الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - موكب السيد الرئيس...

موكب السيد الرئيس...

                                  

                            د.سعد العبيدي

       

       

سيارة الدفع الرباعي تقطع شوارع بغداد آتية من مقر الوزارة، تسبقها سيارة دفع مفتوحة تمتلأ بالحراس المدججون بسلاح هجومي، يجلسون على مصاطب حديدية صفين متراصين، تنتصب بين أفخاذهم المفتوحة بنادق أمريكية سوداء،

وعلى صدورهم العريضة دروع مستوردة خصيصا ضد الرصاص، تغطي عيونهم الثاقبة نظارات سوداء مشترات من البسطات المنتشرة في الباب الشرقي، وخلفها أخرى تمتلأ بمثلهم مدججين بالسلاح، مع أحزمة عتاد تلف أجسادهم، كأنهم يمثلون فلما امريكيا لقتال يجري في شوارع العاصمة بغداد.

الصخب يسبق الموكب القادم ضجيجا لا تتحمل وقعها الشوارع المزدحمة بقرقعة السيارات ونقاشات السائرين بعدة اتجاهات. مكبر الصوت، يطلب التنحي جانبا، يزجرُ من يتأخر عن التنحي من أصحاب السيارات.

  

يتوقف عند محل الاخلاص لبيع الاثاث والسجاد الفاخر قريبا من ساحة عنتر العامرة بمحلات الاثاث والادوات الطبية، والشباب العابثين بوقت الفراغ. يترجل الجميع بحركة سريعة تلفت أنظار الجمهور المشغول بموجة غبار شديدة وارتفاع حرارة الصيف اللاهب وهموم الحياة، اشارات تدل أنهم حراس مدربون على أستعراض الترجل والانتشار، وتمثيل الأدوار الخاصة بالتأثير على المعنيين من أصحاب المحال. كبيرهم حمدان يتجه راكضا صوب السيارة المصفحة ضد الرصاص، يفتح بابها يؤدي التحية بقوة مبتدئ يتدرب على أدائها في ساحة العرضات. ينتظر النزول الناجز للسيد رئيس لجنة المشتريات، متبخترا، يسبقه كرش يتدلى الى الامام مترهلا، زادت وقع تدليه قامة لا يزيد طولها عن المتر ونصف المتر محسوبة من أسفل الحذاء ذو الكعب العالي المصنوع خصيصا لاصحاب القامات القصيرة الى أعلى خصلة شعر في رأسه المدور.

الشمس الساطعة تسقط أشعتها على ذلك الرأس المدور، فتكشف قاعدة شعر أبيض تحت طبقة صبغ هندي فاحم، تدفعه الى حث الخطى نحو الامام، تجاوزا لنظرات باتت تتابعه منذ تدلي ساقيه من المقعد الخلفي للسيارة المصفحة. لا فائدة من حث الخطى، فالوزن الزائد والساقين القصيرتين لم تعيناه على تحقيقها، رغبة تكونت تحت ضغط التركيز الآتي من جمهور يتضاعف عدده، أعتقادا بأنه وما يجري من حوله مشهد تمثيلي، بطله الممثل القدير سعد خليفة في أحد أدواره الكوميدية. يستمر بالسير البطيئ، تغطي البدلة الرسمية ارتباكه المكتوم، يطوقه الحراس المدربون من الجهات الاربع. يختلف على هيئته رجلين تجاوزا عمر الوسط ينم وضعهما عن خبرة عمل عسكرية قديمة:

يؤكد الاول صاحب الوجه الاسمر، أن الشخصية الماثلة أمامهم وهمية تتنكر بالزي الرسمي، صاحبها يدير عملية نصب مدروسة على مالك المحل القريب.

يصر الثاني أن الشخصية حقيقية والبدلة ليست وهمية، صاحبها حاصل على الرتبة بأمر من قوات الاحتلال. أما النصب، تعبير فضفاض، لا يصلح تعميمه على الذوات، والأغلب جاء ليعقد صفقة تجارية، ربحها مضمون.

يدخل المحل المعروف ببضاعته الاجنبية الجيدة، يقف التاجر حميد، إجلالا، ينتظر في مكانه وصول السيد رئيس لجنة المشتريات الذي ملأت هيبته المنقوصة أطراف المكان. يعيد الحراس أنتشارهم بين زوايا المحل وأمامه في الشارع العام، يؤدون حركات لا ارادية، يحاولون اثبات قدرتهم العالية على حماية الشخصيات المهمة.

السيد الرئيس يصر على انجاز مهام المشتريات بنفسه، كسرا لروتين اداري يعيق خطوات البناء، وتحديا لبيروقراطية عمل باتت تهدم البناء. يعطي أنطباع لمن يعمل ولصاحب العمل أنه مشغول بالماركات الموجودة، وانه من يقرر على الشراء. يتفحص المعروض الأكثر ملائمة لتأثيث الدارالمخصصة لضيافة السيد الوزير، ومكتبه، وبقية العاملين. ينجح في جلب التاجر حميد الى حضيرته بحركة غواية مغلفة بالايهام. يخرج من جيب تزينه اقلام فضية غالية الثمن كتابا رسميا بتخصيص مائة مليون دينار عراقي اجمالي المشتريات المطلوبة في ظروف تشهد ركود في البيع والشراء قبل تصديق البرلمان على قانون موازنة 2013.... مبلغ كبير يسيل له اللعاب. يدفع السيد رئيس اللجنة باتجاه الاستغلال الأمثل لمواقف المساومة ورفع السقف الخاص بالمطالب الى أقصى الحدود. يسهم بتلاقي الأعين في زوايا رؤية مشتركة لطرفين يفهمان بعضهما البعض، خبيرين في عملهما وفي الاستغلال العابر لمجريات الحال. ينتقلان الى صلب الموضوع، لا حاجة الى المقدمات التي تستنزف وقتا وجهدا ثمينا، يتفقان فكريا على ان الوقت والجهد مهمان لبناء بلد خربه الاحتلال بمعاول هدم من أهل البلاد.

- هل ترى المبلغ المكتوب؟.

- نعم أراه، انه مائة مليون دينار.

- القرار بيدي أنا رئيس لجنة المشتريات، بامكاننا الحصول على مفردات القائمة من محلكم فقط.

- هل تفهمني؟.

- نعم أفهمك. تفضل، لنجلس جانبا وأنا حاضر لتلبية كل الطلبات التي تريد.

يتحركان سوية الى غرفة المكتب في آخر قاعة العرض الواسعة، يومئ الى عناصر الحماية، يبتعدون على الفور. يجلسان على أريكة من الجلد الطبيعي، يقدم القائمة الخاصة بالمشتريات. يعيد التأكيد على أن الامر بيده والقرار مرهون بالموافقة على بعض الشروط البسيطة.

   

يدخل مباشرة في الموضوع.

- عشرون مليون دينار حصتي من الصفقة، تدفع الآن، مع ثلاجة صنع أمريكي وتلفزيون 50 بوصة وغرفة نوم أيطالي، ترسل الى البيت الآن، عندها سأوقع لك على موافقة الشراء، الآن ايضا.

-ربح الصفقة قليل، خمسة عشرمليون مبلغ معقول.

- انها بداية المشوار، أعرف الكلفة الاصلية لمجمل المشتريات ثمانون مليون دينار، لقد زدتها عشرون مليون من عندي، هي حصتي، ثم ان الخير قادم أبو....

- أبو سرمد.

- الخير قادم أبو سرمد ان شاء الله. هي عربون تواصل، لا تنقص فلسا أحمرا.

ينتهي النقاش أو أن السيد الرئيس لا يريد استمرار النقاش، واثق من النتيجة وحساب الكلف. يهم بالوقوف، يمسك به التاجر، يطلب منه الجلوس، يوافق على طلبه، مع اشارة الى أن بعض المواد سيكون منشأها صيني، يأتيه الجواب:

- الاولوية لما يتعلق بالسيد الوزير، وما تبقى من أي منشأ كان.

عشرون مليون دينار أوراقها حمر براقة توضع على الطاولة، تسلم الى السائق على مرأى من حراس، يثق بهم يحسب حصصهم بمقاديرتبقيهم ساكتين وان كانت فُتات موائد آخر الليل. يلقي التحية المعهودة في حالات الاتفاق على الصفقات، يترك الغرفة التي شهدت الاتفاق، وفي الطريق يشير الى كبير الحراس، أن يأخذ براد الماء المعروض وسط الصالة، فالصيف قائض، والعائلة بحاجة الى براد.

يغطي الغبار بصفرته الداكنة أجواء بغداد، تضيق الانفاس، يتجه المصابون بالربو الى المستشفيات لاستنشاق الهواء المشبع بالاوكسجين الصناعي، ويتجه السيد أبو محمود رئيس اللجنة صوب صديقه التاجر صاحب محل الاثاث، لا يثنيه عن المشاركة في بناء العراق هذا التراب المتصاعد وعواصف الصحراء، تيمنا بشعار يردده ( كل شيء من أجل البناء)يتمنى احلاله محل الشعار الذي عاصره متطوعا بالجيش الشعبي في ثمانينات القرن الماضي (كل شيئ من أجل المعركة) معتقدا أن شيئا لم يتغير سوى الشعارات.

- كنت مارا في طريقي الى البيت، فقلت من الضروري اخبار أبو سرمد عن حصول الموافقة على صرف المبلغ مائة مليون دينار، وعن قيام الحسابات باعداد الصك خلال أيام ان شاء الله، وبالمرة نتمالح، فالزاد والملح يا عزيزي أساس العلاقات الفاضلة بين الاصدقاء.

- أهلا وسهلا، التوقيت دقيق، لقد حل وقت الغداء. ماذا يعجبك على الغداء؟.

الغداء وجبة دسمة تشفي غليل الجياع، يلتهم طعامها مثل حوت يعبئ الاسماك التائهة بين التيارات المائية الى معدته الفارغة. يطلب شايا مشروطا بالتخدير على الفحم، طعمه مختلف عن ذاك المعمول على الغاز. يستأذن الخروج، فالأكل حشر في المعدة حشرا تسبب في تمدد الكرش المتدلي عدة سنتمترات اضافية، وزاد من حاجتها الى دفقة دم تعينها على اتمام عملية الهضم العسيرة، فأحس حاجة البدن المترهل الى النوم الذي كبس فجأة لنفس الاسباب.

يحضر في اليوم التالي كبير الحراس، يلوح بالصك ممسوكا باليد اليمنى، ينادي من بعيد، (البشارة مليوني دينار). ينفعل التاجر، يحاول تخفيض المبلغ نصفا على أقل تقدير، يفشل تماما فالتمثيلية محبوك اخراجها من قبل السيد الرئيس.

الهاتف لم ينقطع بين الصديقين، فالمصالح المتبادلة لابد أن تستمر والمشتريات لم تتوقف، وعملية البناء هي الاخرى لم تتوقف. السؤال عن الاحوال بين الطرفين قاسمهما المشترك، طلبات جاءت مقلوبة هذه المرة، رغبةٌ من التاجر لتعيين أحد اقاربه في الوزارة، وردٌ من السيد الرئيس:

- خمسة آلاف دولار، عند استلام الامر الاداري بالتعيين، ورجاء بمساعدة شاب فقير، ضمان حصوله على بطاقات تعبئة الهواتف النقالة من أحد المكاتب التي تعرفها، يقوم بتسديد ثمنها عند التصريف.

الأمر سهل، المعارف كثيرون، يحضر الشاب مرتين في الاسبوع لسداد ما بذمته من دفعات سابقة لا يزيد ثمنها عن المائة ألف دينار، ويستلم أخرى جديدة لا تزيد عن الضعف. يستهويه اللعب، يطلب كمية كبيرة بمليون دينار، يحصل عليها بسهولة، يغيب عن الانظار، يتصل التاجر بصديقه الرئيس، يعلمه بالموقف المحرج وضرورة التسديد.

يبقى الشاب بعيدا عن الانظار أسبوعا آخرا، يلح التاجر في أتصالات يوحي بها قدرة صاحب المكتب من الوصول الى الوزير، يرتبك السيد الرئيس، يحضر في اليوم التالي ومعه الشاب الفقير، يحاول التاجر الانقضاض عليه، يتقدم منه الحارس يهمس في اذنه اليسرى(انه محمود بن السيد الرئيس، وان الكارتات اعتاد بيعها الى الحراس، لكن عددها هذه المرة كان كبيرا، فاضطر الى بيعها في الخسران.

تفاجأ التاجر، تهالك على كرسيه، بات يضرب بكلتا يديه على فخذيه الممتلئتين، محركا بنطاله العريض، كمن يريد لجسده أن يتنفس.

وبعد أن تنفس سأل:

- لماذا كل هذا وأنت الآن ميسور الحال؟.

أجاب باستهزاء:

- أريد أن أصنع منه رجلا يعتمد على نفسه فالحياة غابة والناس فيها ذئاب!!.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

429 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع