه الجامعات لم تحصل على تقييم اكاديمي من البلدان التي تعمل بها. اي انها على سبيل المثال اذا كانت تعمل بالمانيا فعليها ان تحصل على اعتراف من قبل السلطات الالمانية واذا كانت تعمل بالدنمارك فعليها ان تحصل على اعتراف من قبل السلطات الدنماركية وهكذا. انا لا اقول بان جميعها جامعات وهمية لان البعض منها لها مصداقية عالية واعتراف من قبل سلطات تلك البلدان، لذا على الشخص الذي يرغب التسجيل بمثل هذه الجامعات ان يقوم بالتحقق من جهات رسمية حول الاعتراف بتلك الجامعة ولا يكتفي بما تتدعيه تلك الجامعات عن مستواها العلمي وعن ما إذا كان معترف بها).

اما على المستوى الشخصي، فان المعني بالامر لا يتوقف عنده تحصيل العلم ويبدأ بعملية تحصيل المال كما يقع لبعض الاشخاص. بل يعتبر تلك المرحلة كنقطة انطلاق للبحث والتطوير الذاتي من خلال متابعة النشرات العلمية ذات الصلة بتخصصه كي يواكب آخر التطورات والابحاث بذلك المجال.
نقطة السمو
هنا علينا ان نقف وقفة قصيرة لنتأمل هذه النقطة لانها ذات اهمية قصوى. فالمحترف الذي يفهم مهنته بشكل معمق ويبرع بها ويعشقها فانه حتماً سيصل الى درجة الفنان. وهذه المرحلة تطلق على كل من يصل الى درجة الابداع في صنعته بغض النظر عن نوع العمل. فقد سمعت عن احد الجراحين العراقيين العظام والذي كان يدعى الدكتور يوسف النعمان رحمه الله. وهو جراح امتاز بجراحة القلب. اخبرني عنه احد مساعديه بانه كان يحضر الغرفة العمليات بسروال الجينز لابساً السترة البيضاء الطبية. وقبل ان يبدأ عمله يقوم بتشغيل جهاز التسجيل واضعاً شريط للمغنية الراحلة سليمة مراد فتبقى تغني بينما يباشر يوسف بالجراحة. وقد تدوم العملية فترة 8 ساعات متواصلة او اكثر، الا انه كان يعمل بيده ويغني مع سليمة مراد بفمه وهو بكامل انتعاشه. وكانت اعماله هي التي تشهد على براعته في الطب. كان زملائه جميعاً يطلقون عليه لقب الفنان. انظر ايها القارئ الى سيرته الذاتية
المرحوم الدكتور يوسف النعمان مواليد بغداد 1923 .
*درس الابتدائية في مدرسة الطاهرة، المتوسطة الشرقية والثانوية المركزية.
*تخرج من كلية الطب بغداد 1949.
*حاصل على الماجستير في الجراحة سنة 1955 من جامعة بيلر في الولايات المتحدة.
*حاصل على البورد الامريكي سنة 1958.
*دكتوراه في العلوم الطبية 1960 في جامعة كولومبيا.
*عضو المجلس الامريكي لجراحة الصدر والقلب 1958.
*عاد الى الوطن سنة 1961.
*أسس أول مركز لجراحة الصدر والقلب في كلية الطب بغداد 1963-1986.
*تقلد منصب رئيس فرع الجراحة كلية الطب بغداد ثلاث مرات كان آخرها 1982-1986.
*أسس مركز جراحة الصدر والقلب في مستشفى السلام 1961.
*عضو مؤسس لجمعية ميشيل ديبغي الدولية لجراحة الصدر والقلب 1977.
*عضو مؤسس لجمعية أطباء الصدر والقلب والاوعية الدموية.
*عضو في جمعية السرطان العراقية.
*رئيس تحرير مجلة الكلية الطبية – جامعة بغداد 1970-1986.
*له عدة مؤلفات طبية منها المقدمة في جراحة الصدر والقلب وكذلك الصدر والانعاش.
*له فعاليات رياضية واجتماعية، فهو بطل العراق في رفع الاثقال سنة 1945.
*بطل التنس الزوجي 1948 والرئيس الفخري لرفع الاثقال وكمال الاجسام.
*سميت شعبة جراحة الصدر والقلب في مدينة الطب بأسمه عام 1981.
*توفي(رحمه الله ) في 27/2/1986
وهناك الكثير من مثل هذا الجراح ممن وهبوا حياتهم لمهنتهم وبرعوا فيها لدرجة الفن.
فهل اعطيت الاحتراف حقه؟

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

455 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع