الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - زكي الجابر مات مرتين ..

زكي الجابر مات مرتين ..

                                              

                                زيد الحلي

              

زكي الجابر مات مرتين..عالم في الإعلام والشعر والتواضع !

            

                                            
 
أعتدتُ فتح بريدي الألكتروني فجرأ ، حيث صفاء الفكر وهدوء الجو ، فأبدأ بالرد على رسائل الأصدقاء مع أرتشاف فنجان القهوة ..

وبعد ذلك أخلد الى النوم، لكن الصديق الدكتور مليح صالح شكر فاجأني في سكون الليل وهزيعه الأخير، برسالة حملت عنواناً ، صادما ، مخيفاً هو ( الى رحمة الله ) فدارت بي الدوائر ، لم ينفع  فيها استعجالي في فتح الرسالة  ....  قلقت جدا ، ترى ما الشئ المهم الذي دعا الصديق مليح الى وضع هذاالعنوان لرسالته ...  هل هي  طريقة في المزاح ؟  كلا ، فمليح ، كما أعرفه يحمل الجدة في سلوكه وفي نمط حياته .. وبعد لحظات عرفتُ ان رسالة مليح تحمل خبر رحيل الدكتور زكي الجابر .. كان ذلك يوم الأحد 29 كانون الثاني 2012.
ومن لا يعرف الدكتور الجابر ، فهو ليس أعلامياً !
نعم ، أقولها بالفم المليان ، فالرجل قامة كبيرة ، بل كبرى في خارطة الإعلام العراقي  والعربي ، ولستُ بمبالغ ان قلت ان د.الجابر له بصمة عالمية في رؤاه وثقافته وشاعريته  ، وطلبته الذين تتلمذوا على يديه سواء في جامعة بغداد من خلال قسم الصحافة قبل ان يتحول الى كلية ، وكلية الفنون الجميلة  في أواسط ستينيات القرن المنصرم او طلبته في جامعات القاهرة والرباط  وجده ،  او من خلال  أشرافه على دراسات أكاديمية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بتونس حين توليه موقع المسؤولية الاعلامية فيها ..
ولاتغيب صورته عني ، عند زياراته المتكررة لجريدة الثورة في العام 1970 لاسيّما في موقعها بشارع ابي نؤاس ببغداد ، حيث كان يحرص بأستمرار على زيارة صديقه وأبن مدينته البصرة الزميل الصحفي المعروف ( ضياء حسن ) حين توليه سكرتارية تحرير مجلة ( الغد ) التي صدرت عن جريدة " الثورة" لمدة وجيزة .. كان الجابر وكيلاً لوزارة الثقافة والاعلام  غير ان بساطته ، وحلو لقياه وبساطته ، تنسيك موقعه ..
وتجذرت صورته وأنسانيته في ذهني ، وكنت أترقب زيارته لأسأله عن دراسته في " دار المعلمين العالية " وصداقته للسياب ، وزمالته للشاعر سعدي يوسف ودراستهما في ثانوية البصرة  وبعد ذلك في دار المعلمين العالية ، فكان يفيض بالحديث ووصل بذلك الفيض الى  ذكر تفاصيل مرحلة صباه ، وجلساته المحببة  في مقهى قديم انشأت في الاربعينيات  أسمها ( السيمر) وقد حدد موقعها وكأنه لا زال يرتادها وأتذكر انه قال بأن  المقهى تقع مقابل ثانوية البصرة للبنات والمحكمة المركزية ، وذكر اسماء من يرتادها امثال الاديب محمود عبدالوهاب، والشخصية المعروفة صبري افندي الذي شاع صيته بأغنية ( صندوق امين البصرة )
ثم ، غادر الوطن الى العمل في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس  وبعد ذلك ساح في الغربة ليتجول بين السعودية والقاهرة والرباط ....  مرة أستاذا ومرة باحثا ، حتى أستقر به المقام لاجئاً في امريكا ليلبي نداء ربه ، وعينه ترنو الى العراق الذي كان بأشد الشوق اليه والى مدينته .. البصرة التي قال فيها عندما ودعها مرغماً :
 ( وداعا.. أيها البصرة
يا اطياف براءتنا الأولي
وأحلامنا الطائشة..
طائراتنا الورقية،
كراتنا المحشوة بالخرق البالية
قراءتنا الخلدونية
جدول الضرب
ومسطرة المعلم
وداعا.)
وفي قصيدة وداع أخرى أسمها ( جف نهر الخندق ) وهو نهر معروف لأهالي الجنوب  وللبصريين خصوصاً لأنه يسقي مئات من بساتين نخيل ( البرحي ) وانواع النخيل الأخرى قال فيها :
( وداعا يا من ذبحت ألف مرة
وبعثت من قاع الموت ألف مرة
 أنت يا من تولدين من جديد
 مع كل صباح جديد
 نخلة باسقة
 ترتدي قميص الشعر
 وتنثر جدائل السعف للغضب
 والريح
 والثورة الدائمة
 أتلك أشرعة سفائن السندباد
 يعود من رحلته السابعة
 أم رايات أميرك " الخزعلي " الجميل
 ترف عليها أجنحة النوارس التائهة
 ما بين نخيل " المحمرة " وضفاف الكارون
 وأرياف " أبي الخصيب"
 وتلك جنة عدن
 أم سرير الماء
 يحتضن عليه " الفرات" دجلة
 في عناق الأبد
بين تراتيل " الهلاهل "
 وأضواء الشموس
وتدفق الحليب من الأثداء النافرة
 علي سمرة شفاه أطفال " القرنة "
 وداعا.. لكل من غني إليك
 وغنيت إليه
وداعا لكل من احتضن العود وغني
 ولم يكن لديه من خيار إلا ان يغني
 لوعات " أبوذية"
" ولا تعاشر البذات والماله تالي "
وداعا لكل شاعر كتب معلقاته
 علي " كرب " النخيل
 وقصبات البردي
وينشدها موقعة علي ضربات الدفوف
 وتراجيع اليمامات الضائعة
 وداعا يا قبة " أبن الجوزي"
 ويا تلك السعفات المطلة علي نهر "خوز"
ويا تلك العرائش السكري برحيق العنب
 وحليب " البرحي "
 وداعا يا جسر " الملح "
علي حصاك دماء الزنج
 ورسوم الأقدام العارية
والمسامير المنثلمة
 تنقل الآهات عليك
 تكسرات الغناء علي شفتي " محيي الدين الرفاعي "
 سكران في آخر الليل
يلعن الجوع والأغبياء
 وفتاحي الفال
  ومهربي السجائر
 تصك أذنيه الأصوات الوحشية
 تركب الهواء الشرقي
عابرة " جسر العبيد " إلي مقام الإمام " )


 الجابر يكتب شعراً بعد .. رحليه !!
 لقد مرت على الجابرمواقف عديدة ، كان فيها معلما بارزا دون ان تهزه ريح ، وعانى الكثير من المضايقات فخرج منها منتصرا ، لكن من الطريف و المحزن في آن واحد ان هذا الرجل ، قرأ مرة " نبأ " رحيله في الصحف ومواقع الانترنت  .. كان ذلك في عام 2001 فلم يصب بالهلع ، بل طالع بهدوء انطباعات عن رحيله بأقلام زملائه ومحبيه ، دون ان يسعى لتكذيب ( نبأ ) وفاته ، ويذكر الاستاذ فيصل عبد الحسن الذي رافقه في غربته الطويلة في المغرب ، إن د.الجابر كتب شعراً هازئاً بخبر نعيه قال فيه  :
( يقولون مات في غربته
 بعيدا عن الأهل والنخل
 عن بصرته !
 وقبل أوان الرحيل
 تساءل في وحشته
 من الحي فينا  وفي سجنه الأنفرادي
 مات العراق !
  ولم يبكه من احد
  وهل يعرف الميتون البكاء ؟
 وللشاعر الدكتور الجابر قصيدة ، شديدة العمق بحب الوطن ، لا يمكن للمرء عند قراءتها إلأ الانحناء  أمام عظمة العراق وتاريخه ، حملت عنوان ( عائدون اليك ايها الوطن ) كتبها في غربته في المغرب صوّر فيها معاناته  حيث عاش وضعا معاشياً صعباً نتيجة قلة ما يحصل عليه من أتعاب في عمله الجامعي  ، مما أضطره الى تقديم طاب الى المفوضية العليا للاجئين في الرباط .. :
(  نحن الباكون بلا دموع
 العاشقون بلا عشق
 المتكلمون بلا ألسنة
 والمستمعون بلا سمع !!
 لقد استعاد جيش قيصر عرش امريء القيس
 ليجلس عليه قيصر
 ولم ننل الملك فنفخر
 ولم تطونا اجنحة الموت، فنعذر !!
 فلم نكن نجباء
 حين تركنا السياط تمزق الظهور الممزقة
 وحبال المشانق تلتف علي الأفكار والرقاب
 وأتخمنا بطوننا
بطعام وكالات الأغاثة
 وسمرنا أقدامنا
 علي بوابات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين !!)
 
وعند الحديث عن الدكتور زكي الجابر ، تتوسع امامي رقعة رؤاي لتلك اللحظة التي صدح فيها صوت احد اصدقاء د. زكي الجابر ليشدوا قصيدة ، كان كتبها الشاعر يحيى السماوي  بحق صديقه ا د. الجابر في ما مضى من السنين .. قصيدة آخاذة ، أستولت على  مشاعر سامعيها ، لاسيّما لمن يعرف الجابر ، ومن شدة الاعجاب بالقصيدة ، طلب الحضور أستنساخها ، لتكون قصيدة لكل أصدقاء الدكتور الجابر .... اسمها ( خلّيِكَ في منفاك ) وهو عنوان مؤثر لقصيدة مؤثرة ..  القصيدة اهداها السماوي بهذه الكلمات  (إلى أخي وأستاذي الشاعر الدكتور زكي الجابر) قال فيها :
 
لا تَنْشر ِ الأشرعة َ البحر ُ بلا موج ٍ ولا ريح سوى الآهات ِ ... أَم تُراك صََدَّقْت َ خطابات ِ الدراويش ِ عن الكرامة ِ ... الحرية ِ... العدالة ِ... الوئامْ ؟
مررت ُ بالبصرة ِ لكن لم أَجِدْها فَقَفَلت ُ هاربا ً ولم أُبَلِّغْ أحداً سلامَك َ الحميم َ خفت ُ أنْ يصادر َ الغزاة ُ صُرَّة َ التراب ِ ألقيت ُ بها وضعت ُ في الزحام ْ
لا "الحسن ُ البصري ُّ" في مسجِدِه ِ ولا "الفراهيديُّ" في مجلسِه ِ ولا الفتى "عليُّ" في المقام ْ ...
خَلِّيك َ في منفاك َ ... لو كان يجيد ُ الهرب َ التراب ُ ما أقام ْ
في الوطن المحكوم ِ بالإعدام
كل ُّ الذئاب ِ اتَّحَدَت ْ واختلفَت ْ ما بينها الأنعام ْ
على بقايا الزاد ِ في مائدة ِ اللئام ْ
دماؤها مهدورة ٌ فمرَّة ً تُذْبَح ُ باسم ِ جَنَّة ِ السلام ْ ومرَّة ً باسم فتاوى حُجَّة ِ الإسلام ْ
ومرَّة ً تُسْلَخ ُ تنفيذا ً لما رآه في منامِه ِ سماحة ُ المفتي وما فَسَّرَه ُ وكيلُه ُ الغلام ْ ..
ومرَّة ً لأنها ترفض ُ أَن ْ تُهادن َ المحتل َّ أو تكفر ُ بالحرية ِ التي بها بَشَّرَنا مستعبد الشعوب ... جاحد الهدى ... موزع الأرزاق في بيادر الأجرام
ومرَّة ً لأنها تكفر ُ بالحاشية ِ المخصيَّة ِ الإرادة ِ .. الدمى التي شُدَّت ْ خيوطُها إلى فضيلة "الحاخام ْ"
*** يحدث ُ أّن ْ يُقتَل َ عصفور ٌ لأن َّ ريشَه ُ ليس بلون ِ جُبَّة ِ الإمام ْ يحدث ُ أّن يُصْفَع َ ظبي ٌ في الطريق العام ْ لأنه لم يُطِل ِ اللحية َ ... أَن ْ تُطْرَد ً من ملعبِها غزالة ٌلأنها لا ترتدي عباءة ً طويلة َ الأكمام ْ يحدث ُ أّن يُدَكَّ حي ٌّ كامل ٌ وربما مدينة ٌ كاملة ٌ بِمِعْول ِ انتقام ْ بزعم ِ أن َّ مارقا ً أقام َ في بيت ٍ من البيوت ِ قبل عام ْ هل دولة ٌ تلك التي تُقاد ُ من سفارة ٍ إن ْ عَطَس َ السفير ُ في مَخْبئِه ِ أُصيبَت البلاد ُ بالزكام ْ ! خَلِّيك َ في منفاك َ ... حتى ينجلي الظلام ْ ..
رحم الله ، الانسان الكبير المتواضع د. زكي الجابر


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

571 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع