الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - مذكرات صلاح عمر العلي ، متى ترى النور ؟

مذكرات صلاح عمر العلي ، متى ترى النور ؟

             

                               

                                                    

                الدكتور مليح صالح شكر/ نيويورك

   

مذكرات صلاح عمر العلي ، متى ترى النور ؟

لم ألتق صلاح عمر العلي في حياتي سوى مرتين منذ خمسين عاماً ، ولكن خلال السنوات العشر الأخيرة كنتُ وما أزال على تواصل معه يكاد أن يكون يومياً ، منذ أن أستقر في لبنان وبعد ان إختار الإقامة في تركيا .

إلتقيت بصلاح عمر العلي للمرة الاولى خلال حفل لتكريم الأدباء والشعراء العرب أوائل عام 1970 أو قبل ذلك بقليل أقيم في مقهى كان موجوداً في صدر القناة ببغداد ، وكنت حينها مراسلاً للوكالة العربية السورية للأنباء، سانا ، في بغداد قبل أن أنتقل الى وكالة الأنباء العراقية .

   

وزير الثقافة والاعلام صلاح عمر العلي يستمع الى المدير العام لوكالة الانباء العراقية بهجت شاكر خلال جولة في المقر الجديد للوكالة  في شارع أبي نؤاس عام 1970

  وفي المرة الثانية كانت ذات يوم من عام 1980 حين ذهبنا نحن أصدقاء شقيقه وليد عمر العلي في وكالة الأنباء العراقية من بغداد الى تكريت لتعزية صديقنا بوفاة شقيقه الأكبر حسين ، وكان صلاح عمر العلي في مقدمة أشقاء الفقيد لتقبل العزاء بشقيقهم الراحل ، وبعد أن قمنا بواجب العزاء حاول صلاح ان يبقينا للعشاء لكننا إعتذرنا لضرورة عودتنا الى بغداد قبل حلول الليل.
وعلى مدى السنوات اللاحقة جرت أحداث كان أسم صلاح يتردد فيها بين الحين والآخر حتى بدأتُ في جمع مواد لكتابي عن الصحافة والإعلام في مرحلة ما بعد 17 تموز عام 1968، وكان صلاحاً لاعباً أساسيًا في وقائعها.
وعبر وسيلة الاتصال التي كانت سائدة في عالم التكنولوجيا ، البريد الالكتروني ، الايميل ، ثم عبر الرسائل النصية في الواتساب ، وجهت عشرات الأسئلة له وغالبيتها العظمى عن الصحافة والإعلام ، وبعضها عن شؤون أخرى.
ولم يبخل صلاح عمر العلي عليّ بالإجابات التي ضمنتها كتابي ( دفاتر صحفية عراقية، الصحافة والبعث، فترة ما بعد 1968 ) ، الذي أصدرته في عمان، ومنها رأيه أن حزب البعث على خلاف الحزب الشيوعي وجد نفسه في خضم الصراع السياسي وهو ما يزال في مرحلة التكوين ، الامر الذي حرمه من فرصة تربية كوادر متخصصة في الكثير من القضايا التي يحتاجها اَي حزب ، فلم يتمكن مثلاً من بناء كوادر ثقافية أو أعلامية عالية التخصص ، بينما تمكن الحزب الشيوعي من سد هذه الثغرة لتوفر الوقت أمامه منذ تأسيسه عام 1934
    

صلاح عمر العلي وزير الثقافة والاعلام مع زكي الجابر وكيل الوزارة عام 1970

والسيد العلي من مواليد عام 1937 في ناحية العلم بتكريت، ودرس الابتدائية والثانوية في تكريت ثم أصبح معلماً، ونقلته السلطات عام 1960 الى مدينة الناصرية معلماً في مدرسة أريدو الابتدائية ، وفي عام 1963 أصبح آمراً لقاطع الكرادة الشرقية للحرس القومي ببغداد ثم استقال منه لاعتراضه على ممارسات لم يكن راضياً عنها أدت به للاصطدام مع عضو في القيادة العامة للحرس.
واعتقل بعد 18 تشرين الثاني عام 1963 في مديرية الامن العامة ، ثم في معتقل خلف السدة، ومرة اخرى بعد احداث يوم 5 تشرين الاول عام 1964 مع الكثير من البعثيين بتهمة التآمر ضد نظام الرئيس عبد السلام عارف ، وتعرض لصنوف التعذيب يشرح في مذكراته تفاصيلها والمشاركين فيها بالاسماء، ولما أطلق سراحه أختفى في بيت حزبي بمنطقة العطيفية وبمعيته شقيقه الأصغر وليد ، ويشرح كيف أنه رفض بعد تولي حزبه السلطة في تموز عام 1968 معاقبة ضباط الامن الذين عذبوه في معتقل التآجي.
وبعد أداء دوره في السيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون في يوم 17 تموز 1968 تفرغ للعمل الحزبي حيث كان مسؤولاً عن تنظيمات خارج بغداد ( المحافظات ) ومكتب العمال.
وبعد بيان 11 آذار 1970 للحكم الذاتي في شمال العراق ، أستوزر صلاح عمر العلي وزيراً للثقافة والإعلام ، كما اصبح عضواً في مجلس قيادة الثورة وفي الوقت نفسه أصبح رئيساً لتحرير جريدة الحزب ( الثورة )،اعتباراً من عددها رقم 469 بتاريخ 13 آذار عام 1970 ، وحتى يوم 2 تموز 1970 حين أعفي من مناصبه الوزارية والصحفية ، ثم بقرار آخر وبناء على طلبه من مناصبه الاخرى عضواً في القيادة القطرية وفي مجلس قيادة الثورة .
وتردد ان صلاح عمر العلي هو من أنقطع عن حضور اجتماعات القيادتين لإعتراضه على ممارسات وصلته أخبارها عن طريق الجهاز الحزبي ، عن ما كان يجري في معتقل قصر النهاية من تعذيب وحشي للمعتقلين ومنهم شخصيات يعرفها وصلته اخبار تعذيبهم من ذويهم الحزبيين .
غادر صلاح عمر العلي بعد إعفاءه مجبرًا الى القاهرة لأنها لم تكن تضم تنظيمات بعثية يمكنه حشدها ضد من تسبب في ابعاده من العراق ، ولم يكن في وداعه بمطار بغداد سوى وكيل وزارة الاعلام زكي الجابر ، بينما زاره بمحل إقامته في القاهرة لطفي الخولي بتكليف من الرئيس جمال عبد الناصر.
وخلال احداث أيلول في الاْردن انتقل صلاح من القاهرة الى بيروت وحتى عام 1972 ، وحتى وافق رفاقه على عودته الى بغداد، وسكن بمنطقة المنصور ثم واصل دراسته المسائية في كلية القانون والسياسة بجامعة المستنصرية وبعد تخرجه اصبح عضواً في نقابة المحامين ثم في نقابة الصحفيين .
وتم تعيينه سفيراً في السويد ، وسفير غير مقيم في الدانمارك والنرويج وايسلاندا وتزوج وهو سفير في السويد في احدى زياراته للوطن من سيدة عراقية ولديهما أربعة أبناء ، كبيرهم عمر الذي انتقل الى رحمة الله قبل سنوات قليلة في عارض صحي خلال وجوده في هولندا ، والثلاثة الاخرين هم، بلال الدكتوراه في الرياضيات مدير احدى البنوك في هونغ كونغ ، وزيد الدكتوراه المختص بالقانون الدستوري ،والاستشاري لدى منظمات الأمم المتحدة في نيويورك ، وصهيب المحامي الذي يعمل في مكتب محاماة في باريس.

    

  الامر الوزاري بتعين صلاح عمر العلي سفيراً في السويد

وانتقل صلاح عمر العلي بعد السويد سفيراً في اسبانيا ، وسفير غير مقيم في الفاتيكان ، وقبل أن يتولى صدام حسين رئاسة الجمهورية عام 1979 انتقل للعمل مندوباً دائما للعراق لدى الأمم المتحدة في نيويورك ، وبقي حتى استقالته في 31 تموز عام 1982 ببرقية قصيرة وترك منصبه ، ولم تفلح محاولات بغداد في ثنيه عن استقالته حتى صدر في 8-5-1983 القرار بأعفاءه وإحالته على التقاعد ، وطبعاً دون الإشارة الى استقالته ، وبعد سنوات ، وفي 2-7-1991 تحديداً صدر قرار مجلس قيادة الثورة بحجز أمواله المنقولة وغير المنقولة ، وما يزال بيته في الحارثية ببغداد محجوزاً ولم تعيده له سلطات بعد الاحتلال رغم محاولاته لأسترداده التي جرى آخرها عام 2012.

###########


وأنا منهمك في تجميع معلومات كتابي، فوجئت ذات يوم منتصف عام 2010 باتصال هاتفي من صلاح عمر العلي وهو في لبنان وأنا في نيويورك ، واذا به يعرض عليّ أمراً لم يخطر على بالي إطلاقاً.
وهذه هي المرة الاولى طيلة السنوات العشر الاخيرة التي أكشف فيها عن هذه القضية التي لم يعرف بها حسب علمي سوى شقيقه وليد، لكني أعترف بأنني لم أبلغ عنها أحداً سوى شخص واحد فقط هو أحد رجال العراق الوطنيين الذي ألتقيته خلال سفرتي الى العاصمة الأردنية، عمان في خريف عام 2015 .
أقترح صلاح عليّ حينه أن أتولى مراجعة مسودة مذكراته التي تربو على 800 صفحة، من النواحي الفنية والتاريخية ، واللغوية قدر الإمكان ، فإستأذنته بضعة أيام حتى أجيبه .
وعندما أتصلت به هاتفياً لأبلغه رأي في أقتراحه، ولأستفسر منه عن ما يريده مني في مراجعة مذكراته ، وسبل ايصالها لي في نيويورك ، وإعادة ما عندي إليه بعد المراجعة ، واتفقنا أن يرسل لي إلكترونياً المذكرات فصلاً بعد آخر ، ورغبته بأن تشمل مراجعتي التسلسل التاريخي للأحداث ، واقتراح اضافة او حذف او تعديل .
أستطيع أن أقول أن صلاح عمر العلي قد أخذ بالكثير من ملاحظاتي للحذف او التعديل او الايضاح او اعادة ترتيب فصول المذكرات لمراعاة التسلسل التاريخي ، وكان يرسل لي ألكترونياً المذكرات فصلاً بعد الآخر ، وأعيده إليه بعد مراجعته مع ملاحظاتي ، ليعود فيرسل لي الفصل التالي ، حتى أتممنا المراجعة مع ملاحظاتي بالتعديل .
وهنا أعود لهذا السر وعمره عشر سنوات ، وهو أن لديّ نسخة من هذه المذكرات بنصيها الأصلي والمنقح ، محفوظة في منجم الأسرار والوثائق التاريخية التي أحتفظ بها ، ويعرف بعض الاخوة أنه منجم يحتوي على كنز وثائق لم أنشرها ، ولم ينشرها غيري بعد، وربما لا يعرف عنها أياً من الذين تعنيهم تلك الوثائق، ولا يعرف عنها أحداً غيري على الإطلاق، والكثير منهم انتقل الى رحمة الله، وبعضهم ما يزال حياً يعيش هنا وهناك من هذا العالم ، وقد أبلغت البعض القليل منهم بما لدي من وثائق تعنيهم ولم يعترضوا على نشرها لو رغبت أنا بذلك ، بينما زعل صديق لي بينهم، ودافع عن موقفه المذكور في وثيقتين لدي عنه، وقعها بنفسه ذات يوم في التاريخ الجمهوري ، ووعدته بعدم النشر ثم انتقل الى رحمة الله قبل بضعة سنوات.
أقول هذا في وقت أصبح فيه كل من يكتب سطراً في التاريخ يسمي نفسه ( مؤرخاً) بينما لم يطلق عبد العزيز الدوري ، ولا عباس محمود العقاد ، ولا عبد الله سلوم السامرائي ، ولا عبد الرزاق الحسني، ولا عباس العزاوي ، ولا طه حسين ، ولا عبد الهادي التازي ، على أنفسهم صفة ( مؤرخ) بل أطلقها الآخرون عليهم ، ولدي رسالة بخط اليد من عبد الرزاق الحسني الى والدي ابراهيم صالح شكر وقعها بأسمه المجرد فقط .

ودائماً حافظت على عدم التورط في المساجلات ذات الصلة بعلاقات القياديين ببعضهم في نظام حكم عقد السبعينيات وما بعدها ، حتى أنني ذات مرة إضطررت للابتعاد عن صديق عزيز بسبب موقف له يختلف عن موقف غيره تجاه حادثة من حوادث ضحايا قاعة الخلد ، وفضلت عدم التورط في جدل أنا لا أعرف اسبابه ولا تفاصيله .
لم يتسن لصلاح عمر العلي وهو في إقامته في لبنان طبع مذكراته ربما بسبب الظروف السياسية السائدة في لبنان، وربما بسبب الظروف التي آلت اليه حالة العراق ، ويبدو أن رغبته بطبع المذكرات قد تباطأت بعد أن أنتقل مؤخراً للإقامة في تركيا.

#########

من ناحيتي لن أتحدث عن ما في تلك المذكرات من أسرار شخصية واجتماعية ودبلوماسية وسياسية وحزبية وحكومية ، عراقياً وعربياً ودولياً ، وبعضها لم يرفع عنها الستار رغم الكم الهائل من ما نشرته الصحف العراقية والعربية عن احداث العراق بعد عام 1968 ، وحتى الغزو الامريكي وأحتلال العراق عام 2003 ، وكثير من الأسرار الاخرى حتى بعد الاحتلال التي لم يكشف عنها، وهي معروضة في مذكرات صلاح عمر العلي، بعناية تثير الإعجاب .
وعموماً تتحدث المذكرات عن دور صلاح في الكثير من أحداث الحزب وفيما بعد الدولة ، ثم العمل الدبلوماسي ، وكيف أصبح بعثياً في مطلع شبابه، ويتحدث عن علاقته مع أحمد حسن البكر وتعرفه على صدام حسين وموقفه تجاه أدائهما الحزبي والحكومي، وظروف اعتقالهم وآخرين في معسكر التاجي وما تعرض له من معاملة فجة وقاسية على يد سجانيه عام 1964.
جاء ذات مرة من الناصرية حينما كان معلماً في مدارسها الى بغداد في حدود عام 1961 - 1962 وإلتقى في الباب الشرقي صدفة مع بهجت شاكر الذي تولى قيادة الحزب لفترة قصيرة قبل ان يتولاها علي صالح السعدي، وفي جلسة قصيرة ابلغه بهجت بالإشاعة داخل الجهاز الحزبي من أن له علاقة مع تمرد على قيادة السعدي ضم قيادات حزبية ذات المنهج اليساري سمو أنفسهم الكادحون العرب، وتعرضوا الى قمع قيادة السعدي بالفصل من الحزب.
والمفارقة هنا أن علي صالح السعدي ، وبعد سنوات قليلة تبنى الأفكار التي يمكن ان توصف بأنها كانت أكثر يسارية من الأفكار التي حارب أصحابها من الكادحين العرب.

    

زيد وشقيقه بلال صلاح عمر العلي مع عمهما وليد عمر العلي في إستانبول ، كانون الثاني 2020

ليس من حقي أن أخوض بتفاصيل هذه المذكرات التي أعتقد بضرورة نشرها في كتاب بعد مراجعة جديدة تؤدي الى حذف بعض التفاصيل التي لم تعد غائبة عن ذهن المواطن العراقي ، وقد تضمنت الكثير من التفاصيل التي حاول البعض اعتبارها من الحقائق بالرغم من ان هنالك ضباباً يلفها.
للسيد صلاح عمر العلي موقف تجاه الكثير من منعطفات تاريخ العراق وسلطة البعث ، وهو يكتبها بصراحة دون تردد او مجاملة .
يتحدث عن منظمة حنين وحقيقتها ، وعن مساعيه في البرازيل لاقناع ميشيل عفلق بالعودة والإقامة في العراق ، وعن مشاكل انشقاق البعث عراقياً وعربياً ومساعي الوفد الحزبي الذي ضمه لاستطلاع رأي القيادة السورية التي تولت الحكم في 23 شباط عام 1966 ، واجتماع الوفد في دمشق مع صلاح جديد ومع حافظ الأسد .
وللسيد صلاح عمر العلي تفاصيل كثير منها لم ينشر سابقا بالرغم من مضي سنوات طويلة عن حدوثها حينما كانت أطراف المعارضة العراقية بكل صنوفها قبل غزو العراق عام 2003 تحاول الإطاحة بالنظام العراقي آنذاك، وعلاقات بعضهم مع هذه الجهة او تلك.
فمتى نتوقع أن ترى هذه المذكرات ، النور ؟

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

414 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك