من حكايات جدتي ... الثانية والأربعين

                                                     

                            بدري نوئيل يوسف

           

الغولة والبنات

منذ صباح الباكر نهضت جدتي من نومها مرتبكة وتكلم نفسها لأنها لا تجد من يساعدها في هذا اليوم، فقد اعتادت على تحضير البسطرمة كل عام، إنه بداية فصل الشتاء وأواخر فصل الخريف، تنتظر الحمال قادما من عند القصاب فقد اتفقت معه قبل يوم أن يرسل لها كمية من لحم العجل الطازج الذي يفرمه جيداً باليد أو بماكنة فرم اللحم، وقد حضرت جدتي كمية من الملح وخليط من البهارات الخاصة للبسطرمة (كزبرة ،كمون، فلفل أسود، كبابة، جوزة الطيب، مسمار اسود) مع كمية من الثوم الذي هرسته بالهاون.
 وصل الحمال وانزل اللحم في المطبخ وضع جدتي اللحم في الطشت وعجنه مع الثوم والبهارات، وبدأت تحشي اللحم بمصارين العجل أو البقر المتوفرة في سوق العطارين بعد غسلها جيدا بالماء الحار ، وتدعى بـ (الشردانة)، ومرات تحشى اللحم بأكياس نايلون شفافة في حالة عدم توفر المصارين ، يكون عرضها بحدود 5 سم وطولها بحدود  30 سم ،بعد ما تنتهي من تعبئتها تقوم إغلاقها، وربطها جيداً بالخيط،لمنع تسرب الهواء إليها، خشية أن تفسد، ثم تعلقها على الحبل، وتعرض في الهواء الطلق لمدة بضعة أيام حتى تجف، وعندئذ تصبح جاهزة للأكل.
ولجدتي طقس خاص لتحضير (البسطرمة)، فهي تقدمها في الصباح الباكر مقلية بالطاوة مع البيض (بسطرمة وبيض) وتقدم معها خبز التنور. ومرات في المساء تحضرها مقلية مع الطماطم، كخليط من (البسطرمة) والطماطم، وتصبح لذيذة جداً.
أما حكايتا لهذه الليلة حدتنا جدتي:كان في قديم الزمان، رجل حطّاب فقير الحال، مرضت زوجته وماتت وتركت له ثلاث بنات، بقى يعيلهن ويرعاهن، حتى كبرن وكبر هو أيضاً وشاخ وأصبح عاجزاً عن العمل، ولتأمين لقمة الطعام لبناته، قرّر أن يبيع البنت الكبرى بخمسمائة دينار، تقدم واشترتها غولة كانت تسكن في الجوار، فدفعت له ثمنها ألف دينار ففرح، وقبض المبلغ وبقي يصرف منه حتى انتهى، فعرض بيع البنت الوسطى فجاءت الغولة واشترتها ، ودفعت له ثمنها ألف وخمسمائة دينار، فطار عقله فرحا وأعطاها البنت، واستمر يصرف منه حتى انتهى، وجاء دور الصغيرة فباعها للغولة بألفي دينار، فأخذتها الغولة إلى بيتها، ولم تر أخواتها فسألتها عنهم فلم تجبها الغولة، ونامت عندها إلى الصباح فأيقظتها باكراً، وطلبت منها أن تنظف البيت وتشطفه وترتبه وتنتظرها حتى تعود، ففعلت البنت بكل جد ونشاط، وجلست تنتظر الغولة في المساء عادت الغولة ومعها اقسام الباجة (المعدة الكرشة والأمعاء الدقيقة) ، وسلّمتها إلى البنت وقالت لها: خذي هذه الباجة ونظفيها وأنت تضحكين وحشيها وأنت تضحكين، واطبخيها وأنت تضحكين، وأكليها وأنت تضحكين، إن نجحت بذلك سلّمتك مفاتيح القصر وأصبحت سيدة القصر، وإن فشلت سأعلقكِ في الغرفة السرية بجانب أخواتك، ففعلت البنت كما أمرتها الغولة إلى أن حان وقت الطعام، فتذكّرت أباها وأخواتها، تماسكت نفسها وصبرت حتى تفوز وتنقذ أخواتها. فرحت الغولة منها وسلّمتها مفاتيح غرف القصر جميعهم، وقالت لها:الآن أنتِ سيدة القصر وكل ما فيه تحت تصرفك، وبإمكانك أن تفعلين ما تريدين، وتحصلي على ما تريدين، ولكن أحذرك من أن تفتحي هذه الغرفة فتخربين سعادتك بنفسك.
كانت الغولة تخرج كل يوم من الصباح وتعود وقت المساء، بينما البنت الصغيرة كانت تفتح غرف القصر واحدة بعد أخرى، فترى فيها أشياء غريبة وعجيبة لم تحلم بها في حياتها من أجمل الثياب، وأنفس المفروشات، وأندر الجواهر واللؤلؤ والحلي والألماس وأدوات الزينة، وأشهى المأكولات مما لذّ وطاب فتمتعت ولبست وأكلت وتزينت وعاشت أسعد الأوقات، وبقيت على هذه الحال أياماً طويلة .
في أحد الأيام تذكرت والدها وأختاها، فحزنت وشعرت بالانقباض والاكتئاب، وتذكّرت أمر الغرفة التي منعتها الغولة من فتحها، فقامت في الحال وفتحتها، فذهلت عندما رأت أختاها معلّقتان في سقف الغرفة، وقد هدّهما الجوع والعطش، ونحل جسمهما وشحب لونهما، فأنزلتهما وأطعمتهما وسقتهما وعالجتهما، حتى صحّتا قليلاً، وحكت الاخت الكبرى لها كيف أتت بهما الغولة، وقدمت لهما الباجة واشترطت عليهما مثلما اشترطت عليها، ولكن عندما جلستا لتأكلا تذكرتا والدهما فبكتا، ففعلت بهن الغولة ما رأت. وعدتهما الصغيرة بأنها ستجد وسيلة لإنقاذهما، وقبل أن يحين وقت عودة الغولة أعادتهما كما كانتا، وجلست تفكر بطريقة للتخلص من الغولة.
جلست تراقب الغولة فرأتها تحمل صينية طعام إلى برج القصر، وتدخل وتغلق الباب لساعة من الزمن، وتعود إلى غرفتها وتنام، أثارت فضول الفتاة لمعرفة ما تفعل الغولة في البرج، فانتظرت بعد أن نام الجميع، أشعلت شمعة وتسللت إلى البرج، فرأت صالة كبيرة مفروشة بأحسن الأثاث، وفي إحدى الزوايا رأت شاباً جميل الطلعة وسيم الملامح، مقيداً من يديه ورجليه، ومعلقاً على الجدار وكان نائماً وقد أنهكه التعب، فاستغربت الأمر وأيقظته، وسألته عن قصته فأخبرها أنه ابن ملك أحبته الغولة وخطفته، وأرادت الزواج منه لكنه رفض فقيدته وعذبته، وهي تدخل عليه كل يوم بالطعام وتراوده عن نفسه وتطلب الزواج منه فيرفض، فتعذبه وتضربه حتى يغمى عليه، وسألها الشاب عن سبب وجودها في قصر الغولة، فأخبرته بحكايتها وحكاية أخواتها، واتفقا على التعاون والخلاص من الغولة، فأخبرها أن روح الغولة موجودة في عصفور، وضعته في قفص في غرفة نومها، وعليها أن تتسلّل إلى غرفتها في غيابها، وتجلب العصفور المطلوب، وتبدله بعصفور آخر وتترك له الباقي، ثم عادت الفتاة بهدوء ونامت في غرفتها.
في اليوم التالي خرجت الغولة إلى عملها، فأمسكت الفتاة بعصفور، ودخلت غرفة الغولة فأخذت العصفور من القفص، ووضعت الآخر مكانه، وحملته إلى الأمير ففرح به، وفكّت قيوده وجلسا معا يتسامران إلى أن اقترب موعد عودة الغولة، عاد الأمير مكانه ولفّ الحبل حول يديه ورجليه، وأخفى العصفور بيده، وعادت الفتاة إلى غرفتها وكأن شيئا لم يحدث .
بعد الغداء حملت الغولة صينية الطعام إلى البرج ودخلت على الأمير، فأطعمته وسألته أن يتزوجها فرفض، فغضبت منه وقالت له: إنها صبرت عليه كثيراً وأن صبرها نفد، فإن لم يوافق فستقتله وتتخلص منه، ورفعت قضيباً لتضربه وتعذبه، ففك قيوده وضربها ضربة قوية أوقعتها على الأرض، وأمسك العصفور بيده، وضغط عليه فتألمت الغولة وأحست بالاختناق، ورجته أن يبقي على حياتها، وله كل ما يطلب ويريد، وكانت الفتاة تراقب ما يحدث فدخلت وصرخت بالأمير أن يتخلص منها ولا يصدق وعودها، فضغط بقوة على العصفور فخرجت روح الغولة وماتت في الحال.فرح الجميع بخلاصهم، وحررت الفتاة أخواتها وهنأتهما بالسلامة، وحمل الجميع ما غلا ثمنه وخفّ حمله من القصر، وعادوا إلى ديارهم، وأقاموا الاحتفالات والأعراس وتزوج الأمير من الفتاة، وكان للأمير أخوان تزوج كل منهما فتاة، وعاشوا جميعاً بالهناء وسلام مع والدهن.
المصدر : من التراث الشعبي

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

524 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع