إِنَّ كَلاَمَ الْحُكَمَاءِ إذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً، وَإِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً...الإمام علي ـ كرم الله وجهه

وزراء ثورة 14 تموز 1958 يتحدثون : هكــذا تشكلـت حكومـة تمـوز الأولى

     

وزراء ثورة 14 تموز 1958 يتحدثون : هكــذا تشكلـت حكومـة تمـوز الأولى     
                             بقلم /هادي حسن العلوي
        

السرية والمفاجأة والمباغتة كانت اهم ما استخدمه قائد الثورة الزعيم الركن عبدالكريم قاسم وزميله العقيد الركن عبدالسلام محمد عارف والعقيد الركن عبداللطيف الدراجي، فلم يبلغوا سوى عدد لا يتجاوز اصابع اليد في موعد تنفيذ الثورة، وهكذا سمع اعضاء اللجنة العليا للضباط الاحرار بالثورة من الراديو، وهو الاسلوب نفسه الذي استخدم في التعيين للمناصب الرفيعة سواء مجلس السيادة او مجلس الوزراء، فحتى ناجي طالب نائب رئيس اللجنة العليا لتنظيم الضباط الاحرار سمع بتعيينه وزيراً من الراديو صبيحة يوم الثورة (14 تموز 1958)، واكد لي (انا كاتب المقالة) في لقاء معه ان عبدالكريم قاسم وعبد السلام عارف انفردا في تشكيل وزارة الثورة الاولى ...

   

                المرحوم / ناجي طالب وزيارة من نائب رئيس الجهورية / طارق الهاشمي
حتى ان بعض الوزراء لايعرف احدهم الاخر، ويبرر طالب هذا الاسلوب، بالخوف من انكشاف امر الثورة للسلطة وبالتالي اجهاضها!! واضاف طالب قائلاً:
(هناك شخصيات سياسية معروفة ولها وزنها على الساحة، اختار منها قاسم وعارف الوزارة).

                  

العلاقة بين قيادة الثورة واحزاب المعارضة

والواقع انه كان لعبد الكريم قاسم علاقات ببعض احزاب المعارضة الوطنية المنضوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني، فكان لعبدالكريم قاسم اتصالات منذ العام 1956 بالحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وحتى حزب الاستقلال عن طريق صديقيه (رشيد مطلك وكمال عمر نظمي)، الاول عينه قاسم مديراً للسياحة بعد الثورة، فيما كان الثاني ممثلاً عن الحزب الشيوعي في جبهة الاتحاد الوطني، فقد طلب الزعيم قاسم من الحزب الشيوعي رسم التدابير الخاصة بالشؤون الاقتصادية باعتبار ان هذا الموضوع (خارج اختصاص العسكر)، لكن عند قيام الثورة واعلان التشكيل الوزاري للثورة لم يكن لهذا الحزب وزير فيها، فهل كان تعيين الماركسي المعروف ابراهيم كبة والقريب من الشيوعيين كافياً لرسم السياسة الاقتصادية للبلاد؟، ويقال ان قيادة الثورة لم تشرك الحزب الشيوعي في الحكم، بداية الثورة، خشية من اتهام الثورة من قبل الدول الغربية ودول حلف بغداد بأن الثورة شيوعية، وبالتالي التدخل لاجهاضها.

وخلال تحضيري لرسالتي للماجستير العام 1975 قال لي كمال عمر نظمي انه التقى عبدالكريم قاسم يوم الخميس 10 تموز 1958 وطلب منه عبدالكريم قاسم ابلاغ الحزب الشيوعي بموعد الثورة وطلب من الحزب دعم الثورة خاصة في الساعات والايام الاولى للثورة وهو ما تحقق له.
وذكر لي الدكتور ابراهيم كبة عندما التقيته العام 1967 بانه سمع بتعيينه وزيراً للاقتصاد من الراديو صبيحة يوم الثورة، وانه التحق بمنصبه في اليوم التالي.
  
          الزعيم في شارع الرشيد وحوله جماهير الشعب
اما بالنسبة للحزبين (الوطني الديمقراطي والاستقلال) فقد اتصل بهما رشيد مطلك المرسل من قبل عبدالكريم قاسم، حيث اجتمع المطلك بكامل الجادرجي ومحمد حديد (عن الحزب الوطني الديمقراطي)، ومحمد صديق شنشل ومهدي كبة (عن حزب الاستقلال في ربيع العام 1958 وذلك في زنزانة كامل الجادرجي في سجن بغداد، حيث كان الجادرجي يقضي محكوميته فيه، وازاء اصرار قيادة الضباط الاحرار بمشاركة هذين الحزبين في الحكم وافق الجادرجي بالمشاركة، حيث كان يرغب في ان تكون وزارة الثورة الاولى من العسكريين فقط حتى تستتب الامور، وهكذا حصل الزعيم قاسم على مشاركة هذين الحزبين في الحكم.

                                     
وكان عبدالكريم قاسم يتخوف من الامور المالية فطمأنه الحزب الوطني على ذلك، لذلك جاء ترشيح محمد حديد نائب رئيس هذا الحزب لوزارة المالية، وبهذا الصدد يشير عبدالكريم قاسم في تصريح له بشأن استقالة محمد حديد من وزارة المالية في 10 نيسان 1960، قائلاً:

(اننا نعرف الاستاذ محمد حديد قبل الثورة المظفرة بمدة سنتين، وقد اجرينا المداولة معه حول وضع الخطة المالية لحكومة الثورة، قبل قيامها لضمان الوضع الاقتصادي في البلاد)، من جانبه فان محمد حديد ذكر لـ (سام فول) القنصل الشرقي في السفارة البريطانية ببغداد يوم 16 تموز 1958 انه علم بالثورة من المذياع، حيث كان في الموصل، وانه (واجه رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم ونائبه عبدالسلام عارف لاول مرة في 15 تموز، ولم يكن يعلم اي نوع من الناس هما).

لكن ذلك لم يمنع من معرفة حديد بالثورة واتصالات قيادتها بحزبه.
 اما بالنسبة لهديب الحاج حمود فقد كان عبدالكريم قاسم يعرفه منذ العام 1931 عندما كان قاسم معلماً في مدينة الشامية، وهديب كان طالباً في الصف السادس الابتدائي، وكان والده احد ابرز شيوخ العشائر في مدينة الشامية، لذا رشحه عبدالكريم قاسم وزيراً للزراعة في حكومة الثورة الاولى ولخبرته في قضايا الفلاحين والزراعة، اضافة الى كونه احد اقطاب الحزب الوطني الديمقراطي، لكن هديب كزميله محمد حديد لم يعلم باستيزاره وزيراً، بل سمع ذلك من الراديو صبيحة يوم 14 تموز 1958.

                              

                        من اليمين: محمد مهدي كبة ، الزعيم ، نجيب الربيعي
            
اما حزب الاستقلال فقد مثله في حكومة الثورة السيد محمد مهدي كبة رئيس الحزب كعضو في مجلس السيادة، كذلك محمد صديق شنشل امين عام الحزب، وزيراً للارشاد، وفي مقابلة لي معه في  العام 1987 ذكر لي (شنشل) ان حزبه علم بموعد الثورة خلال اجتماع اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني يوم 12 تموز 1958 من كمال عمر نظمي ممثل الحزب الشيوعي في الجبهة، لكن شنشل لم يكن يعلم انه سيكون وزيراً، بل سمع باستيزاره من الراديو صبيحة يوم الثورة ايضاً.

          

                الأيام ألأولى للثورة .. الى اليسار/ محمد صديق شنشل
ويبدو ان ترشيح فؤاد الركابي ممثل حزب البعث وزيراً جاء من قبل العقيد عبدالسلام عارف صديقه وجاره ويلتقي معه بنفس التوجهات القومية والاسلامية، على الرغم من ان حازم جواد وشمس الدين كاظم (القياديين في هذا الحزب) ذكرا لي العام 1977 ان مرشحيهما لحكومة الثورة كانا (فؤاد الركابي وشمس الدين كاظم) ولايعرفان السبب في استيزار فؤاد وزيراً للاعمار فقط، وقد وعد عبدالسلام عارف هذا الحزب بتلافي ذلك باقرب فرصة، وفي اول تعديل وزاري،  لكن الامور، كما هو معلوم سارت باتجاه آخر.
اما مصطفى علي، الذي عين وزيراً للعدلية في حكومة الثورة الاولى، فهو من اصدقاء عبدالكريم قاسم واصدقاء عائلته، اذ كان والد عبدالكريم يعمل نجاراً مع والد مصطفى علي، وقبل الثورة كان مصطفى قاضياً في محكمة الاستئناف في بغداد، وكان اديباً، وهو لايعلم عن ترشيحه في الوزارة، حيث حدثنا قائلاً:

انه واسرته خرجوا ليلة 13 ـ 14 تموز للتنزه في الحديقة التي تقع بين المقبرة الملكية ودار المعلمين الابتدائية في منطقة الاعظمية، ثم آوى الى بيته في منطقة السفينة، ليفاجأ في الصباح الباكر باحدى قريباته تطرق الباب طرقاً متواصلاً، وتنهي اليه نبأ اندلاع الثورة وتعيينه وزيراً) واضاف مصطفى قائلاً لي: (توجهت في الحال الى الوزارة!!).


                             
اما بالنسبة للدكتورعبدالجبار الجومرد، فهو اديب ومؤرخ ومختص بالقانون وذو توجهات قومية رشحه عبدالسلام محمد عارف، ويذكر الجومرد في مذكراته:

(انه فوجىء بالامر حين اذيع خبر تعيينه وزيراً للخارجية) مؤكداً انه لم يكن يعلم بالثورة، ولم يفاتحه احد، ولايعرف من قام بالثورة، وقال:

(ان في الامر حيرة مابعدها حيرة، لقد اصبح الامر في نظري واقعياً وواجباً وطنياً، يجب ان اقوم به).
اما الدكتور جابر عمر، الذي عين وزيراً للتربية والتعليم، فقد رشحه عبدالسلام محمد عارف بتاييد من العقيد الركن عبداللطيف الدراجي، وقد فوجىء ايضاً  حين سمع بتعيينه وزيراً اذ يقول:

(دهشت لاختياري، لاني لم اكن اعرف عبدالكريم ولاعبد السلام عارف، وفي اليوم التالي (اي يوم وصولي الى بغداد) ذهبت الى وزارة الدفاع، حيث كان هناك الاثنان في غرفة واحدة، ولم استطع ان اعرف ايهما قاسم وايهما عارف!!).
كما ان وزارة الثورة ضمت وزيرين كرديين، هما:

بابا علي الشيخ محمود الحفيد، وقد عين وزيرا للمواصلات والاشغال، والثاني هو الدكتور محمد صالح محمود وزير الصحة، وقد رشحه العقيد الركن عبداللطيف الدراجي، وكان محمد صالح طبيبا عسكريا متقاعدا، وهو ابن خالة الدراجي واخو زوجته.

التشكيلة الوزارية

وهكذا اعلن عن تشكيل وزارة الثورة الاولى صبيحة يوم الثورة من راديو بغداد، وعلى النحو الاتي:
1- الزعيم الركن عبدالكريم قاسم... رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع وكالة.
2- العقيد الركن عبدالسلام محمد عارف.. نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية.
3- العقيد الركن ناجي طالب.. وزيرا للشؤون الاجتماعية.
4- محمد حديد.. وزيرا للمالية.
5- هديب الحاج حمود.. وزيرا للزراعة.
6- محمد صديق شنشل.. وزيرا للارشاد.
7- فؤاد الركابي.. وزيرا للاعمار.
8- ابراهيم كبة.. وزيرا للاقتصاد.
9- عبدالجبار الجومرد.. وزيرا للخارجية.
10- جابر عمر.. وزيرا للتربية والتعليم.
11- مصطفى علي.. وزيرا للعدلية.
12- الدكتور محمد صالح محمود.. وزيراً للصحة.
13- بابا علي الشيخ محمود.. وزيرا للاشغال والمواصلات.

 يبدو من تركيبة الوزارة انها كانت شبه ائتلافية مثلت معظم الاحزاب المشاركة في جبهة الاتحاد الوطني وعدداً من الشخصيات الوطنية المعروفة المستقلة، اضافة الى مشاركة ثلاثة من تنظيمات الضباط الاحرار، كما اخذ بنظر الاعتبار مشاركة الاكراد في تلك الوزارة، مع ذلك فقد لعبت العلاقات الشخصية بين الضباط الاحرار وزعماء الاحزاب السياسية دورها في وضع الاسس التي تم بموجبها تاليف الوزارة، اذ ان اللجنة العليا لتنظيم الضباط الاحرار كانت قد ناقشت في بعض اجتماعاتها الصورة التي يجب ان تكون عليها حكومة الثورة دون التوصل الى اتفاق بشأن المرشحين للوزارة، ويبدو ان علاقات عبدالكريم قاسم مع اطراف الحركة الوطنية مكنته من تكوين فكرة عن تشكيلة الوزارة، ولما اقترب موعد تنفيذ الثورة، وضع قائمة بالاسماء يوم 11 تموز استشار فيها كلا من عبدالسلام محمد عارف وعبداللطيف الدراجي، وبهذا الصدد يذكر الدكتور فاضل حسين في كتابه (سقوط الحكم الملكي):

يذكر عبداللطيف الدراجي ان قائمة اسماء الوزارة الاولى كانت تضم فائق السامرائي (احد قياديي حزب الاستقلال) وزيراً للداخلية، وكامل الجادرجي (رئيس الحزب الوطني الديمقراطي) وزيرا للاقتصاد، وقد فوتح الاخير بذلك فعلا في 11 تموز لكنه اعتذر، فاقترح عبداللطيف الدراجي ترشيح ابراهيم كبة بدلا عنه) بينما هناك معلومات تشير الى ان ابراهيم كبة كان مرشحا لوزارة الاقتصاد منذ نيسان 1958 من خلال الاتصالات بين العقيد الركن عبدالوهاب الامين (احد اعضاء اللجنة العليا لتنظيم الضباط الاحرار)، اما بالنسبة لوزارة الداخلية فقد رغب عبدالسلام محمد عارف ان يكون وزيرا للداخلية فلم يمانع عبدالكريم قاسم بذلك، وبعد نجاح الثورة عين فائق السامرائي سفيرا للعراق في مصر، كما دعي العقيد الركن عبداللطيف الدراجي لتولي منصب وزير الدفاع، لكنه اعتذر مفضلا منصب آمر الكلية العسكرية، فتولى عبدالكريم قاسم وزارة الدفاع..

    
ظلت قائمة وزارة الثورة الاولى لدى عبدالكريم قاسم وكذلك بيانات الثورة من دون ان يطلع عليها احد، وسلمها ليلة الثورة الى العقيد الركن عبدالسلام محمد عارف ليذيعها بعد السيطرة على دار الاذاعة العراقية.. وهو ما تم فعلا.

البرنامج الوزاري
وهكذا فوجئ معظم الذين رشحوا بالوزارة بسماع اسمائهم من الراديو صبيحة يوم الثورة حتى انهم لم يحضروا الى وزارة الدفاع مقر رئيس الوزراء وقائد الثورة، ولما اراد عبدالكريم قاسم ان يعقد اجتماعا لمجلس الوزراء، اراد ان يبلغ الوزراء بموعد الاجتماع بواسطة الشرطة، الا ان محمد صديق شنشل وزير الارشاد حضر الى مقر وزارة الدفاع مع بعض وزراء جبهة الاتحاد الوطني واقترح عليه ان يتم تبليغهم عن طريق الاذاعة، وهو ما تم، والملاحظ على هذه الوزارة انها لم تضع منهاجا وزاريا او برامج محددة عن سياستها، لكن ممثلي الاحزاب في الوزارة سعوا لوضع برامجهم السياسية ومبادئهم المعلنة، وما يترشح عن اجتماعات مجلس الوزراء المستمرة يوميا موضع التطبيق في تحقيق العديد من المنجزات، لكن الطريق كان معبدا بالمصاعب والمؤامرات والتدخلات الدولية التي ما انفكت حتى قضت على الثورة. 

قوس قزح

مقالات

سمية العبيدي

خصام

د.علوان العبوسي

العراق الى المجهول

هادي جلو مرعي

إرفع رأسك إنت حرامي

أ.د جبار جمال الدين

صغار طوى الموج أعمارهم

أ.د. سيّار الجميل

دجلة ليس هو التنّين !!

ماجد عبد الحميد كاظم

قراءات في صحف عراقية قديمة

ثقافة وأدب

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

531 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع