الملك غازي والطبقات الكادحة.. عندما كان الملك يتقرب من أبناء الشعب

         

الملك غازي والطبقات الكادحة.. عندما كان الملك يتقرب من أبناء الشعب

   

                           

تحدث الملك غازي في أول خطاب عرش له القاه في الأول من تشرين الثاني 1933 امام مجلس الأمة، عن أمور سياسية واقتصادية واجتماعية عدة وعن الظروف التي مرت بها البلاد وعلاقات الجوار.

واختتم خطابه بأن الهدوء والسكينة مستتبان في جميع أنحاء البلاد ،وان الوزارة الجديدة ستتقدم عند تأليفها ببرنامجها وان الجميع برأيه مدركون لأهمية بذل كل ما في وسعهم لإعلاء شأن البلاد بين الأمم بالمستوى اللائق.

     

وبالامكان القول هنا ان شعبية الملك غازي ازدادت بعض الشيء، عندما ابدى تعاطفه مع مشاعر الشعب العراقي مؤيداً للمقاطعة الشعبية التي أعلنت بوجه شركة الكهرباء الانكليزية، التي أبت تخفيض أجور الكهرباء في بغداد، حيث استخدم في البلاط اللوكسات بدلاً من الكهرباء وذلك في تشرين الثاني 1933، فضلا عن ذلك كان الملك غازي خلال اتصاله بالناس عند زيارته لبعض الأماكن العامة، أو افتتاحه لبعض الاعمال، أو وضعه حجر الأساس لبعض المباني، أو رعايته لبعض الجمعيات الخيرية والإصلاحية، يظهر في تعامله معهم أقصى حدود الاهتمام والتواضع، إذ كان يقود سيارته بنفسه ويسير بين الناس، حتى انه كان يحتج عندما خصصت الحكومة مجموعة من الشرطة لابعاد أي مكروه عنه، لأنه كان يريد ان يكون لقاؤه بالناس بعيدا عن التكلف. وبتلك الروحية كان يستمع إلى شكاوى الناس واحتياجاتهم فيساعدهم احياناً من جيبه الخاص، فأصبح له لذلك كله وقع خاص في نفوس العراقيين، حتى صاروا يحسون بان مليكهم يعكس طابعهم حسب التعبير الموفق للمؤرخ لطفي جعفر فرج.
واذا ما أردنا ان نلقي ضوءاً اسطع على موقف الملك غازي من شكاوى واسترحامات الطبقة الفقيرة ، فقد وجدنا ان الكثيرين من الفقراء والمحتاجين بعثوا باسترحاماتهم إلى الملك، للحصول على عمل ليكسبوا منه قوتهم بعد أن جاهدوا كثيراً للحصول على ذلك من دون جدوى. على أية حال، ظهرت اهتمامات الملك غازي باحتياجات سكان العراق بصورة عامة، والبصرة بصورة خاصة من خلال جولته إلى جنوب العراق في نيسان 1934 ، حيث طلب الاهتمام بموضوع الرسوم الكمركية التي تفرضها حكومة الهند على التمور العراقية التي ارتفعت من 7% الى 30% ، فطالب الملك بان تهتم الحكومة بتلك الامور وتعمل على حماية الثروة الوطنية.
كما امر الملك غازي بإنشاء جسر حديدي على شط العرب في كرمة علي. والاهم بالنسبة لنا انه خلال إقامته واطلاعه على وضع بلدية البصرة أمر بضرورة إزالة الأكواخ (الصرائف)غير الصحية المنتشرة في البلدية انتشارا هائلاً ،وأمر بتشييد دور للعمال من أصحاب الاكواخ، بعد ان امر بزيادة ماخصص لبلدية البصرة من ميزانية الاعمال الرئيسة بمبلغ وصل الى 5000 دينار.كما حث الملك غازي في تلك الجولة بلدية البصرة على الاسراع في عملية تمليك البلدية للعرصات الأميرية ، وضرورة إيصال الماء الصالح للشرب للأحياء التي تقطنها الطبقة الفقيرة .
ولم تقتصر جولات الملك فقط على جنوب العراق وانما قام بجولة تفقدية في شمال العراق في التاسع من حزيران 1934، فقضى خمسة أيام فيها، افتتح خلالها جسرها الحديدي، ثم قصد الوية اربيل وكركوك والسليمانية. اذ قابل الملك غازي في رحلته تلك ،ولاسيما في الموصل، وفداً من اشرافها واعيانها وقدموا له مطاليب الاهالي والمشروعات التي يرجون من الحكومة الاهتمام بها.

      

وقام الملك غازي في اثناء تلك الجولة بتوزيع أكثر من خمسة وعشرين ديناراً على فقراء مدينة الموصل عن طريق متصرف لواء الموصل.
كانت جولات واهتمامات الملك غازي هذه، إبان السنتين الاوليين من حكمه ولكنه بعد ذلك انصرف الى اهتماماته الخاصة وترك شؤون الحكم. كما تؤكد التقارير الدبلوماسية البريطانية.

                

ضمت وزارة حكمت سليمان، التي شكلت في 29 تشرين الاول 1936 ، مجموعة من الشخصيات الوطنية، أهمها جعفر ابو التمن الذي شغل منصب وزير المالية، لذلك لم يكن غريباً ان تستقبل هذه الوزارة مظاهرة تأييد كبرى في بغداد شارك فيها ما يقرب من 50 الف متظاهر، كان جلهم من العمال بعد أن استبشر العمال بالعهد الجديد، آملين ان تتاح لهم الفرصة الملائمة للحركة والمطالبة بالحقوق المشروعة للطبقة العاملة، بعد فترة التضييق التي مارستها ضدهم وزارة ياسين الهاشمي الثانية، وكان أمل عمال النفط كبيراً جداً بأن يلقى نضالهم من اجل نيل حقوقهم اهتماماً كبيراً من لدن الوزارة الجديدة.
في ظل أجواء كهذه سارت في 3 تشرين الثاني الجماهير صوب جامع الحيدرخانة فخطب كل من محمد صالح القزاز، ومحمد مهدي الجواهري وغيرهما خطباً في تمجيد الحركة، ثم مشت المظاهرات على هيأة مواكب وهي تهتف بحياة الملك وبحياة الجيش، والوزارة الشعبية، ولم تقتصر المظاهرات على بغداد فقط وانما شملت معظم مدن العراق.
ومن الضروري التطرق هنا إلى الاتفاقيات الخاصة بالعمال التي عقدها العراق بعد دخولهِ عصبة الأمم، واشتراكه في مؤتمرات العمل،والتي أولاها الملك غازي شيئاً من الاهتمام، ولاسيما الاتفاقية رقم 41 بشأن استخدام النساء ليلاً المصادق عليها من قبل مؤتمر العمل الدولي في 19 حزيران 1934، إذ ذكر الملك أن السكرتير العام لعصبة الأمم قد ابلغ وزير خارجية العراق في 12 أيلول 1934 بنسخة مسودة من الاتفاقية، وقد نالت في 28 آذار 1937 موافقة السلطة التي يقع الأمر ضمن اختصاصها، واتخذت الإجراءات اللازمة لتنفيذ أحكامها، فقد بيّن الملك انه لدى اطلاعه على المسودة المذكورة والنظر فيها فقد قبلها وأيدها متعهداً بالقيام بإخلاص وأمانة بكل ما ذكر وورد فيها من مواد، وبذلك تم التوقيع عليها من قبل الملك في 1 اذار 1938.
ولا تخلو من مغزى الاشارة الى أن المادة الثالثة من الاتفاقية نصت على أن: لا يجوز استخدام النساء ليلاً بصرف النظر عن السن في مصنع عام أو خاص، باستثناء المصانع التي يستخدم فيها أعضاء العائلة الواحدة فقط، في حين نصت المادة السادسة من الاتفاقية، على انه يمكن تخفيض ساعات العمل الى عشر ساعات خلال ستين يوماً في السنة في المؤسسات الصناعية الخاضعة لتأثير المواسم في جميع الحالات التي تقتضيها الضرورة، بالمقابل جوزت المادة السابعة للأقطار التي يجعل فيها المناخ العمل النهاري شاقاً بزيادة ساعات العمل على ان تكون مدة الليل اقصر مما جاء في المواد المتقدمة، وعلى ان يعوض ذلك براحة في اثناء النهار، في السياق نفسه اشارت المادة الثامنة الى أن الاتفاقية لا تشمل النساء اللواتي يشغلن مناصب ذات مسؤولية في ادارة الاعمال فلا يقمن باعمال يدوية عادة.
فضلاً عن ذلك فقد وقع الملك غازي على الاتفاقية رقم 18المتعلقة بتعويض العمال عن الأمراض المهنية،وذلك في 2 أيار 1938، مثبتاً أسباب تصديقه عليها بقوله: " لما كان مؤتمر العمل الدولي قد وافق في 10 حزيران 1925 على مسودة الاتفاقية رقم 18 بشأن تعويض العمال عن الأمراض المهنية، ولما كان السكرتير العام لعصبة الأمم قد بلغ وزير خارجية مملكتنا في 13 ايلول 1934 نسخة طبق الأصل من مسودة الاتفاقية المذكورة، ولما كانت مسودة الاتفاقية قد نالت بتاريخ 9 آذار 1937 موافقة السلطة أو السلطات التي يقع الأمر ضمن اختصاصها، واتخذت الإجراءات اللازمة لتنفيذ أحكامها، ولما كنا لدى اطلاعنا على مسوّدة الاتفاقية المذكورة والنظر فيها قد وافقنا عليها وقبلناها وأيدناها، فعليه تعلق بموجب هذه الوثيقة موافقتنا عليها وقبولنا وتأييدنا لها بالأصالة من ذاتنا الملكية وبالنيابة عن أخلاقنا متعهدين وواعدين بشرف ذاتنا بالقيام بإخلاص وأمانة بكل ما ذكر وورد فيها من مواد".

زينب جبار رحيمة/عن رسالة ( الموقف الرسمي والشعبي من الطبقة العاملة في العراق 1932-1939)

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

488 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع