الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الخامسة)

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الخامسة)

  

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته..(الحلقة الخامسة)

                       

   


   الرئيس عبد السلام عارف يرحب بالشيخ محمد رضا الشبيبي ويستقبله بـأهلا أهلا شيخنا العزيز والاخير يرد عليه: (لا هله ولا مرحبا!)..

      
 
شيخ غاضب يأتي الي القصرالجمهوري

كنا في القصر الجمهوري قد اُنذرنا في احد ايام منتصف شهر كانون الاول (ديسمبر) 1964 عن احتمال حدوث حركة انقلابية، اذ يتطلب الامر اتخاذ الحيطة والحذر من لدن الجميع.. وكان من ضمن الاجراءات التي نتخذها في مثل هذه المواقف تحديد دخول الاشخاص غير المخولين الي القصر.

                      

كنت في غرفة التشريفات قبل المغيب عندما أخبرني آمر حرس باب الدخول الي القصر هاتفياً بأن شخصاً كبيراً في السن اسمه الشيخ محمد رضا الشبيبي (1) يروم الدخول الي القصر بسيارته.. ولما كان هذا الشيخ العلامة قد قرأنا عنه في مراحل دراستنا، وهو علم من أعلام عراقنا، أوعزت بدخوله فوراً قبل ان اخرج الي باب التشريفات لأستقبله.
توقفت سيارته الفاخرة، وترجل من الباب الايمن الخلفي، فيما بقي سائقه في مقعده، قبل ان يتوجه الي رحبة وقوف سيارات الزائرين، رجل مهيب، معتدل القامة والبنية، ذو لحية خفيفة، يلبس قباء داكن اللون وعباءة سوداء، وعلي رأسه عمامة بيضاء، والوقار واضح علي وجهه المائل الي السمرة، يبلغ من العمر نحو سبعين سنة او يزيد، رحبت بمقدمه بحرارة، ولكن لم يكترث بي كثيراً، فقد كان غاضباً الي حد كانت معه يده اليمني ترتجف بشكل ملحوظ، حتي صاح بصوت عال غير معتاد في القصر الجمهوري:

أين الحجي..؟
استغربت من تصرف الشيخ العلامة، فقد كان الذين يحضرون الي غرفة التشريفات ومعظمهم من كبار مسؤولي الدولة يجاملوننا كثيراً الي درجة نخجل من أنفسنا في بعض المرات.. ولما سكتُّ وبانت الحيرة علي محيّاي، صاح للمرة الثانية: أين الحجي..؟
توقعت ان مشكلة كبيرة قد حدثت له. رجوت منه الدخول الي غرفة التشريفات، فتوجه اليها وهو يتمتم بعبارات لم أتبين مقصده منها.

الرئيس يستقبل الشيخ الشبيبي

فوجئت بـالرئيس عبد السلام عارف يدخل الي غرفة التشريفات مسرعاً، وهو يقول:
ـ اهلآً.. اهلآً بشيخنا العزيز.
ـ لا هله ولا مرحبا.. نطقها الشيخ وهو لا يزال واقفاً.
ـ خيراً ان شاء الله؟.. سأله الرئيس مستفهما..
ـ وهل تتوقع خيراً مع مثل هذه التصرفات يا حجي؟ رد الشيخ الشبيبي.
ـ خيراً ان شاء الله.. قالها السيد الرئيس مرة اخري واردف متسائلا: ماذا حدث؟
ورد الشيخ: حجي.. هذه هي المرة الثانية التي احضر فيها الي قصركم العامر وللسبب نفسه، فقبل سنة ونصف تقريباً حضرت لأشكو لك تصرف اشخاص ارادوا تفتيش سيارتي في شارع عام، وكان الوضع في العراق غير ما هو عليه الان.. واليوم يجابهني موقف مشابه تماماً، فقد اوقفني بعض الشباب، مدعين انهم من افراد الامن والاستخبارات، ولم يخجلوا حين طلبوا بكل وقاحة تفتيش سيارتي، علي الرغم من كون عائلتي وبناتي معي، واني قد بلغت من العمر ما يرون.. ان اقل وصف لمثل هذه الوقاحة يمكن ان نسميه سقوطاً اخلاقيا.. فأين الشرف واين القيم؟.

رد عليه الرئيس: صحيح ذلك، وانتم الصادقون، وانتم علي حق، فليس من حقهم ذلك يا شيخنا.
وهنا هدأ الشيخ الشبيبي قليلا وجلس علي مقعد، وراح يتكلم بينما ظل الرئيس عبد السلام واقفاً: أود ان اُوضح لك يا حجي: إنك تدّعي تصحيح الاوضاع السياسية في البلد، فما الفرق الآن عن شرطة نوري السعيد وسعيد القزاز (2) وعن قوات المقاومة الشعبية التابعة للشيوعيين، وعن أجهزة أمن عبد الكريم قاسم وعن الحرس القومي البعثي.. هل هناك تغيير، في الوجوه وفي صفات الاشخاص القائمين علي أمور الدولة؟
ـ لا يا شيخنا.. أرجوك لا تتعدي عليّ، قالها الرئيس!
واستطرد الشيخ الشبيبي يقول: بالله عليك.. هل تنبيهك يا حجي، نحو سلبيات أو أخطاء تقترف، هو اعتداء عليك!؟.. أنت المسؤول عن هذه الامور، ولا بد من وضع حدّ لها.. مواطن يسير بالشارع في أمان الله، وجماعة يشكّون بأمره لمجرد الشك، فيوقفونه ليفتشوه دون موجب او سبب.. والله إنه الكفر بعينه.
حسنا.. إحسبها عليّ يا شيخنا.. فأنت استاذنا، وقبل ان يكمل عبد السلام كلامه، قاطعه الشيخ الشبيبي قائلا:
طبعاً احسبها عليك.. فأنت ان لم تكن المسؤول الاخير، فإنك المسؤول الأول.. ألم يقل الخليفة عمر: إن عثرت بقرة في العراق بصخرة فإنه مُحاسب علي ذلك، وقد قالها عن العراق وهو في دار الخلافة بالمدينة المنورة، بينما تقع مثل هذه التصرفات في شوارع بغداد وانت جالس في حكم بغداد.. فكيف لا أحسبها عليك؟

                            

الرئيس عبد السلام عارف يصلي وراء الشبيبي

صحيح جداً ما تفضلتم به، قال الرئيس عبد السلام مضيفا: هدئ من روعك، وصلّ علي النبي وآله.. فلنقم الي الصلاة التي قال عنها الرسول )صلي الله عليه وسلم ( أرحنا بها يا بلال.. فقد قرب حلول الظلام.
ـ انا لا أصلي معك.. رد الشيخ الشبيبي علي الرئيس عبد السلام!
ولكن عبد السلام خاطب الشيخ قائلا: قم يا شيخ واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فمثل هذا (الزعل) لا يمكن أن يصدر من علامة وشيخ وأستاذ، ومن أحفاد سيدنا علي كرم الله وجهه.. فإننا نعتبرك معلمنا واستاذنا ومربينا، قم يا شيخ لتكن أنت الإمام وانا تابعك.
ردد الشيخ الشبيبي عبارة أستغفر الله العظيم مرات عدة، قبل ان يسبق الرئيس عبد السلام في الخروج من غرفة التشريفات، بينما تابعتهما بنظري، وهما يسيران نحو الجناح الخاص في القصر، وانا مستغرب مما حدث خلال الدقائق الماضية امام عيني، وما سمعته اذناي، فعبد السلام الذي طرقت أسماعنا شراسته ومزاجه الحاد، وجدته أمامي ودوداً وديعاً مع الشيخ العلامة، الذي كان رئيساً للمجمع العلمي العراقي.

           

عبد الرحمن البزاز في القصر

كنت جالساً في غرفة التشريفات بالقصر الجمهوري مساء يوم الاحد، السادس من كانون الاول (ديسمبر) 1964 بينما كان دور الملازم عبد الجبار جسام بالتجوال علي نقاط الحماية كالعادة. وكان رئيس الجمهورية قد طلب حضور الاستاذ عبد الرحمن البزاز سفير العراق في لندن، وكان يشغل في الوقت نفسه منصب السكرتير العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك)، وذلك في مكتبه الرئاسي لمناقشة بعض الامور في تمام الساعة السابعة مساءً.
لم أر الاستاذ عبد الرحمن البزاز لدي دخوله الي القصر الجمهوري، ولكن وفي حدود الساعة الثامنة مساء طرق سمعي كلام منمّق ومركّز يطلقه شخص ما في الممر المؤدي من الجناح الرئاسي الي باب القصر الجانبي قرب غرفة التشريفات ، ولما نهضتُ شاهدت الاستاذ البزاز يتحدث وعبد السلام عارف ينصت اليه، وذلك قبل ان يخرجا الي الساحة التي تطل عليها نافذة غرفة التشريفات وانا اجلس فيها، ليظلا ذاهبين وآيبين علي مقربة من النافذة التي كنت قد فتحتها مسبقاً لغرض تهويتها للحرارة التي شعرت بها، علي الرغم من برودة طقس العراق في تلكم الايام من فصل الشتاء.
ولما كنت معجباً أشد الإعجاب بشخص الاستاذ البزاز ودرجة الدكتوراه في القانون التي يحملها ـ حسب اعتقادي في حينه ـ فقد زاد فضولي، لأتحول كلياً الي آذان صاغية (3).

التأميم في العراق والاصلاح الزراعي

انك تعلم يا حجي مواقفي السابقة ـ هكذا بدأ البزاز حديثه مع الرئيس عبد السلام وهما يتمشيان ـ سواءً خلال العهد الملكي او إبان حكم عبد الكريم قاسم، ولكني اقول إن الخطوة التي اتخذتموها بصدد التأميم كانت خاطئة وغير مدروسة.. فالعراق المعاصر الذي تأسس منذ عام 1921 دولة لم تكن رأسمالية مطلقاً لكي نطبق الاشتراكية ونؤمم مصالح الناس فيها، فالدولة كانت تملك جميع المصالح الاساسية ورؤوس اموالها تبلغ عشرات الملايين لكل مؤسسة علي حدة. اذن فهل كان هناك داع لتأميم معامل غزل ونسيج وشركات صغيرة؟ واقولها لكم صراحة، ان الذي توصلت اليه، إنكم أقبلتم علي خطوة التأميم واتخذتموها سيراً علي (مودة) اجتاحت دول العالم النامي بشكل عام، وانكم تأثرتم بالتجربة المصرية في هذا الشأن. فما دام الرئيس جمال عبد الناصر قد أمّم فإنكم أمّمتم، كان عليكم قبل كل شي، ان تدرسوا بعناية، ما آل اليه التأميم من نتائج في مصر، وما أحدثه من ويلات وانتكاسات في المجتمع المصري واقتصاده قبل ان تؤمموا.
وحتي بالنسبة للاصلاح الزراعي ـ والحديث ما زال للبزاز ـ وأنت غير مسؤول عنه، فقد بات وبالاً علي العراق، فبلدنا الذي كان مصدراً لأنواع الحبوب والسمسم والذرة وغيرها، ومن بعدها الماشية المرتبطة اساسا بالزراعة، فإنه اصبح مستورداً لها.

                         

حينما سمع الرئيس عبد السلام البزاز يأتي علي ذكر عبد الناصر أكثر من مرة، بادره قائلا: ولكني ما زلت معجباً بالاخ الرئيس جمال وأعتبره أخاً كبيراً، ونحن سائرون في طريق الوحدة معه بإذن الله.
ورد البزاز بهدوء يا حجي إسمح لي أن أكون معك في غاية الصراحة، فالرئيس جمال قاد ثورة أفاقت الجماهير العربية وأبهرتها، ولكنه جعل مصر تنتكس انتكاستين مخجلتين إحداهما: احتلال أسرائيل لصحراء سيناء وبلغت قواتها قناة السويس خلال أيام معدودات عام 1956 ولكنه استطاع بوسائل إعلامه المقتدرة أن يبرر ذلك تحت غطاء العدوان الثلاثي، وثانيتهما انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة، وفشل أول تجربة وحدة عربية في التاريخ المعاصر، إذ كانت تصرفات القيادة المصرية وممثّليها في الشام وراء الانفصال، وقد حاول عبد الناصر تبرير ذلك بإلقاء اللوم علي الاستعمار والامبريالية والرجعية العربية كعادته دائما، ولكني علي يقين بأن القادة السياسيين والعسكريين المصريين الذين عيّنهم الرئيس عبد الناصر بنفسه، هم الذين تسببوا في تأجيج المشاعر التي أدت الي الانفصال، فإن كان سيادته علي دراية بذلك فتلك مصيبة، وإن كان لا يدري فالمصيبة أعظم، ثم إن الرئيس عبد الناصر يحكم بالنار والحديد، وبالارهاب الذي تفرضه المباحث تارة،والمخابرات تارة أخري، والاتحاد الاشتراكي تارة ثالثة.

                        

وما رأيك يا دكتور بصدد تأميم النفط اذا ما اتخذنا مثل هذه الخطوة سأله الرئيس عبد السلام مستفهما؟
تأميم النفط موضوع مغاير، رد البزاز قائلا: انه يتطلب قراراً سياسياً تتوجب دراسته من جميع نواحيه، وتقدير ما ستتخذه الدول الاخري من مواقف محددة تجاهه، وخصوصاً الدول العظمي المتنفذة في امور العالم المعاصر ـ شئنا ذلك أم أبينا ـ إذ ان النفط يعتبر شريان الحياة المعاصرة، وقد اُضيفت اليها البتروكيمياويات التي اًدخلت في صناعات النسيج والمواد المنزلية والابنية الجاهزة وصولاً الي الصناعات الثقيلة، هذا ناهيك عن الآلة الحربية في كل دولة، لذلك فإن الحياة تتوقف فعلاً في أي بلد صغير بدون النفط، فكيف الحال اذا كانت الدولة صناعية كبيرة؟ لذلك فإنهم لن يسكتوا مطلقاً ولا يمكن أن يقفوا مكتوفي الايدي اذا ما أمّمنا النفط، لا سيما وانهم يعتبرون انفسهم اصحاب فضل علينا وعلي دول (اوبك)، ولولاهم ـ حسب رأيهم ـ لما اُكتشف النفط ولما اُستخرج من باطن الارض او البحر، وفي اعتقادي أنهم لو سكتوا تجاه أي قرار لتأميم النفط، فإنهم سيخططون للانتقام مستقبلاً، ومن رأيي ـ اضاف البزاز ـ ما دمنا نمتلك اكثر من خمسين بالمائة من حصص الشركات النفطية الاجنبية العاملة في العراق، أن نكتفي بإجراء المفاوضات الدائرة حالياً معهم لزيادة حصصنا الي أقصي قدر ممكن، وإذا لم ننجح فلا أري معضلة كبيرة في ذلك، ولا داعي لإثارة مشاكل كثيرة وعميقة، وعلينا ان نتوكل علي الله، ونسير بخطي رصينة ولكنها مدروسة، ومن دون تطبيل أو تزمير، ولا داعي أيضاً لخطي ثورية قد تجلب الأذي.
وهنا سكت الرئيس عبد السلام عارف بعد أن توقف عن المسير، وظل ينظر بعيداً نحو السماء المتلألئة بملايين النجوم، قبل أن يدقق في ساعته اليدوية، ويقول: آه.. لقد قاربت الساعة العاشرة، لقد تمشينا في هذا الطقس البارد ما يقارب الساعتين، شكراً يا دكتور علي هذه الأفكار والطروحات، إنني فخور بك.. صاحبتك السلامة.
استقل عبد الرحمن البزاز سيارته الشخصية، وقادها نحو بوابة الخروج من القصر، بينما كان رئيس الجمهورية يودعه واقفاً بالقرب من باب التشريفات.
وما إن دخل عبد السلام عارف الي جناحه الخاص، حتي هرعتُ لاُخرج مذكرتي الشخصية السنوية لعام 1964 لأسجل في صفحة يوم السادس من كانون الاول (ديسمبر) منها رؤوس نقاط لاحاديث عبد الرحمن البزاز مع عبد السلام عارف، قبل أن أرجو من زميلي الملازم عبد الجبار جسام إتاحة الفرصة لي هذه الليلة كي اُسجل تفاصيلها التي استمرت حتي الثالثة فجراً، بينما كان زميلي عبد الجبار يتجول علي نقاط المراقبة والحماية حوالي القصر الجمهوري، وعندما عاد واستقر علي مقعده في غرفة التشريفات، ووجدني غارقاً في الكتابة ظلّ يلومني علي هذا (الجنون) بدلاً من أداء صلوات النافلة والتهجّد.

سكرتير عام ديوان رئاسة الجمهورية

كان الرائد عبد الله مجيد يشغل هذا المنصب الرفيع منذ عام 1964 وحتي نيسان (أبريل) 1966. يبلغ من العمر (35) سنة، ضعيف البينة، متوسط القامة ومائل الي القصر، أبيض اللون، دائم الابتسامة، قليل الكلام، يبدو علي محياه الذكاء وبعض المكر، وقد علمت بمرور الايام أنه كان ضابطاً في الجيش برتبة رئيس (نقيب) في تموز (يوليو) 1958 عندما اشترك مع العقيد الركن عبد السلام محمد عارف في الثورة التي اطاحت بالحكم الملكي، ورافقه في زياراته لألوية (محافظات) العراق بعد نجاح الثورة، وشارك في ثورة 14 رمضان (8 شباط) 1963 وحركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 إذ عينه عبد السلام بهذا المنصب ذي الدرجة الخاصة بمرسوم جمهوري، فاُعتبر ـ طوعاً ـ محالاً علي التقاعد.. أما صنفه في الجيش فقد كان الهندسة الآلية الكهربائية.
كان نشطاً في عمله، مسيطراً بشخصيته علي عموم الموظفين العاملين تحت إمرته في المكتب الخاص ودوائر السكرتارية الاخري، يحضر الي الدوام الرسمي في موعده المحدد، وينشغل دون ان يتمتع بأية استراحة حتي انتهاء ساعاته المقررة، بل طالما كان يتأخر حتي الثالثة او الرابعة عصراً وبمعدل يومي، حتي في حالة مغادرة رئيس الجمهورية القصر الجمهوري الي بيته، فيما كان يصاحبه دائماً في جميع زياراته خارج بغداد او العراق. كان متواضعاً بعض الشيء، أنيقاً جداً في ملابسه وحريصاً علي تناسق ألوانها، تنقله سيارته الرسمية من وإلي القصر الجمهوري قبل وبعد انتهاء الدوام الرسمي.. ولكنه كان يحضر بسياراته الشخصية الصغيرة من طراز (اوبل 1964) والتي لم يغيّرها بشكل مطلق، كان أقرانه وزملاؤه من الضباط المستمرين في خدمة القوات المسلحة، وكذلك بعض كبار ضباط الجيش وقادته من الذين يحضرون الي القصر الجمهوري، يحسدونه علي منصبه.

          

حدث مرة أن كنتُ في زيارة لصديقي الملازم عبد مطلك الجبوري في غرفة التشريفات مساءً، عندما دخلها عبد الله مجيد طالباً من كلينا أن نرافقه لحضور مجلس الفاتحة المقامة علي روح والد المقدم الركن رشيد محسن مدير الامن العام، وذلك في جامع 14 رمضان قرب نصب الجندي المجهول، فقاد سيارته الشخصية وقد جلس عبد مطلك قربه في المقعد الامامي، بينما جلست انا في المقعد الخلفي.
كان مجلس الفاتحة مزدحماً بالمؤاسين بطبيعة الحال، رحب به اصحاب المتوفي كثيراً، بينما حيّاه العشرات من الجلوس بعبارة (مساكم الله بالخير)، فيما تقرب إليه عشرات آخرون يصافحوه ويحضنونه ويقبلونه بحرارة، صدقا، أو تقربا، وعند المغادرة، كنا نمشي خلفه مباشرة حتي وصل الي رشيد محسن ليصافحه ويقبله، وبعد عبارات المؤاساة الاعتيادية ترحماً علي والده، أخرج ظرفاً رسمياً من جيب سترته الأنيقة، ليقول: يا أخ رشيد.. هذا مبلغ متواضع من المال، أرسله السيد رئيس الجمهورية لكم.

رد رشيد مستغربا ولماذا؟ قال عبد الله لتغطية مصاريف الفاتحة. أجاب مدير الامن العام نحن يا أخ عبد الله، لسنا بحاجة الي مثل هذه الامور، وأنت أعلم بذلك. ورد سكرتير الرئيس: لكنه عرف سائد.
حسناً.. قال المقدم رشيد وسأل: هل المبلغ من عند السيد الرئيس ومن ماله الخاص؟ أجاب الرائد عبد الله: كلا انه من (نثرية القصر). وهنا قال مدير الأمن العام: لذلك فإنني لا أتقبله، وسلامي مع تحياتي الي السيد رئيس الجمهورية، وقل له إنه متي ما أصبح قادرا علي إكرامنا من ماله الخاص، فإننا سنتقبله ممتنين. ومرة أخري راح الرائد عبد الله يقول: لكن يا رشيد لا يجوز ان ترده، فذلك شيء معيب.
رد المقدم رشيد بحزم: كلاً وقسماً بالله العظيم، أرجو اعتبار الموضوع منتهيا.
أعاد عبد الله مجيد الظرف المغلف ذا اللون الاسمر الي جيبه خائباً، وخرجنا بصحبته من ذلك الجامع وهو ممتعض من ذلك التصرف، فيما ظل يردد طوال الطريق بعض عبارات الغضب، ولم نستطع ـ نحن الضابطين المرافقين له ـ تقدير إن كان موقف رشيد محسن نابعاً من حرصه علي أموال الدولة، أم من سوء علاقته غير الظاهرة في حينه مع رئيس الجمهورية، حتي اشترك فيما بعد مع عميد الجو الركن عارف عبد الرزاق في حركة لقلب نظام حكم عبد السلام عارف في ايلول (سبتمبر) 1965، التي سنورد تفاصيلها لاحقا.

هوامش

(1) توفي الشيخ محمد رضا الشبيبي في بغداد يوم السادس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1965، وقد أوفد الرئيس عبد السلام عارف السيدين خضر عبد الغفور وزير التربية وسلمان الصفواني وزير الدولة نيابة عنه للمشاركة في مراسيم تشييعه من حي الكرادة الشرقية حيث داره الي النجف ليدفن هناك.

(2) سعيد قزاز شخصية ادارية كردية تولي وزارة الداخلية في الخمسينيات وعرف بالشدة في مواجهة الاحزاب والجماعات والشخصيات السياسية المعارضة للنظام الملكي، اعتقل عقب ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وحوكم امام المحكمة الخاصة برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي التي أصدرت قرارا باعدامه نفذ به وقتئذ.
(3) كان الاستاذ عبد الرحمن البزاز يتكلم مع الرئيس عبد السلام عارف باللهجة العامية العراقية الدارجة في أغلب حديثه، وربما تحويله الي الفصحي في الكتاب، قد يؤثر علي ما كان يعنيه من أمور وأفكار وطروحات، لذا وجب تنبيه القارئ الكريم.

      

الگاردينيا:للراغبين الأطلاع على الحلقة الرابعة.. النقر على الرابط أدناه:

http://www.algardenia.com/fereboaliraq/6825-2013-10-14-22-00-48.html

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

744 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع