الگاردينيا - مجلة ثقافية عامة - التنويم المغناطيسي ... حقيقة أم خرافة؟

التنويم المغناطيسي ... حقيقة أم خرافة؟

                                                   

                   دكتور محمد محمد السقا عيد
                استشاري طب و جراحة العيون
                عضو الجمعية الرمدية المصرية
     عضو الهيئة العالمية للكتاب والسنة بمكة المكرمة

التنويم المغناطيسي ... حقيقة أم خرافة؟

لقد انبهرت في صغري كثيرًا بمشاهد التنويم المغناطيسي التي تعرضها الأعمال الفنية التلفزيونية والسينمائية، وانطبع في ذهني – مثل الكثيرين – أن التنويم المغناطيسي له قدرات تأثيرية خارقة على البشر. لكن في البدايةّ دعوني أوضح للقارئ خظأ هذه التسمية ، فكلمة "مغناطيسي" هذه في الأساس ليس لها معنى أو وجود ، ولا تعبر من قريب أو من بعيد عن عملية التنويم، ولا يوجد علاقة للمغناطيسية بهذه العملية، اللهم إلا إضفاء بعض التشويق ولفت الانتباه بهذا المسمى. فقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة في العروض المسرحية القديمة، أو الأعمال السينمائية التي هولت من شأن التنويم المغناطيسي، فالسينما تُقَدِّم الحبكة على العلم والحقائق بشكل عام ، فهي تبحث عن المشاهد التي تلفت الانتباه، وتثير حمية وتفاعل المشاهد، بغض النظر عن مدى صحة أو كذب المعلومات العلمية والتاريخية الواردة في العمل الفني. وإذا أردنا التسمية الواضحة الصحيحة للتنويم ، فهو التنويم الإيحائي Hypnosis وهو فن علاجي معترف به عالميًا، وهو أحد أبحاث علم النفس، ويتم إجراء العديد من الدراسات عليه حتى الآن لاختبار فعاليته في علاج الأمراض وتغيير العادات السلوكية، وهو مجرد بوابة رقيقة يتم فتحها إلى العقل الباطن للولوج وتغيير بعض المفاهيم السلبية، واستبدالها بمفاهيم إيجابية. وتتم العملية من بدايتها لنهايتها برغبة الشخص الخاضع للتنويم وبكامل وعيه في بداية الجلسة، ويدرك تمامًا أبعاد هذه الجلسة، ونتائجها قبل وبعد استيقاظه.

يُعدّ التنويم الإيحائي أحد العلوم الجادة القليلة التي اختلط فيها الحابل بالنابل وانتقل بسرعة من العلم إلى الخرافة. ولا يخفى علي أحد أن التنويم قد لعب دورا هاما في تاريخ البشرية على يد علماء متخصصين، وإن كان قد دخله كثير من الدجل، أخل به، وأخرجه عن رسالته، وباعد بينه وبين نفعه كعلم، خطا خطوات واسعة ناجحة في علاج كثير من الأمراض النفسية المستعصية التي حار فيها الطب، وتعثر فيها كثير من الأطباء!.
على أنه أتى بعد« فرويد» علماء وأطباء، حملوا الرسالة، وساروا بها واستحدثوا كثيرا من النظريات، إلا أنه أخرجها عن وضعها الذي استحدثت من أجله، الجهلة المشعوذون ، ورغم عدم انتشار هذا اللون من العلاج في العصر الحديث بشكل كبير، إلا أنه مازال يستخدم في بعض المراكز العلاجية.
فبعد مخاض وأخذ ورد أصبح التنويم حقيقة انتهت باعتراف بريطانيا به 1955 واستخدامه كوسيلة معالجة فعالة في مشافيها المختصة بالمعالجة النفسية ، تلتها كثير من الدول كأمريكا وغيرها كلها اعترفت به وأسست له أصولا وفروعا في كلياتها وجامعاتها كعلم وفن لا يجيد إتقانه إلا ممارس موهوب له تجارب ناجحة ! تلا ذلك تمددا متنوعا لذلك العلم حيث كثرت استخداماته ، كمعالجة شمولية لأمراض فسيولوجية وسيكولوجية ، إلى برمجيات ذاتية مهارية - تنموية تفجيرية للطاقات الكامنة ، إلى استخدامات جديدة لا تخطر على بال ؟.
و يمكن الاستفادة من هذا اللون من العلاج في مجتمعاتنا الإسلامية وتسخير ذلك أيضاً في تقوية الجانب الروحي والنفسي معاً لدى المريض.
ومما يجدر ذكره أن بعض المراجع الغربية تعتبر بعض الشعائر التعبدية عند المسلمين هي نوع من العلاج بالتنويم، وذلك لأن المسلم يتجه بمشاعره أثناء العبادة باتجاه واحد فيقلل ذلك من تأثير المثيرات الخارجية الأخرى عليه.
التنويم المغناطيسي ( الايحائي)
هو الحالة التي يكون فيها الفرد في وضع يستجيب فيه للإيحاءات الملائمة من خلال حدوث تغيرات في إدراكه الحسي أو ذاكرته أو مزاجه.
والتنويم حالة تشبه النوم ولكنها تختلف عنه في قابلية المنوِّم للإيحاء.
وقد صيغت تعاريف كثيرة في هذا الخصوص نختار منها ما يلي :
تعريف Myers,1993,540 " هو نوع من التلقين العالي الذي يدفع الأفراد لتركيز انتباههم على نقطة ضيقة معينة بحيث تكون خبراتهم وخيالهم كأنه حقيقة وواقع " .
والتنويم المغناطيسي أو التنويم الإيحائي هو علم ليس بالجديد، و إنما علم معروف منذ مدة لا تقل عن ثلاثة آلاف سنة، وبالرغم من أن أغلبية الناس يعتبرونه ضمن الأمور الغامضة، إلا أنه ظاهرة طبيعية محضة. ويعد المغناطيسي أحد الأمور التي تثير الجدل، والتي يفقد الكثير من الناس التصور الواضح لها.
ومن أغرب قصص التنويم الايحائي، قصة أحد الأطباء الذي رأى عجوز فقيرة تستنجد به، فأخذها و أطعمها ثم أخذها إلى الفندق، وأجرى لها تنويم مغناطيسي، فاتضح أن المرأة كانت غنية وأنها اعترفت بقتل زوجها التاجر المعروف، وقد دفعته من جبل، وذكرت تفاصيل الحادثة، بعد ذلك ذهب الطبيب إلى الجبل ووجد نفس الصخرة التي وصفتها المريضة العجوز، ولكن لم تدان المرأة لأنه لا يعتبر دليل.
مفاهيم خاطئة عن التنويم
من الخطأ تماماً الإعتقاد بأن الشخص المنوم مغناطيسياً يمكن التحكم به و توجيهه لفعل أشياء بعينها، أي لا يمكن إرغام شخص على فعل شيء غير معتاد على فعله من الأساس، أقصد عقدة السيطرة التي أرهقتنا بها السينما، حيث يقوم المنوم بتنويم شخص ما مغناطيسيًا، ليطلب منه فعل شيء معين لمصلحته الخاصة ،هذا الأمر خاطئ في مفهومه، فالشخص الخاضع للتنويم يدرك الرسائل الموجهة لعقله جيدًا ويعيها، ولا يمكن السيطرة عليه، أو دفعه لفعل شيء مخالف لمبادئه، فلا يمكن أخذ معلومات شخصية من الشخص الخاضع للتنويم، لا يرغب في البوح بها في حالته الواعية، مثل معلومات حسابه البنكي، أو رقم بطاقة ائتمانه، أو أسراره الشخصية. كذلك لا يمكن دفعه لفعل أفعال مشينة مثل السرقة، التحرش، القتل، أو الانتحار. فكل هذا ضد مباديء الشخص، وبالتالي لا يلتفت إليها في الأساس، بل ربما يستيقظ فورًا إذا شعر بهذا النهج في عملية التنويم.
أيضا التنويم غصبًا أو بالخديعة، أي خداع شخص ما وتنويمه رغمًا عنه. هذا المشهد احترق في كلاسيكيات السينما، ومن كثرة تكراره ظن الناس أنه حقيقة واقعية. الحقيقة أنه لا يمكن تعريض أي شخص لتجربة تنويم إيحائي ضد رغبته أو رغمًا عنه.
التقنية الحديثة للعلاج بالتنويم:
يستخدم المعالج بالتنويم عدة وسائل في علاجه، والتي منها على سبيل المثال سؤال المريض بأن يركز نظره على شيء ما أمامه، وأن يسترخي تدريجياً حتى يصل إلى مرحلة يكون فيها غير واعٍ لما يدور حوله بدرجة كافية. ويشترط للعلاج بالتنويم أن يكون المريض متفاعلاً ومستعداً للتعاون مع المعالج، ورغم ذلك فإن هناك 5 - 10% من الناس لا يمكن تنويمهم مهما بلغت مهارة المعالج ودرجة تعاون المريض معه، في حين تختلف درجة القابلية للإيحاء عند 90% الآخرين.
ومهما يكن الهدف من التنويم فإنه يجب أن يتم في مكان هادئ ونور خافت، بعيداً عن اللون الأحمر والألوان الزاهية البرّاقة، كما يجب أن يستلقي الوسيط على مقعد وثير بطريقة مريحة، وأن يحل ربطة العنق والأحزمة الضاغطة وينزع الأحذية الضيقة.
في البداية يطلب المنوِّم من الوسيط أن يجلس ويداه مفتوحتان على ركبتيه، بحيث يكون باطن الكف إلى أعلى، فيوهمه بأن أصابعه سوف تنقبض بأثير قوة التيار المغناطيسي الذي يوجهه المنوِّم، وبعد لحظات يشعر الوسيط بأن أصابعه فعلاً تبدأ بالانقباض، وهذا الشعور طبيعي لأن أي إنسان إذا ما أرخى عضلات يده فإنه سوف يجد أن أصابعه تنقبض تلقائياً، فإذا أحس الوسيط أن أصابعه قد بدأت تنقبض، توهّم أن هذا الانقباض نتج فعلاً بتأثير من المنوِّم، ثم بعد ذلك يوهمه المنوِّم بأن يديه كما انقبضت بفعل التأثير المغناطيسي سوف تنقلب تلقائياً بحيث يصبح باطن اليد إلى أسفل بعد أن كان إلى أعلى، وفعلاً بعد أن تنقبض الأصابع تدور اليد كما أشار المنوِّم، وهذا أيضاً أمر طبيعي، ويمكن لأي إنسان أن يجرب ذلك بنفسه، فإذا شعر هذا الوسيط والذي غالباً ما يكون إنساناً بسيطاً أو مثقفاً طيب القلب يصدق كل ما يقال له، فإن ينقاد انقياداً أعمى إلى المنوِّم فتزداد ثقته به وبكلامه وبطاقته المغناطيسية، وبعدها يتحول المنوِّم بالإيحاء إلى عيون الوسيط بعد أن يضع أمامه كرة صغيرة لامعة ويطلب منه أن يحدق فيها ولا يلتفت لسواها، فيوحي إليه بأن أجفانه سوف تصبح ثقيلة وتأخذ بالانغلاق رويداً رويداً، وأن محاولة فتحها أصبح أمراً صعباً، وأن عليه الاستسلام وإغلاقها كي لا يتعب.
والحيلة الكامنة هنا هي أن المنوِّم يضع الكرة اللامعة على مسافة قريبة جداً من عيني الوسيط وفوق مستوى النظر، وهذه الوضعية يتوخاها المنوِّم لهدفين. الهدف الأول: هو جعل عضلات عدسة العين الشعرية (Ciliary Bodies) تعمل بكامل طاقتها وقدرتها لتركيز الصورة على شبكة العين (Retina) وهذا يؤدي لشعور العين بالتعب، كما أن وضع الكرة اللامعة فوق مستوى العين يجبر عضلات الجفن الأعلى على الانقباض بصورة أشد من الحالة العادية وهذا ما يجعلها تتعب.
أما الهدف الثاني: فيكمن في بريق الكرة إذ إن التحديق في جسم لامع يخفف من نشاط وحيوية الإنسان ويعزله عما يدور حوله من أمور. فإذا تعبت العين وقل النشاط والحيوية وأخذ يشعر بلحظات انسلاخ من المحيط الموجود فيه، ازدادت ثقته وقناعته بكلام المنوِّم إلى حد كبير بحيث لا يعود يشك في أية كلمة يسمعها منه. فإذا وصل المنوِّم إلى هذا الحد، أوحى إليه بأن الأصوات حوله بدأت تخف وأن لا صوت يسمع سوى صوت المنوِّم وبأن شعوراً جارفاً بالنوم بدأ ينتابه ولا فائدة من مقاومته وأن عليه الاستسلام لأن النوم فيه راحة له ثم يقول له بعدها بان أنفاسه قد أصبحت طويلة وبأن جسده أصبح خفيفاً جداً وهكذا يستمر المنوِّم بالإيحاء عن طريق استغلال أشياء حقيقة تحصل في جسد النائم حتى تحصل الحالة التي نسميها النوم المغناطيسي.
استخدامات العلاج بالتنويم:
رغم أن العلاج بالتنويم قد أخذ في الانحسار تدريجياً مع تطور وسائل العلاج النفسية الأخرى في العصر الحديث، إلا أنه قد حقق في السابق درجات مختلفة من النجاح في علاج مجموعة من الأمراض مثل:
السمنة، الآلام المزمنة، وحبسة الكلام، كما يستخدم في مساعدة العديد من المرضي في الإقلاع عن عادة لا يحبونها كإدمان الكحول والمخدرات والنيكوتين. أيضا يستخدم التنوبم في السيطرة على الألم ، فهومفيد للتخفيف من الآلام المرتبطة بالسرطان ومتلازمة القولون العصبي والألم الليفي العضلي ومشاكل المفاصل الصدغية والصداع وغير ذلك، فضلا عن إجراءات طب الأسنان.
استخدم التنويم المغناطيسي كذلك مع العديدين بنجاح في علاج الأرق والتبول في الفراش والرهاب والإقلاع عن التدخين وفقدان الوزن.
استُعمل التنويم المغناطيسي لاجراء عملية ولادة قيصرية في ايران ولم تشعر المريضة بأي الم خلال أثناء هذه العملية المعقدة، وعن كيفية اجراء العملية قيل انه استخدم التلقين الذهني للمريضة حتى فقدت الاحساس بجسمها، بعدها تم اجراء العملية القيصرية واخراج الجنين وتنظيف واغلاق الجرح دون ان تشعر بألم جسدي. وتمت العملية بترخيص من وزارة الصحة الايرانية وبحضوراخصائيي الولادة والجراحين وتم توثيق العملية تلفزيونياً.
ثم ما لبث العلماء أن اكتشفوا أنّ الإنسان تحت تأثير التنويم المغناطيسي يمكنه الوصول للمعلومات التي قد نسيها، وبهذا استطاع أطباء النفس الاستفادة من هذا الاكتشاف لمراجعة تاريخ المريض النفسي منذ الطفولة وتحديد الصدمات وبالتالي علاجها.
فالتنويم المغناطيسي ما هو إلا طريقة من طرق الطب البديل تُستخدم للمساعدة على تحقيق غرض ما طبي أو علاجي بهدف تخفيف الآلام أو علاج بعض الأمراض النفسية تحت إشراف ورعاية طبية
مع ملاحظة أنه ليس من المناسب استخدام هذه التقنية العلاجية لعلاج ذوي الشخصيات الوسواسية، وكذلك الشخصيات الشكاكة المرتابة نظراً لانعدام ثقتهم بمن حولهم بمن فيهم المعالج نفسه.
حكم التنويم المغناطيسي( الايحائي)
يعتبر التنويم الإيحائي مجال علمي معروف، ومهمته العلاجية معروفة، وله قواعد وأسس، وتحقق به إنجازات طبية معروفة، الا أن هناك ممارسات اختلطت بالتنويم عند الأداء، وهذه الممارسات احتوت على أمور محرمة، فبدا للناس منها أن هذا التنويم محرم، والحرمة إنما جاءت من الممارسات لا من التنويم كما يحصل في (السيرك) من استعمال السحر والشعوذة.
فالتنويم الإيحائي باعتباره نوعاً من المعالجة يمكن أن يستخدم في الخير ويمكن أن يستخدم في الشر، فالإقناع بفكرة ما يعتمد على مشروعية هذه الفكرة أو عدم مشروعيتها فإن كانت الفكرة حسنة جازت المعالجة، وإلا فلا. والله أعلم.
وختاما : يُعدّ التنويم أحد العلوم الجادة القليلة التي اختلط فيها الحابل بالنابل وانتقل بسرعة من العلم إلى الخرافة، فالتقدم والتطور السريع في العلوم الطبية والفيزيائية في هذا القرن طور علم التنويم الايحائي الذي يعتبر من العلوم الروحانية والنفسية ماجعل الأطباء والمعالجين النفسيين يستخدمونه في علاج الأمراض النفسية المستعصية وكذلك الأمراض العضوية. ولايشك العلماء والباحثون في صحة التنويم وظواهره المألوفة وبحوثه العميقة الى حد أن اصبح يدرس في كليات الطب وكذلك بأقسام علم النفس في كليات الاداب والتربية.
و الأن بعد أن عرفنا الكثير عن التنويم المغناطيسى فهل جربه أحد من قبل ؟ و هل يود أحد تجربته فى المستقبل ؟
بعض المصادر:
- كتاب (العلاج النفسي والعلاج بالقرآن – رؤية طبية نفسية شرعية) للدكتور طارق بن علي الحبيب (بتصرف يسير).
- التنويم المغناطيسي بين العلم والشعوذة - مجلة دعوة الحق المغربية- العدد110.
- موقع ماوراء الطبيعة الالكتروني.
- موقع إسلام ويب.
- كتاب فن التنويم المغناطيسي.

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

621 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع