الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - لميعة عباس عمارة تطلّق الشعر وأدعياؤه يتكاثرون

لميعة عباس عمارة تطلّق الشعر وأدعياؤه يتكاثرون

    

                            لميعة عباس عمارة وزيد الحلي

     

زيد الحلي
في سابقة ادبية وتربوية رائعة ، تُسجل لصالح الشاعرة الرائدة لميعة عباس عمارة ، حين أعلنت الشاعرة مؤخراً ، في حفل اقامته الجالية المندائية في ولاية مشيغان بالولايات المتحدة الامريكية حيث تقيم منذ أكثر من ثلاثة عقود ، إنها طلقت الشعر، وطلقها الشعر بعد زواج جمعهما دام سبعة عقود ونيف ..

فهل خمد بركان الشعر عند لميعة عباس عمارة بلمح البصر ؟ وهل حقاً ضاق الشعر بلميعة ، وضاقت لميعة بالشعر لتعلن بجرأة نادرة قرارها في التقاعد وهي في قمة وهجها الشعري وحضورها البهي في خارطة الشعر العراقي والعالمي . .. إنها الشاعرة التي عندما اقرأ لها ، فأنني اجد في شعرها روح المتنبي ، وموسيقى البحتري ، وتصوير ابن الرومي وصوفية المعري
في ظني ان القرار الحكيم لعمارة ، جاء بعد ان أحست الشاعرة المثقلة بتاريخ
مجيد في الذاكرة الشعرية ، بأن طير الشعر غادر أعشاشها ، ولا تريد ان تنظم صورا شعرية تعتقد إنها لا تضيف الى اسمها شيئاً ..
لقد اكدت مبدعتنا ان كتابة الشعر ونظمه هو فعل المبدعين ، وليس فعل الهامشيين ، إنها مسؤولية كبيرة لا يقدر على حملها ضعاف الرؤى ..
ان لميعة عباس عمارة ، بثقلها الشعري والمعرفي ، هي الشخصية الاولى في الاعتراف الذاتي بأن الشعر طلقها بالثلاث ، فمن سيكون الثاني بمستوى هذه الجرأة في الاعتراف بأن وعائه الشعري ، نضب وعليه الانسحاب من الساحة الشعرية ممهوراً بماء الوجه ، بدل ان يتلقى سهام النقد المميته ، فعند ذاك يخسر ماضيه ، وعطائه يوم كان مشبوب الذاكرة ، نشيط في محيط الشعر..
بلاد الجواهري بلا أبناء
في المشهد الشعري العراقي الحالي هناك من يتهجى الشعر ، وتملأ الصحف والمجلات سطورا يقال عنها ان شعر ، فهل من الانصاف ان يكون في بلاد انجبت الجواهري والسياب والبياتي وحميد سعيد وسامي مهدي ولميعة عباس عمارة وعبد الرزاق عبد الواحد والحصيري وحسب الشيخ جعفر وموفق محمد ، من يسمون انفسهم شعراء ، متعكزين على قصائد على عدد اصابع اليد الواحدة ، نالت بعضها اهتمام النقاد لسبب او لأخر ، ثم اخذوا يلوكون كلمات يقولون انها ابيات شعرية ، وهي بعيدة عن الشعر ، ويصرون على تسيّد المسرح الشعري بدعوى الريادة ، والريادة عنهم بعيدة … اما آن لهؤلاء ان يخطوا بخطوة يحفظون بها ماء الوجه ، ويعلنون الانسحاب تاركين فسحة النشر والحضور الى مواهب شبابية جديدة .. لم لا يكون قرار المبدعة الكبيرة لميعة عباس عمارة ، وهي الشاعرة المجيدة ، سنة يتخذونها مثالا ، فيريحون ويستريحون ، وهذه المقالة لن تؤشر على الاسماء التي ينبغي عليها الانسحاب ، لكن في الآتي من المقالات سنؤشر ونذكر الاشياء بمسمياتها قبل ان يجرف الطوفان ارض العراق الشعرية ويجعلها سبخة ، وعند ذاك لن ينفع الندم .
ان شاعرة مثل لميعة ، حققت لنفسها رسوخاً شعرياً ، ثبت اصله وعلا فرعه الى سماء المشهد الشعري العربي ، عندما تعلن طلاقها من الشعر ربما احست بأن الشعر هو الذي سيطلقها ، فسارعت الى الاعلان عن توقفها عن كتابة الشعر ، وبذلك سجلت سابقة ، اجد من الضروري ان يسارع البعض من هواة كتبة الشعر الى الخروج من حلبة ابداعية هم غرباء عنها ، فإذا كان اللاعبون الحقيقيون شعروا بتوقف مدادهم الابداعي فآثروا الانسحاب ، فيكون من الاولى من الهواة الاسراع الى المغادرة قبل ان يجبروا على ذلك ، وبوادر الإجبار آتية.. وهي بوادر لا تسر
شعر من رحم كوكل
لقد سئلت مرة في مقابلة صحفية ، عن ظاهرة شاعت وانتشرت في الآونة الاخيرة وهي ذكرعبارة تسبق اسم البعض ممن ينشرون ما يقال انه شعرهي شاعر رائد فقلت ما نصه أعذرني القول، إن الريادة كلمة فضفاضة… فكم من مبدع ولج ميدانا وبرز فيه حتى تكتشف بعد سنوات إن هذا الشخص كان مبدعا لكن تيار الحياة جرفه وغادر قاعة الريادة ذليلا.. وأعرف عشرات الأسماء ممن ينطبق عليهم ما قلت من شعراء وصحفيين وادباء وفنانين وغيرهم .
إن العقل الانساني يبقى ولودا، والدور الريادي يستمر بالتأرجح ، طالما، إن دوران الحياة يستمر في دورانه… وإنني أسألك كم نسخة كانت المطابع تضخ الى المكتبات من كتب طه حسين او المنفلوطي؟ واوفر عليك الاجابة بالقول إنها كانت بالآلاف… لكن كم تضخ الان؟ سيذهلك الرقم، فلقد تناقص لحد مخيف.. وفي جولة يسيرة لك في مقاهي الانترنيت ستجد إن النسبة الاكبر من مرتاديها 60 يتصفحون صفحات الألعاب والباقي يتوزعون على المواقع العلمية والمعرفية الاخرى ، عدا استثناءات قليلة جدا لايقاس عليها
وقلت في اجابتي رأيا يحمل من الجرأة والصراحة الشىّ الكثير، ربما فقدتُ بسببه العديد من اصدقائي المبدعين ، فذكرت إن الحقبة المقبلة ستبرز لنا شعراء وكتّاب يطلقون على أنفسهم مبدعو الانترنيت وحتى أقرب الصورة وأوضحها اكثر أذكر، إن ثقافة الدماغ والاستيعاب قلّت، فيما، إتسعت ثقافة العيون..
ويعرف البعض من اصدقائي إن إبنتي الصغرى عرضت عليّ يوما، قصيدة، رائعة، قالت إنها من نظمها. وقد مازحتها بالقول إنها ممتازة ، فكيف جاءك هذا الوحي الشعري فجأة ؟ فأبتسمت وقالت إنها من وحي الانترنيت .. قلت كيف؟ قالت إنها فككت جملة شعرية لأحد الشعراء ، ثم قامت بالبحث عن مثيلاتها عبر الانترنيت فحصلت على مقاطع بالآلاف، ولم تقم بأي جهد، سوى لملمة الكلمات ذات المعنى الواحد لتشكل قصيدة… رائعة
إنني أضع يدي، على قلبي المسكين، خوفا على جنس شعري لاحق، يكون لصيقا بمثلنا الشعبي الدارج ضاع الخيط والعصفور
هواة الشعر بين الكلمة والفكرة
ان اخطر ما يواجه حياتنا الشعرية ، ضياع هدير الزمان عن اذن الشاعر العراقي الراهن ، فأصبح احد اثنين اما شاعرا لفظياً ، مجوفاً او شاعرا محنطاً ، وإذا كان الاول مكشوفاً لدى القراء ببريق حروفه وفراغ مضامينها ، فإن الثاني أشد خطرا وأبعد مكراً لإنه يستطيع ان يخدع الكثيرين بما يستند اليه من تراث طويل لكنه بعيد عن روح العصر…
وهواة الشعر فقراء في معرفة المعاناة الصادقة ، وفي الاخلاص لشرف الكلمة وقدسيتها ، وقد ادى الفقر الى تعلق هؤلاء الهواة ، بعد ان اجدبت خزائنهم الوجدانية ، بنماذج واوصاف شائعة ، فاخذوا ينسجون على منوالها ، وبذلك انتشر التقليد والتكرار على نطاق واسع .. ان البلاغة لا تفصل بين العقل والذوق ، ولا بين الفكرة والكلمة ولا بين المضمون والشكل ، لكن هواة الشعر دكوا البلاغة بمعول التفريق بسذاجة لا يحسدون عليها ، فالكلام الشعري كائن حي ، روحه المعنى وجسده اللفظ ، فإذا فصلنا بينهما اصبح الروح نفساً لا يتمثل والجسم جمادا لا يحس ..
ان الشعر موهبة ، وبعضهم تنمو موهبته مع العمر ، فتراه يتوهج بالشعر ، وتزداد ألتماعاته ، فنرى قصائده تترى بمحبة ، داخلة الوجدان بيسر وأنسيابية ، والجواهري خير مثال ، والبعض الآخر ، تكون الموهبة عنده منحسرة ، هي كسحابة صيف ، تمر مثل هالة تنبثق خلسة ، وتغادر الى غير رجعة ، ولهؤلاء نقول ان التعكز على ماض شعري جاء من تحت عباءة تلك الهالة حالة تضر بالشاعر الذي يعتقد بأنه لا زال كما كان حين مرت عليه ومضه الهالة ثم اندرست .. فالشعر لا يأتي مصادفة ، بل هو خزين ورؤى وروح متجددة ، واستقراء لما بعد التصور ..
ان اعتراف شاعرة كبيرة مثل لميعة عباس عمارة ، اجادت بكل انواع الشعر، حديثه وقديمه ، وحفرت اسمها على لوح الشعر العربي بأقتدارواضح ، جدير بالتوقف ، فهذه الشاعرة دقت جرساً لا يتوقف رنينه في الساحة الشعرية العربية ، التي زاد عدد الاشخاص الذين يكتبون ما يدعوه شعراً على عدد بائعي الايس كريم في بلادي
وانني اجد ان الشاعر الحق ، هو من يؤمن بأن اللغة كائن حي متطور تدخلها في كل فترة زمنية كثير من الاضافات والتولدات الجديدة ، وتنسلخ عنها في كل فترة بعض الالفاظ التي فقدت حيويتها وتأثيرها ، لذلك نجده لا يتعامل مع اللفظة بصورة مطلقة كما وجدت في قواميس اللغة ، بل يبحث عنها في افواه الناس الذين يعيش معهم .. لفظة تختلط بتجارب وخلجات كل فرد وتعيش معه في واقعه وفي خياله ، وتتشرب بكل الطاقات المحتسبة في وجدانه ، وتتلون بظلال شعوره وهواجسه وحدوده ، لكن الغريب ان هواة كتابة الشعر يفهمون بان الشئ الأهم بالنسبة الى عقلية المتلقي هو اللحظة الآنية فقط ، فكما ان الجائع مشغول البال بأشباع بطنه ، فكذلك هاوي كتابة الشعر يسعى لحشو الادمغة بما يعتقد انه شعر ، فنراه يعني بالردئ من القول الذي ليس القصد منه سوى إلهاء القارئ بما لا يفيد
ان ما اقرأ من سطور يقال انها شعر ، خالية من المعاني لأن كتابها حديثي القراءة الشعرية ، فالصور والمعاني في الشعر تتكاثر بالقراءة ، وتتزاحم بالمطالعة ، وتزيدها التجارب في الحياة والاختلاط بالناس ، والاندماج في البيئات المختلفة والاوساط المتباينة … فأين ذلك من الواقع ؟
هشاشة في معظم النتاجات الجديدة
ان الاسلوب هو الطريقة الخاصة في اختيار الالفاظ وكتابة القصيد .. والاسلوب خلق مستمر ، خلق الالفاظ بواسطة المعاني ، وخلق المعاني بواسطة الالفاظ ، فليس المعنى وحده ، ولا اللفظ وحده ، إنما هو مركب من عناصر مختلفة يستمدهما الشاعر من ذهنه ومن نفسه ومن ذوقه ، وتلك العناصر هي الافكار والصور والعواطف ثم الالفاظ المركبة والمحسنات المختلفة . والشعر استعداد واجتهاد وقريحة ، وإذا لم يمتلك البعض تلك الحقائق فعليه الابتعاد الى ضفة اخرى … سهلة ، منقادة
ان الألتماعات الشعرية ، باتت هشة في النتاجات الجديدة ، لاسيما اننا نعيش في عصر تسارعت فيه الخطى بحيث إن من لم يغذ السير ويستحث نفسه بتطويرها وتقديم الجديد والمبدع ، لن يكون له مكان في عالم الشعر ، وهو عالم فسيح .
فعلى من يحاول فرض نفسه على الشعر والشعراء ، ان ينسحب ويرحل بهدوء ، ويترجل بغير جلبة وضوضاء ، تماما مثلما جاء في المثل الانكليزي على المفلس ان يجتاز السوق سريعاً فأن يكون المرء انسانا طيباً ، محبوباُ أمر سهل، أما أن يكون شاعرا مجيدا فهذا امر صعب ، وصعب جدا ، فهل يدرك الطارئون على مملكة الشعر التي ظلت حكرا على اجيال عراقية هذه الحقيقة ؟
ان البعض يسطر كلمات يعتقد انها شعراُ ، كلمات لا يعرف لها قرار ، ولا يلتمس عندها استقرار ، وهؤلاء عندهم الكتابة بلا لون ، او ان تكون مطلية بكل الالوان ..
انهم يحملون في جيوبهم علب اصباغ مائية وفرشاة ، فيصبغون كتاباتهم باللون المطلوب ، ويكتبون على واجهات ما ينجزوه من شخبطات لونية على انه من امهات الاشعار .. ناسين انها مجرد وهم ، والوهم عدو الابداع
كتاباتهم بعيدة عن العروض الشعري والقافية والاستعارة والمجاز والتشبيه البليغ ، لكنها ملآى بكلمات مبهمة.
.. لقد وآن الاوان للذين في آذانهم وقر شهرة موهومة ، ترك منصة الشعر الى الذين يستطيعون ملآها ، بعذب الشعر ..فالغريب ، المستغرب ان يظل البعض متمسكا ، بقصيدة له ، ظهرت ثم أشتهرت ، وبات امرها شغله الشاغل ، فنراه في كل مهرجان وكل ندوة ، ناشداً ومنشداً تلك القصيدة .. يالعجبي
لست متشائما ، واظن ان المصباح مازال فيه زيت ، فالساحر مجرد انسان مهرج حزين يخدع الآخرين ، لكنه لايخدع نفسه ، وضوء المصباح يستطيع كشف سحرّة هواة كتابة الشعر … فمن بيده عود الكبريت كي يضئ هذا المصباح ؟
.. من ؟

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

615 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك