الشيخ ضاري المحمود بطل الصحراء...

  

        الشيخ ضاري المحمود بطل الصحراء

                        

              

                
  
 اتفق النسابون على أن ضاري هو ضاري بن ظاهر بن محمود بن ظاهر بن حمام ويعود نسبه إلى محمد الحارثي الزوبعي من قبيلة شمر..

وهو شيخ عشيرة زوبع من شمر وتسكن زوبع بين بغداد والفلوجه على بعد ميلين جنوب مصب قناة ابي غريب كما يسكن افرادها في منطقة اليوسيفيه وكذلك في شمال العراق على الحدود السوريه والتركيه
وكان مسكن الشيخ ضاري المحمود ومن يتبعه في جدول ابي غريب والضفه اليسرى من الفرات جنوب راس الرضوانيه ويمتدون شرقا الى الصقلاويه شمال النقطه

                                                                    

                     الشيخ درع بن ظاهر المحمود

وضاري الاخ قبل الاخير واخوته من ابيه مجباس ومشعان وشلال وحرج وفرحان ومشعل وضاري ودرع

 كان والد ضاري يحبه حبا جما ، واستقدم له معلما من بغداد يعلمه القراءة والكتابة
أجمعوا جميعا على مشيخة ضاري عليهم وعلى زوبع جميعها وهو في مقتبل عمره حيث ساد عشيرته وهو صغير بالسن وولد ضاري عام 1284هـ/1868م وتزوج بسبعة من النساء فكان له منهن أبنائه

خميس – سليمان – حميد – أحمد – الحميدي – عبدالكريم – فرحان

 وكان مولعا بأخبار القدامى

إدعى جواسيس الانكليز في العراق في تقاريرهم السرية أن زوبع كانت قبل الحرب ضعيفة التسلح ، ولكنها إستعدت وتكامل سلاحها خلال الحرب ، وأدخلت الانكليز في روع وفزع وأنها لن تهدأ معهم وأنها ستعكر صفوفهم وأمنهم

  

صورة الشيخ سليمان الضاري المحمود والشيخ خميس الضاري المحمود

                   

من الطرائف التي تروى ان المرحوم ضاري شيخ زوبع كان جالساً ذات يوم في احد مقاهي الكاظمية وسمع الجالسين يصيحون (وير) مرة بعد مرة كلما جاء الى المقهى احد اصدقائهم ، ولم يكن الشيخ يعهد ذلك من قبل لقلة ارتياده المقاهي، فسأل عن معنى (الوير) فلما عرف المقصود منه هتف يخاطب ساقي المقهى: "انا اخو فاطمة ورور على الحاضرين كلهم "وقد دفع فعلاً حساب الجميع


نسب عشيرة زوبع
قال فيهم النجدي في كتابه" الدرر المفاخر في أخبار العرب الأواخر" صفحه 14
ومنهم "زوبع" المعروفون والكرام المألوفون السالكون مسالك الحمد والمالكون أزمة المجد ذوو العفو عند المقدرة والسخاء بلا معذرة
سقمانهم ألفان وفرسانهم المعدودة مائتان

وقال صاحب (عشائر العرب): "ومنهم زوبع المعروفين والكرام المألوفين، السالكين مسالك الحمد. والمالكين أزمة المجد، ذوي العفو عند المقدرة، والسخاء بلا معذرة.."اه ص47 وكانوا قبل هذا التاريخ ورد ذكرهم في وقائع العراق سنة 1169هـ -1756م ورئيسهم آنئذاك بكر الحمام


 موقف ضاري من الغزو الاجنبي
 عالج التقرير السري لدائرة الاستخبارات البريطانية الموقف العشائري في منطقة الدليم بعد احتلال بغداد فأشار إلى أصدقاء الانكليز من رؤساء بعض العشائر ، وسكت عن الشيخ ضاري بلا علة ويعتبر هذا السكوت في مصلحة ضاري وسمعته المعهودة ، لانه عرف بمناوأته الصريحة لقوات الاحتلال

                      
 
            ألقائد ألبريطاني ألكولونيل ليجمن بزي بدوي

وتدل التقارير التي كانت في حوزة لجمن وهو القائد البريطاني الذي قتله ضاري : على أن الشيخ ضاري كان معروفا بنزعته العدائية للانكليز في العهد العثماني ، وفي زمن الاحتلال وأنه لم يتقرب إلى الحكام السياسين في يوم من الايام ، ولم يتزلف إليهم ، وهذا يفيد إن الانكليز أنفسهم يعرفون أنه كان خصمهم العنيد ، فقد ركب ذات يوم حصانه ومعه أخوه شلال وإبنه سليمان إلى جسر قراره في جنوب بغداد ، وإجتمع بالقائد التركي نور الدين في


        

خيمته الخاصة ليعدا خطة الهجوم على الانكليز ، وقد كلف شلال وسليمان بتموين المحاربين ، واشترك ضاري في معارك عديده ضد الانكليز وأشرف على الاسرى من جنودهم بعد حصار الكوت ، وأسهم في معركة (اصطبلات) الطاحنة بين الاتراك والانكليز ولاذ بالرمادي حيث إتصل بالقائد التركي (أحمد بك أوراق) واتفقا على النزول بجانب الجزيرة وهناك تعاون مع الشيخ حردان على مناهضة جيوش الاحتلال

 واتصل الانكليز بعد ذلك بضاري وحردان للمفاوضة على الصلح ولم يؤد هذا الاتصال الى نتيجة , حز في نفس لجمن وهو سيد البادية حينذاك وكان يسمي نفسه (لجيمان) أن ينطلق ضاري على هواه في سلوكه ضد الانكليز ويناصبهم العداء ويقاوم تعسفهم وسطوتهم فأراد أن يكبح جماحه ويروضه على الطاعه ، فطلب الاجتماع به عدة مرات ولكن ضاري كان يرفض ذلك

وبعد إلحاح من لجمن وافق ضاري على مقابلة لجمن في خان النقطة وكان يسمى خان ضاري لانه هو الذي بناه ولكن الانكليز سموه خان النقطة. جاء ضاري إلى الخان سنة 1920م وفي شهر آب منه ، معه ولداه خميس وسليمان وابناء اخيه مجباس: صعب وصليبي وجماعة من اقربائه بينهم دحام الفرحان وبينهم وعشرون فارسا شجاعا من عشيرته حيث تقابل معه وطالبه لجمن بتسليم لفيف من المجرمين الذي ادعى انهم يسلبون رجاله وأنهم لايزالون على مقربة من مكانتهم ، وطلب إليه ضاري أن يتعاونا على قبضهم إن كان حقيقة ما يظن ووضع تحت تصرف لجمن خمسة من رجاله ، معهم ضاري ابن ضاري لالقاء القبض على الجناة . وأن هذا الموقف قد افتعله لجمن لتستقيم مكيدة تبرر الايقاع بزوبع ورئيسها
 ومما يؤكد ذلك أن لجمن طلب من ضاري فوق ذلك أن يقوم بحراسة الطريق بين الرمادي وبغداد ، وأن ضاريا قد اعتذر وأنه لايتمكن من مقاومة العشائر التي أثرت فيهم ونازعتهم وحينئذ قال له لجمن : (إن موقفك هذا يعتبر خيانة) ، وبالاضافة إلى ذلك فقد اتهم ضاري بالسرقة أيضا وألقى على عاتقه تبعة الاخلال بالامن ونسب إليه وإلى عشيرته زوبع حادثة السلب وذلك بكلمات جارحة ، وبعد هذا أيقن الشيخ ضاري أن لجمن سيفتك به لامحالة ، ولذلك ثارت حميته وغضب ، فاستأذن منه ليعود بعد قليل ومعه ولده خميس ورجل آخر من رجاله فرماه ضاري بطلقة نارية فسقط على إثرها قتيلا . وبعدها إستل سيفه وأجهز عليه

دوره في ثورة ألعشرين

       

لقد كان الشيخ ضاري كما تحدث عنه ولده سليمان يد حمراء في الثورة العراقية الكبرى ، وكانت له مراسلات مع كربلاء والنجف وبغداد وفي أحد الايام جمع لجمن رؤساء القبائل ، في الرمادي وكان بينهم الشيخ ضاري وأقم لهم مأدبة عامرة وبعد الانتهاء من الطعام فاتحهم في الموقف الراهن ، وقال : أنه يود الوقوف على رأيهم باعتبارهم عشائر من أهل السنة ، في صد الثوار الشيعة الذين يطالبون السلطات الانكليزية بقيام حكومة مستقلة

       
واستغل الشيخ ضاري عندئذ الموقف فلم يفسح المجال لاحد من المجتمعين بالكلام ، وإنما نهض قائما ليقول : لا تذكر يا لجمن كلمة ((شيعة)) فليس في ديننا سنة ولا شيعة ، بل هناك دين واحد وعرق واحد وكلمة واحدة واجماع على تشكيل حكومة وطنية ، فإذا لبيتم مطاليب الثورة فإن الاستقرار والام يسودان العراق. وإنني في موقفي هذا أخاطبك بلسان المجتمعين .

وهنا سكت لجمن وقال : أنتم عشائر والاجدر بكم أن تكونوا مستقلين.

وعندئذ غضب لجمن على الشيخ ضاري حتى كانت النهاية

   

صورة تجمع الشيخ حردان العبد الحميد العيثة شيخ مشايخ البوعيثة من اليمين والشيخ ضاري المحمود شيخ مشايخ زوبع حيث كانا يمثلان اقطاب المقاومة في المنطقة الغربية وهذا اللقاء يمثل المفاوظات مع الحاكم العسكري الانكليزي كروفر والتي فشلت فيما بعد بسبب قتل ليجمان في خان النقطة ( خان ضاري ) ويظهر في الصورة من الواقفين في الخلف من اليمين الشيخ مشحن الحردان ابن الشيخ حردان مع ابن عمه مطلك المخلف احد فرسان البذياب والملقب ابو دراعة

فالشيخ ضاري الذي شارك في ثورة العشرين، وكان همزة الوصل بين الثورة في الفرات الأوسط والجنوب، وبين المنطقة الوسطى والشمال، كان يمون الثورة بالرجال والسلاح والمؤونة من أجل استمرارها وتحقيق النصر على الغزاة. والإنكليز الذين عانوا الكثير ودفعوا ثمناً غالياً لأن العراق ثار من شماله الى جنوبه، لم ينسوا مواقف اعدائهم، وكانوا يتحينون الفرص لكي ينتقموا منهم، وكان الشيخ ضاري ضمن هؤلاء، خاصة انه مثل التحالف العضوي الوثيق بين السنّة في علاقتهم مع الشيعة في مواجهة الغزاة، وامتزجت الدماء ببعضها لتؤلف صيغة نموذجية للمقاومة الوطنية العامة والشاملة.


لقد قتل بطل الصحراء( ضاري المحمود) شيطان الصحراء(لجمن) ، لقد حاول الانكليز الانتقام من الشيخ ضاري وعشيرته زوبع وجهزت الحملة تلو الحملة للقضاء عليه والشيخ ضاري صامد مع أقاربه زوبع حيث جمعهم مرة وخطب فيهم قائلا
إن هذا هو أمر الله ، وتلك هي مشيئته وهو مقدر علينا محتوم ، وإني أوصيكم أن تكونوا رجالا صابرين على البلوى وعلى مايصيبكم ، واتفقوا ولا تتفرقوا
 
مقتل لجمن

ترك لجمن شهرا يمر بعد هذا الاجتماع وبعث يطلب من ضاري ان يوافيه الى <<خان النقطة>> وهو مقر عمله، ويقع بين الفلوجة وابو غريب. وضاري الذي اعتذر اكثر من مرة عن تلبية الطلب بحجة المرض ما لبث ان اضطر الى لقائه، وقد حصل هذا اللقاء يوم 12 آب 1920.
وصل ضاري الى خان النقطة قبل وصول لجمان اليه، فقد قضى لجمان ليلته السابقة في بغداد وتناول طعام العشاء مع المس بيل، ومع قادة آخرين، وقد تداولوا في الخطة التي يجب اتباعها مع ضاري.
ما كاد لجمان يصل الى المخفر حتى ادعى انه اضطر الى سلوك طريق غير عادي، نظرا لأن زوبع تقطع الطرق.

  

 كان وهو يتحدث مع ضاري يشتم ويتهم بهدف الاستفزاز والتحدي، وكان ضاري يحاول ما استطاع ان يتحمل ويصبر ويوضح، لكن الطرف الآخر يزداد حدة ورفضا. وفي هذه الاثناء وصلت جماعة وهي تصيح وتستنجد معلنة ان البدو قطعوا الطريق وسلبوا المسافرين، فطلب لجمان من القوات الموجودة في المخفر ان تصطحب عددا من رجال ضاري وتتعقب الجناة، ودخل مجددا غرفته ومعه ضاري، واستمر في الإهانة والتأنيب، ووصل الأمر حدود التهديد بالتصفية اذ لم يغير ضاري في سلوكه ومواقفه، وأشار الى ما لحق عددا من الزعماء الوطنيين نتيجة عدم الامتثال لأوامر بريطانيا من نفي وسجن وتشريد.

 وضاري الذي كان يستمع وينفي اية مسؤولية عما وقع من حوادث، وان زوبع لم تشارك فيها، حاول ان يتجنب الصدام، لكن حين بلغت الإهانات حدا جارحا اقرب الى السباب والشتائم خرج من الغرفة للحظة وأبلغ من بقي من جماعته، وبكلمات قليلة، ان لجمان تجاوز كل الحدود في التعامل معه، وهنا هب اقرباء ضاري وأفراد من جماعته لنجدته.
اطلق ثلاثة من رجال ضاري، ابنه ومعه اثنان، النار على لجمان وأصابوه إصابات بالغة، وحين كان يتخبط بدمائه ولم يمت بعد أجهز عليه ضاري نفسه بالسيف، وهكذا انتهى واحد من اشرس ضباط بريطانيا وأكثرهم دموية وقسوة، وكانت خسارته بنظر قادته ورؤسائه كبيرة لا تعوض.
يقول بعض مؤرخي حياته <<أنه كان جريئا ونشيطا وذا مزاج شاذ يقوده في أغلب الاحوال الى التهور>>، وهو بنظر الانكليز انه ضرب <<بقسط وافر في سياسة بريطانيا على الصعيد العربي أكثر من اي شخص آخر>> ووصفته وزارة الحربية الانكليزية بعد مصرعه <<بأنه رجل أقوى من الصعاب، وانه يستطيع السفر والعيش دونما شوق الى وسائل الراحة التي وفرتها للإنسان حضارة الغرب، وانه كان معتدا بثقافته الاوروبية>>. وتضيف الوزارة المذكورة أنه <<كان قادرا على مشاركة وجدانية في تقاليدها الثابتة، وعلى العيش عيشة عربية بالرغم من تشبثه بتفكيره الخاص>>.

بعد مقتل لجمان بدا واضحا ان المنطقة بأسرها، وزوبع على التحديد، ستتعرض للانتقام، الامر الذي دفع الجميع للاستعداد والى المبادرة لإشغال الانكليز ومن ثم الى إرهاقهم، فتم الاتصال مع القبائل الاخرى والتنسيق معها، والى إحياء الاحلاف القائمة بينها، كما لجأ ثوار زوبع الى قطع الملاحة في نهر الفرات، والى تكبيد السفن التي تمر فيه خسائر فادحة، إذ أغرقوا بعض السفن، والى قتل عدد كبير من أفراد الحاميات الانكليزية، والى نسف أجزاء من السكة الحديدية لمنع وصول الامدادات والنجدات، كما اشتكبت هذه القوات مع القوات الانكليزية في أكثر من موقع.
 ولعل أبلغ الخسائر وأكثرها تأثيرا سيطرة الثوار على النهر وشل الحركة فيه، مما أعاق حركة الانكليز وجعلهم يحشدون قوات كبيرة لمعاقبة القرى وسكان ضفاف النهر.

 وبعد جهد وتضحيات كبيرة قدر لبريطانيا ان تحرر سفنها المأسورة وان تنقذ أعدادا من الجنود والبحارة الذين كانوا على متونها، وبدا واضحا ان الكفة أخذت تميل لصالح الانكليز، مما دفع ضاري وعددا كبيرا من المقاتلين الى الاتجاه نحو الشمال، خاصة بعد ان توسع استعمال الطيران وملاحقته للثوار، ووقوع عدة معارك كانت الغلبة في أكثرها للجانب البريطاني، نتيجة التفوق بالاسلحة الحديثة والأعداد الكبيرة من الجنود التي تم حشدها.

في 23 أيلول أمر الفريق هولدن بتوجيه قوة عسكرية كبيرة للقضاء على مقاومة ضاري، فدكت هذه القوة قلعته وقطعت الماء عن مزارعه وأدت الى انكسار الثوار.

 وفي اليوم التالي احتفل بالفلوجة بالنصر على زوبع وضاري. وبدأ التفكير بالانتقال الى مكان أكثر أمنا، وباعتبار ان زوبع تنتشر على ضفاف الفرات فقد اتجهت الانظار الى جبل سنجار والجزيرة وصولا الى ماردين، وهكذا ارتحل القوم الى هناك.

بقي الشيخ ضاري والذين معه خارج المدن والقصبات في عصمة شمال الجزيرة على الحدود المشتركة بين العراق وسورية ، وهم يكابدون حياة التشرد زهاء سبع سنوات وتكاثر نسل زوبع في هذا المهجر ، بالرغم من صعوبة الحياة وشظف العيش ، وإن أبناء الشيخ سليمان بن ضاري وكردي ومحمد ومحمود ، ولدوا هناك في مراتع نصيبين

 ورغم ان عفواً عاماً صدر بعد ثورة العشرين، الا انه استثنى ضاري وأولاده وعدداً من زوبع، مما اضطر هؤلاء الى البقاء في الاماكن التي وصلوا اليها، فأقام ضاري في قرية من قرى الجزيرة السورية حتى عام 1927.


وفاته

   

لقد رصدت الحكومة الانكليزية مبلغ 10000 ألاف روبية لمن يأتي بالشيخ ضاري حياً أو ميتاً ، فسولت نفس السائق الارمني أن يكون هو رابح هذاالمبلغ ، فهو قد عرف ضاريا ولذلك أكثر من التردد على البادية للكيد تمهيدا لالقاء القبض عليه ، وظل يشتغل في سيارته مدة طويلة في الانحاء التي كان ضاري يختلف إليها
 وعرف ذات يوم أن ضاريا يريد السفر من الحسكة إلى مكان يعرف بأبي حامضة في الجزيرةالسورية ، وعرف أنه أحوج ما يكون إلى سيارة ومن هنا عزم على تدبير المكيدة ، فأوعز إلى أحد أقاربه المترددين على تلك الجهات بإنتظار سيارته التي ستحمل ضاري في موقع جرى الاتفاق عليه مع جاسوسين من عملاء الانكليز وركب ضاري السيارة دون أن يرافقه أحد من أبناء عشيرته ، لانه كان مطمئنا على نفسه ، وحسن الظن بهذا السائق الذي اعتاد ركوب سيارته في مناسبات كثيرة ، وبذلك تمت المكيدة ووقع ضاري في الفخ الذي نصب له. حيث تم تسليمه إلى مخفر سنجار عام 1345هـ/1928م ثم أرسل مخفورا إلى الموصل ومنها إلى بغداد تحت الحراسة المشددة ، وكان الشيخ ضاري في هذه الاثناء مريضا ولم تسمح السلطة القائمة في بغداد بمعالجته رغم شيخوخته وتدهور صحته

في بغداد لم تتح السلطات البريطانية لضاري امكانية المعالجة فأخذت صحته تسوء وتتدهور يوما بعد آخر، ورغم ذلك قدم للمحاكمة، وزعم الطبيب الانكليزي الذي فحصه ان المتهم في وضع صحي يحتمل المحاكمة.

 وقد جرت المحاكمة فعلا، وقدمت السلطات عددا من الشهود الذين شهدوا ضده، في الوقت الذي امتنعت او اخرت سماع عدد من شهود المتهم، وبعد محاكمة سريعة وشكلية، كان المتهم خلالها في حالة من المرض الشديد والإعياء البالغ، بحيث بدا اقرب الى الغياب عن الوعي، وبالتالي عاجزا عن الدفاع عن نفسه. وصدر الحكم على الشيخ ضاري بالإعدام ثم ما لبث ان خفف الى الاشغال الشاقة المؤبدة.
 
كان ضاري في الثمانين من العمر لما صدر عليه حكم الاعدام. وفي لحظة وعي قال للقضاة انه على وشك الموت ولا يبالي بأي حكم يصدر عليه، وانه إذا لم يمت الآن، وفي هذا المكان، فسوف يموت غدا وفي السجن.
 وهذا ما حصل بالفعل، إذ ما كاد يصل الى السجن حتى اشتد مرضه ودخل في غيبوبة.. وبدل ان ينقل الى المستشفى فقد جرى تمريضه وأشرف عليه بعض السجناء خاصة من زوبع، لكن عند الفجر اسلم الروح، وهكذا انقضت حياة واحد من أبرز ثوار العراق في الأول من شباط عام 1928.

ما كاد يعلن الحكم ويصل الى اسماع الجماهير حتى هاجت وتجمع الكثيرون منهم عند مكان المحاكمة ثم بالقرب من السجن. أما عندما أعلن عن وفاة ضاري في اليوم التالي فقد بلغ غضب الجماهير حدا لا يوصف، فتجمع الآلاف وأرادوا انتزاع الجثمان، لكن قوى السلطة حالت بينهم وبين ذلك، بحجة تشريح الجثة ومعرفة أسباب الوفاة! وان السلطة ستلجأ الى نقل الجثمان لمقبرة الشيخ معروف. وبعد أخذ ورد، ومفاوضات شاقة، امكن الوصول الى اتفاق يحفظ الأمن والنظام أثناء التشييع.

كانت جنازة الشيخ ضاري يوما مشهودا في تاريخ العراق الحديث، نظرا لضخامة عدد المشيعين، والحزن الذي خيم على الجميع، والأهازيج المليئة بالتحدي في مواجهة سلطات الاحتلال والدمى التي نصبوها. مرت الجنازة في احياء عديدة، وعبرت النهر الى صوب الكرخ، وصدف ان كان المندوب السامي متجها الى دار الاعتماد حين كانت الجنازة تجتاز الجسر، فاضطر هذا الأخير الى ان يقفل راجعا.

بعد ثلاث ساعات، وهي المدة التي استغرقتها الجنازة الى ان وصلت الى المقبرة، ظلت الجماهير محتشدة ما يزيد على ساعتين لكي تنتهي المراسم. أما من انزل الجثمان الى القبر فقد كان تلاميذ المدارس، صغار السن، الذين اصروا على ذلك، واستجاب لهم الكبار، وكانت الدموع تنحدر على الوجوه وهلاهل النساء تملأ الفضاء، وكانت الأهزوجة التي تتردد كالرعد هي:
 
{عاينوله للكاتل لجمن
هز لندن ضاري وبجاها
منصورة يا ثورة ضاري
ساعة ومضمومة يا لندن
الدنيا غدارة يا ابن العم
نام هنيه يا كاتل لجمن
يا شيخ اتهنه بها النومة}
 
ومات هذا الرجل العظيم فجر يوم الاول من شهر شباط سنة 1928م وقد أنشد الشعراء جل قصائدهم في الشيخ ضاري وقتله للجمن

او لخبرك ما جرى بلجمن أو صار = من نوى يستعبد بعزمه الاحرار
عرب شيمتهم ابت تحمل العار = امعلمه تكود الخصيم كياده

 
وصدرت جريدة الاستقلال البغدادي صباح يوم الخميس في الثاني من شهر شباط 1928م مجللة بالسواد وهي تعلن بعض العناوين
 
مات ضاري المحمود
بغدادفي مأتم
أخريات أيام الشيخ ضاري
يا ضربة حرٍ لن ننساها .. هز لندن ضاري وبكاها .. فلتدفن لندن موتاها
 
الشيخ ضاري نار على علم ، يحبه العراقيون حبا جما ، ويقدسه المخلصون منهم تقديسا تخفق لذكراه القلوب ، وتهفو لاسمه الارواح ، لانه لم يكن كسائر الناس ، وإنما الكل يعتقد فيه الاخلاص والشهامة والاباء العربي الصميم ، ويرى شخصيته المحبوبة نور الامال الوطنية والاماني القومية ، ويضني النفوس الحرة البريئة ولكن المقادير التي اعتادت أن تفت في عضد الرجال الاحرار شاءت أن يؤتى بهذا الشيخ الجليل مثقلا بالقيود والاصفاد ، متهما بجرائم سياسية وقعت إبان الثورة العراقية عام 1920م وهي المتعلقة بمقتل الكولونيل لجمن , دفن الشيخ ضاري في مقبرة الشيخ داوود الطائي بين جموع مودعة من المتظاهرين وقد زرعت في قلوبهم الاسى والاسف على موت هذا الشهيد البطل

 
وقد خرج اهل العراق عن بكرة ابيهم من كردهم الى عربهم ومن شمالهم الى جنوبهم ومن سنتهم الى شيعتهم ومن غربهم الى شرقهم في جنازة الشيخ ضاري وهم يرددون بنغمة واحده متناسقه  هز لندن ضاري وبجاها

وهناك رواية لاأعرف مدى مصداقيتها
ارادو اخذ جثمانه الى لندن حتى تراه بريطانيا وابنة لجمن التي قالت اريد ان ارى قاتل والدي لكونها متعجبه من قتل بدوي لقائد عسكري كان يقود الجيش البريطاني وكان بمثابة رئيس العراق مثل (برايمر )بعد الاحتلال الاخير
 ومن ثم انقلبت بغداد كرخ ورصافه(الصوبين) على جثمانه فلم يشهد العراق هكذا موقف من كثرة الخلق وراء جثمانه ,كان هناك حمال من حماميل بغداد واسمه (حمد زرقاء) من قبيلة الجبور العريقه فأعترض سيارة البريطانيين التي حملوا بها جثمان الشيخ ضاري لاخذه الى لندن فقام بامساكها من الخلف ورفعها عن الارض بحيث تم رفع الاطارات عن الارض فلا تستطيع التحرك عمل حافز للعراقيين واخذوه من الاحتلال ومشوا خلف جثمانه على طول مدينة بغداد
 الحمال حمد زرقاء الى الان احفاده لهم حق على زوبع والمحمود خاصة وملتزمينهم التزام للموقف البطولي الذي قام به حمد زرقاء هذا البطل الشريف من ابطالنا الاحرار المقاومين والمجاهدين ضد ألاحتلال

ضاري المحمود رجل كتب اسمه في تأريخ العراق بماء الذهب حتى اذا مات شيّعته بغداد برجالها ونسائها وصاروا يهتفون
يهلال الدنيا شهالغيبة

وصلى عليه الناس صلاة الجنازة و دفن الشيخ ضاري في مقبره داوود الطائي وقد كتب على قبره ( هذا قبر الشيخ ضاري ابن ضاهر المحمود توفي في شعبان 1364هـ)

 وفي الختام لابد ان نقول كلمه لقد مات الشيخ ضاري مثل مات غيره ولكن ذكراه باقية تذكر الناس وخاصة شيوخ القبائل منهم ان الله والتأريخ سيحفظ لهم مواقفهم ومآثرهم ورحم الله الشيخ ضاري واسكنه فسيح جناته بسم الله الرحمن الرحيم (:"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) صدق الله العظيم


ألمصادر:
ويكيبيديا الموسوعة الحرة
مقالة في الحوارالمتمدن لعبدالرحمن منيف


لقطات من فيلم ألمسألة ألكبرى وفيها محاكمته وتشييعه



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

584 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع