المؤامرة المزعومة .. بين عبد الاله ونوري السعيد

    

     المؤامرة المزعومة.. بين عبد الاله ونوري السعيد

سعى نوري السعيد بعد تأليف وزارته الثالثة في الخامس والعشرين من كانون الاول 1938 الى العمل على تصفية خصومه, فأحال اولاً مجموعة من كبار الضباط على التقاعد بدعوى مؤازرتهم للوزارة المدفعية السابقة, ثم التفت الى حكمت سليمان وبقية انصار بكر صدقي, لتصفية الحساب معهم, ففي السادس من مارس ,1939 استمع الشعب العراقي الى بيان مفصل عن احباط السلطات المختصة لـ (مؤامرة) خطط لها واشترك فيها (فئة من عبيد الشهوات والمطامع وعمال الفوضى) الذين (قاموا على قلتهم, وضعف تقديرهم لمغبة اعمالهم) بخداع نفر من الضباط من اجل (تجديد المآسي السالفة) وقد فاتهم (ان الجيش الذي يشعر بمجموعه بواجب الاخلاص والتضحية نحو قائده الأعلى وسلامة الوطن, لابد ان يبرأ من المفسدين). لقد كان سبب الاتهام هذه المرة هو العمل على قلب نظام الحكم والمجيء بالأمير عبدالإله وتنصيبه ملكاً بدلاً من الملك غازي, والقيام بحملة اغتيالات تستهدف عدداً من السياسيين بضمنهم رئيس وأعضاء الوزارة الحالية وقادة الكتلة القومية في الجيش وبحجة الحفاظ على سلامة أمن الدولة سارعت الجهات المختصة الى اعتقال المتهمين في تلك القضية, وفي مقدمتهم حكمت سليمان, وعدد من انصاره, منهم العقيد صالح صائب الجبوري, والرئيس (النقيب) البيطري حلمي عبدالكريم, والرئيس (النقيب) عبدالهادي كامل, والرؤساء (النقباء) المتقاعدون جواد حسين (الطيار) وعلي غالب عريان (الأعرج) واسماعيل العباوي ويونس العباوي وزجت بهم في السجن, تمهيداً لمحاكمتهم, وشكلت لهذا الغرض مجلساً عرفياً عسكرياً, برئاسة العقيد عبدالعزيز ياملكي. ان الذي يهمنا هو دور الامير عبدالإله في تطور القضية, ولا سيما ان الاحكام التي صدرت في نهاية المحكمة استندت بالدرجة الأساس, الى شهادته التي ادلى بها امام المجلس العرفي العسكري. لقد كان حلمي عبدالكريم يعلم بالمؤامرة المدبرة لاغتيال الملك غازي قبل وقوعها بما يقرب من الشهرين وقد اتصل بالملك لتحذيره, الأمر الذي اكده طه الهاشمي في مذكراته لكن الملك لم يكترث للأمر, ولم يوله ما يستحقه من متابعة واهتمام لدرء الخطر عن نفسه, فلجأ حلمي عبدالكريم الى الأمير عبدالإله يستعين به للمحافظة على حياة ابن عمه, فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار وقد تحدث الأمير عبدالإله عن تفاصيل ذلك اللقاء قائلاً: (جاءني عبدالهادي كامل ذات يوم وطلب ان يكلمني فلما اختليت به قال: ان ضابطاً يريد مقابلتي فإذا به حلمي عبدالكريم, وقد ذكر لي ان بعض الضباط يريدون القيام بمؤامرة ضد الوطن, وان الواجب ساقه الى اخباري بذلك, فطلبت اليه ان يذكر لي اسماء هؤلاء الضباط, فلم يذكر اسم اي احد, على الرغم من الحاحي عليه فسألته, وكيف استطيع الوثوق بأناس لا أعرف أسماءهم؟ فجاءني بعد مدة بقائمة تضم بعض الاسماء, فذهبت بها الى عمي الأمير زيد, في الوزيرية وأطلعته عليها, وبعد أيام جاءني العقيد محمود سلمان, مرسلاً من قبل وزير الدفاع طه الهاشمي, وسألني عما قلت لعمي, فأدركت ان عمي قد افشى السر, وما لبثت ان دعيت الى الحضور امام المجلس العرفي العسكري, فاستأذنت الملك غازي وحضرت امامه, قصصت على اعضائه القصة كما وقعت). اللعب مع الكبار اما العقيد عبدالعزيز ياملكي, رئيس المجلس العرفي العسكري, فقد ذكر: ان حلمي عبدالكريم اتصل بالأمير عبدالإله بعد ان توسط عبدالهادي كامل للتعارف بينهما, وقد تكررت اجتماعاتهما عشر مرات, بين خلالها حلمي للأمير عبدالإله عدم مشروعية الحكومة الحاضرة ووجوب التخلص منها ويقترح لنجاح هذه المؤامرة تنفيذ الخطة التي وضعها والتي تنص على ان يقيم الامير مأدبة يدعو اليها اركان الوزارة القائمة مع بقية الضباط حيث يتم الاجهاز عليهم جميعاً هناك. لكن الأمير عبدالإله ذكر له بأن داره الحالية لا تساعد على مثل هذه الدعوة, واقترح ان تكون الحفلة في داره الجديدة. وقد اخذ حلمي خارطة الدار الجديدة لدرسها مع اصحابه وقد بقيت معه يومين كاملين ولم يكتف بمطالعة المخطط بل ذهب بذاته وكشف على مشتملات القصر الجديد, ثم بين حلمي للأمير عبدالإله بأنه سيذهب الى كركوك والموصل لاستكمال الترتيبات المتعلقة بهذه المؤامرة فسرب الأمير عبدالإله اتصال حلمي الى المراجع المختصة, التي اوصت باستمرار الامير عبدالإله على ادامة صلته بحلمي لمعرفة ماذا بجعبته فاستمر الامير عبدالإله يخادع البيطري حلمي عشرين يوماً) (على زعم) واستناداً الى الادلة والقرائن التي تجمعت لدى السلطات المختصة ألقي القبض على المتهمين وسيقوا الى المجلس لاجراء محاكمتهم عن التهمة الموجهة اليهم. أدلى الأمير عبدالإله بشهادته امام المجلس العرفي العسكري يوم السابع من مارس 1939 من دون اداء اليمين القانونية ويذكر صلاح الدين الصباغ ان الأمير ذكر في شهادته ان حلمي عبدالكريم عرض عليه الاشتراك في المؤامرة, واطلعه على اسماء بعض المتآمرين, لكنه اعتذر عن كتابة اسمائهم بخط يده, فدون الامير قائمة بأسماء أكثر من عشرين ضابطاً من رتب مختلفة, وسلمها للسلطات المختصة ثم استمع المجلس لبقية الشهود ومنهم العقيد محمود سلمان الذي جاءت شهادته مطابقة تماماً لأقوال الامير عبدالإله ولدى التأمل بعد التدقيق والمذاكرة ثبت للمجلس انه دبرت (مؤامرة) خفية مركزها بغداد من اكثرية المتهمين لقلب الحكومة الحاضرة, واغتيال عدد من المسئولين من مدنيين وعسكريين عن طريق اقامة وليمة في قصر الأمير عبدالإله, وعليه قرر المجلس في السادس عشر من مارس 1939 الحكم بالاعدام على كل من حكمت سليمان وحلمي عبدالكريم وجواد حسين والشقيقين اسماعيل ويونس العباوي, وبالسجن ولمدد مختلفة على عدد آخر منهم. اثار موضوع الاحكام ردود فعل واسعة, وعلى مختلف الصعد, فقد اعترض وزيرا الداخلية ناجي شوكت, والعدلية محمود صبحي الدفتري على قرارات المجلس العرفي, مما اثر بدرجات متفاوتة على مواقف الوزراء الآخرين ومن خارج مجلس الوزراء طالب العديد من الساسة امثال الشيخ محمد رضا الشبيبي وجميل المدفعي وعلي جودة الايوبي وابراهيم كمال باعادة النظر في هذه القرارات التي لم تحظ ايضاً بارتياح البريطانيين, لا سيما ما كان يتصل منها بحكمت سليمان, مما دفع بالسفير البريطاني موريس بترسون الى التدخل في الموضوع شخصياً, فضلاً عن مساعد المستر لويد رئيس جمعية التمور العراقية في هذا الخصوص. ونتيجة هذه الجهود ابدل حكم الاعدام بالسجن مدداً مختلفة للجميع عدا الضابط حلمي عبدالكريم الذي استقر الرأي على تنفيذ حكم الاعدام فيه, ولكن سرعان ما صدرت ارادة ملكية باحلال السجن المؤبد محل عقوبة الاعدام وفي هذا الصدد ذكر وزير العدلية محمود صبحي الدفتري في حديث له مع عبدالرزاق الحسني (وصلت اليّ الاوراق المختصة باعدام الضابط حلمي عبدالكريم, فتذكرت ان هذا الضابط لم يشهد احداً ضده سوى الأمير عبدالإله, وان اعدامه سيعرض حياة الأمير للخطر, فأقنعت الجهات المختصة بوجوب تبديل عقوبة الاعدام الى السجن المؤبد) في حين يشير السفير البريطاني في بغداد, الى ان تخفيف حكم الاعدام بحق حلمي عبدالكريم جاء بمناسبة عيد ميلاد الملك غازي المصادف في الحادي والعشرين من مارس 1939 وتؤيد السيدة نوار حلمي عبدالكريم هذا الرأي الى حد ما, فتنسب تخفيف الحكم الصادر بحق والدها الى الملك غازي نفسه. دوافع الشك ان تلك القضية كانت وما زالت مثار شك وجدل لدى دارسي تاريخ العراق المعاصر ويبدو ان دوافع ذلك الشك تعود الى: اولاً: فقدان ملف القضية, الأمر الذي ادى الى اختفاء الكثير من ملابسات القضية..

عن كتاب (الامير عبد الاله 1939 ــ 1058) بتصرف

المدى /عبد الهادي كريم الخماسي

   

إذاعة وتلفزيون‏



الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1136 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع